محب خيري الجمال - إيف... قيثارةَ الروحِ...

إيف.... قيثارةَ الروحِ

تَتَوارى الشُّرُفاتُ خلفَ ضبابِ الذاكرةِ الأرجوانيّ

حيثُ لا ينامُ الليلُ إلا على أهدابِ قمرٍ أخرس.

هنا، تتساقطُ الألوانُ

من لوحةِ الرسامِ الذي يحرس الليل في عينيكِ

وتُعيدُ الريحُ تشكيلَ النوافذِ

في قلبِ مدينةٍ اعتادتْ على غيابِها.

إيف،

يا مَن وشمَ العطرُ اسمها على خاصرةِ الفراغِ العاري،

أرى في عينيكِ تيهَ النجومِ التي ضلّتْ مجرّتَها،

وعزفَ الكمانِ المنفردِ

في صحراءَ لا تُبصرُ إلا الرمالَ النائمة.

كم تاهَ الوقتُ في كفّيكِ،

مُتَخَفّيًا في حباتِ الرملِ الذهبيّة،

فما عادَ يعرفُ فرقًا بينَ دقيقةٍ مُضيئةٍ

وقرنٍ من الصمتِ المُرْصّعِ بوجعي

إيف

في أعماقِ روحكِ،

تُحلّقُ أسرابُ طيورٍ زرقاءَ، لا تعرفُ الهبوطَ،

ولا تملكُ سوى جناحينِ من شفقِ الألمِ الجميل.

تطوفُ في فضاءٍ لا حدودَ لهُ،

ترسمُ دوائرَ من حُلمٍ شفافٍ،

تُضيءُ بهِ عتمةَ كهفٍ قديمٍ،

نسيَ كيفَ يهمسُ للريحِ. أسمعُ صدى خطواتكِ

على أرضٍ لم تطأها قدمٌ، إلا ظلٌّ من صدىً خافقٍ،

يُشبهُ نبضَ قلبِ شجرةٍ وحيدةٍ

نمتْ في قاعِ محيطٍ مُتجمّد.

تتكسّرُ الكلماتُ على حافةِ أسمها

كأنها أصدافٌ مُنْهَكةٌ قذفتها موجةُ الشوقِ الأعمى.

لا شيءَ هنا يُجيبُ، سوى حجرٌ مُتعبٌ

نامَ فوقَ حلمٍ مُتلاشٍ، وهمسٍ مُبهمٍ

يُعيدُ ترتيبَ السهاد في أروقةِ السهو

كم من سؤالٍ تَعَفّنَ في حنجرةِ المساء،

دون أن يجدَ شفاهًا تُرتّلُ لهُ أغنيةَ الخلاص.

إيف،

يا امرأةً من خريفٍ مُتوهّجٍ،

تُخبّئينَ في ضفيرتيكِ

حكايا الأوديةِ التي فاضتْ بالنجومِ،

وخريرَ ينابيعَ لم يرتوِ منها عابرٌ.

يديكِ، خريطةٌ لمدنٍ مفقودةٍ،

وعينيكِ، حقلٌ من الزهورِ السوداءِ

التي تتفتّحُ في ظلامِ الوعي.

أتنفسُ الهواءَ الذي مرّ بكِ،

فأجدُ فيهِ طعمَ المطرِ الأولِ على أرضٍ عطشى،

ورائحةَ الأزلِ في قُبلةِ الوقتِ الأخير.

فهل بقيَ في هذا الفراغِ

متّسعٌ لوشوشةٍ أخيرةٍ،

يا إيف،

يا قيثارةَ الروحِ على وَتَرِ الغيبِ

كم مرةً همستْ لكِ الريحُ باسمي في غفلةِ السروِ؟

كانتْ أصابعي تتوهجُ بينَ خصلاتِ الذهبِ،

كلما عبرتْ خيولُ الفجرِ جفونَكِ.

لم أكنْ أرى غيرَ ارتعاشةِ الوردِ في وجنتيكِ،

تلكَ التي تُشعلُ النجومَ في ليلِ القرويينَ الساجي.

يا منْ تندسُّ كفراشةٍ خضراءَ في حقولِ القمحِ،

تتركينَ خلفَكِ عطرَ اللوزِ المنقوعِ بقطراتِ الندى.

أتذكرينَ تلكَ الشرفةَ المعلقةَ على حافةِ الحدائق

التي تركتيها مجبرة

حيثُ كانتْ الأقمارُ تتشابكُ كأغصانِ الكرمِ في عينيكِ.

إيف،

كنتُ أعدُّ الأنفاسَ التي تهربُ منْ ثغرِكِ،

كلُّ نَفَسٍ حكايةٌ عنْ نجمةٍ سقطتْ في بئرِ العشقِ.

كانتْ يدُ الوقتِ ترسمُ وشماً أزرقَ على جلدِ الرخامِ،

وكلما انحنى الصدى لتقبيلِ آثارِ خطواتكِ،

تنتشرُ فراشاتٌ بنفسجيةٌ منْ قعرِ الذاكرةِ.

يا إيف،

يا عُقَدَ السحابِ في سماءِ قصيدتي،

منْ أينَ أتيتِ بكلِّ هذا الحلمِ المنسوجِ منْ خيوطِ السرِّ؟

كلُّ زاويةٍ في هذا الكونِ تحملُ بصمةَ جنونكِ،

كلُّ قطرةِ مطرٍ تروي حكايةَ جنونٍ للقصف المتواصل

في رأسي

لا شيءَ هنا يماثلُ خفقانَ قلبكِ،

الذي يطحنُ صمتَ الجبالِ في وضحِ النهارِ.

كانتْ العناكبُ تنسجُ خيوطَها منْ أشعةِ الشمسِ،

لتصنعَ لكِ فستاناً منْ ضوءٍ لا يُرى إلا بالحدسِ.

-هل تعرفين الضوء-؟

كنتُ ألمسُ غيمَكِ بيديَّ المرتعشتينِ،

فيرتدُّ الكونُ كلهُ إلى نقطةِ بدءٍ لمْ تكنْ موجودةً.

ألا ترينَ كيفَ تشقُّ الكلماتُ طريقَها في الهواءِ،

مثلَ أسرابِ طيورٍ مهاجرةٍ تبحثُ عنْ حنجرتكِ؟

تلكَ الحنجرةُ التي تحركُ أفواهَ الصخورِ،

وتجعلُ الحجارةَ تتأوهُ شوقاً لأصابعكِ.

يا إيف،

يا قبلةً مُعلقةً على شفاهِ المراكب المهاجرة

متى ستُخرجينَ القمرَ منْ جيبِكِ الصغيرِ،

وتُعلِّقينهُ كقنديلٍ أزرقَ في غرفتي،

لتضيئي عتمةَ الروحِ بضوءٍ لا يكسرُهُ أحدٌ؟

متى يا إيف؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى