بهاء المري - فراولة على حافة الوحدة...

في مساءٍ يختلط فيه الصمت بالرجاء، وتنزف فيه اللحظة ببطءٍ ‏عطِر، جلست على حافة العمر امرأةٌ لم تعد تنتظر الكثير. لم تطلب من الحياة ‏مهرًا جديدًا، ولا وعودًا طويلة الأمد... فقط لمسة دفء، تنقذ ما تبقّى منها ‏قبل أن تذوي تمامًا.‏
ذلك المساء، بدا كل شيء أشبه بترتيل صلاة خافتة. رتّبت ‏تفاصيل البيت بدقّة المُتلهّفين؛ الشموع المعطّرة نُثرت بحذر، والموسيقى ‏كانت "شهرزاد" تروي الأساطير على مهلٍ كأنها تؤجل النهاية، وعطر الورد ‏يتسلل في أرجاء الصالون ليخدع الوحدة.‏
انتقت ثوبها بعناية، صفّفت شعرها بشغف لمسته منسية، وضعت ‏على شفتيها طيفًا من الفراولة، كأنها تُعيد تشكيل الأنوثة في مرآتها. كل شيء ‏حولها كان يصرخ: هناك أنثى تُعيد اختراع الحياة بعد موتٍ طويل اسمه ‏الوحدة.‏
ظل سؤالٌ واحد يرفرف في قلبها كفراشة مذعورة احترق ‏جناحها الأول: "لماذا رفض أن تُرسل له سيارتها الخاصة"؟ لكن رغم ‏الرفض، قبِل الدعوة. وكانت تلك "نعم" الصغيرة كافية لإشعال رماد ‏الروح.‏
تذكّرته كما كان في العمل: زميلًا خفيف الظل، يطلق دعاباته ‏حين يرد عليها بنصف ابتسامة:‏ "أليس عندك غير الشاي؟!‏ فتضحك، فيقول:‏ "متى تدعينني لطعام بحق؟"‏ كأن الدعابة بينهما كانت نافذةً صغيرة، تطلّ على دفءٍ لم يُكتَب له ‏أن يُكتمَل.‏
كان وحده من استطاع أن يلامس جدار قلبها دون أن يُحدث ‏صدعًا. يمرّ في حياتها كنسمةٍ لا تُثير الغبار، لكنها توقظ الحنين. تحبه بصمت، ‏وتعيش على ابتساماته كما تعيش الأرواح على قطرة يقين في صحراء خذلان. ‏ كانت أرملةً، لكنها كانت تعرف أن أقسى من التُرَمُّل أن تبقى الروح في ‏حدادٍ لا يُرى.

حين حضر، اهتزّ الضوء في عينيها، وخفق قلبها كغصنٍ نديّ ‏تحت قبلة مطرٍ أولى. جلس بعيدًا، فدعته أن يقترب... واقترب. تحدّث، ‏وارتبك، وتصّبب العرق من جبينه كأنما يُطارد يقينًا يتمنّاه ويخشاه في آنٍ ‏واحد.‏
وهي، كانت كل إشاراتها واضحة: أنوثة تتوسّل الاحتواء، أنثى ‏تفتح ذراعيها لا للجسد، بل للنجاة. اقترب وجهها منه، وقبّلها.‏
وللحظة، شعرت بأنها لم تعد وحيدة. لكن الفراولة باغتته بطعمٍ ‏غريب... بطيفِ امرأةٍ أخرى. امرأة تسكن ذاكرته، وتلبس خاتمه. ارتجف. ‏تراجع. ثم نهض.‏
قالت له بصوتٍ واهن: "أحببتُكَ... لن أُكلّفكَ شيئًا، فقط، دعنا ‏نُخفي الحنين عن عيني زوجتك". ‏
أغمضت عينيها بعدها، استسلمت لحلمٍ لا يشبه غيرها، تراه ‏يعانقها، يضمّها، ويذيب برد العمر بما تبقى من أنوثة لم تُروَ.‏
لكن الباب صُفِق فجأة. فتحت عينيها. الصالون خالٍ... ‏الشموع ما زالت تحترق. لكنها... تحترق وحدها.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى