محب خيري الجمال - كاساندرا... نبوءةُ الغسقِ الأخير

يا كاساندرا، يا صدى الريح في معبدٍ مهجور،
أرى في عينيكِ زوابعَ
وأسواقَ مدنٍ تُباعُ على أطرافِ مجرةٍ تحتضر.
هذا الليل، يا ابنةَ الملوكِ الأوائل،
ليس مجردَ غيابِ شمسٍ،
بل هوَ خيطُ النسيانِ الذي يشدُّ على أعناقِ الممالكِ العائدةِ من رمادها.
الصحاري تشربُ دمعَ النجومِ،
والأنهارُ تُغيرُ مجراها هرباً من صراخِ العابرين.
المستقبلُ، يا كاساندرا، ليسَ لوحاً فارغاً،
بل هوَ صفحةٌ مُمزّقةٌ من كتابٍ قديم،
تتساقطُ منها حروفُ العهودِ المنسية.
الدبلوماسيةُ قناعٌ يرقصُ على إيقاعِ المذبحة،
والاقتصادُ شبكةٌ من الأوهامِ تنسجُها أصابعُ الأرواحِ الهائمة.
أرى الفقرَ يرتدي وشاحَ الكرامةِ،
ويجلسُ على عرشِ العدالةِ المهشمة.
الشوارعُ، يا كاساندرا، حبالٌ مشدودةٌ،
يُشنَقُ عليها الزمنُ،
والمباني الشاهقةُ أهراماتٌ من الصمتِ،
تُلقي بظلالها على قبورِ الأحلامِ المؤجلة.
ليسَ للغدِ يدٌ ليمدّها،
فقد بترتها حروبٌ لم تنتهِ،
ونزاعاتٌ تغذيها الأيدي التي تدّعي السلام.
الحقيقةُ، يا كاساندرا، ليستْ سوى مرآةٍ مشوهةٍ،
تعكسُ وجوهاً بلا ملامح،
وقصصاً بلا نهايةٍ.
الجيلُ القادمُ يولدُ وفي عينيهِ ارتباكُ الجغرافيا،
في دمهِ صدى انفجاراتٍ لم يسمعها من قبل،
روحهُ تحملُ عبءَ تاريخٍ لم يعشه.
والعالمُ، يا حبيبتي، ليسَ سوى سجنٍ زجاجيٍّ،
نرى فيهِ الحريةَ وهيَ تلوحُ من بعيدٍ،
ثم تختفي كسرابٍ في واحةٍ مُختلقة.
الجدرانُ تنهضُ من جديدٍ،
بأسماءٍ مختلفةٍ، وأشكالٍ متغيرةٍ،
لكنّها تُعلِّمُ الدرسَ ذاته:
البشريةُ لا تتعلمُ إلاّ من فناءِ نفسها.
السماءُ لا تزالُ تتأملُ بصمتٍ،
زرقاءَ كشاهدٍ أخرسٍ على مسرحيةٍ لم تتوقفْ فصولها.
والنهايةُ، يا كاساندرا، ليستْ سوى بدايةٍ جديدةٍ،
لدورةٍ أخرى من النسيانِ والولادةِ،
في هذهِ الدوامةِ الكونيةِ التي لا ترحمُ.
فلتأتي الآن، فلنستقبلها بقلبٍ فارغٍ،
وعينينِ تُبصرانِ ما وراءَ الضبابِ،
نبوءةٌ أخرى لم يُصغِ إليها أحدٌ بعد.
كاساندرا يا نبوءةٌ من رمادِ العالم،
يا كاساندرا، يا صوتَ الشفقِ الأخيرِ على أسوارِ طروادة،
أيتها العينُ التي اخترقتْ حجابَ الزمنِ فارتجفتْ حقيقةُ الكونَ بين أصابعكِ.
هنا، حيثُ تتكسرُ الأجنحةُ على مرايا الأفقِ المُحتضر،
تتراكمُ الظلالُ كأكفانٍ شفّافةٍ فوقَ مدنٍ ابتلعتها العتمة.
لم يعدْ هناكَ بحرٌ يلوّحُ بموجاتِهِ الزرقاءِ لوعدٍ بعيد،
فالأمواجُ صارتْ تُلقي على الشواطئِ بقايا ممالكٍَ غارقةٍ،
وعظامَ آلهةٍ سقطتْ من عروشِها الذهبيةِ في صمتٍ مُدوٍّ.
يا ابنةَ بريامَ، يا وريثةَ الحُزنِ المَجدولِ بخيوطِ النبوءة،
كم من مرةٍ شاهدتِ النجومَ تتهاوى كحباتِ لؤلؤٍ في ليلٍ أعمى؟
كم من مرةٍ أشرقتْ شمسُكِ على جباهٍ مُطبعةٍ بالخيانة،
وعلى أفواهٍ تترددُ فيها ترانيمُ النصرِ المُزيفِ لعصورٍ لم تولدْ؟
ها هنا، العشبُ ينمو فوقَ الدباباتِ الصدئة،
والأنهارُ تُسربلُ حكاياتِ الجوعِ في شرايينِ الأراضي العطشى.
الشعوبُ تتيهُ في متاهاتِ البحثِ عن خبزٍ وكرامةٍ،
تحتَ سماءٍ تتكثفُ فيها غيومُ الظلمِ كوعودٍ لم تُنجَزْ.
العالمُ، يا كاساندرا، مسرحٌ تتراقصُ فوقهُ الأشباحُ في وضحِ النهار،
يرتدونَ أقنعةَ العدالةِ بينما أيديهمُ ملطخةٌ بدماءِ الأبرياء.
أنا أرى الأبراجَ الشاهقةَ تنهارُ على وقعِ رقصةِ الموتِ البطيئة،
والأصواتَ تخفتُ، تتلاشى في صدى صرخاتٍ لم تُسمعْ قط.
هذه ليستْ نهايةَ العالمِ يا كاساندرا، بل هيَ لحظةُ يقظتهِ الشرسة.
على هامشِ الفوضى الكبرى، تتشكلُ خرائطُ جديدةٌ،
تُنسجُ من خيوطِ الألمِ والأملِ المُعلّقِ بينَ أنفاسِ المحتضرين.
هذه الأرضُ، التي امتلأتْ بالدموعِ والرمادِ،
ستعودُ لتزهرَ من جديدٍ، لكنْ ببذورٍ مُختلفةٍ.
يا حارسةَ الأسرارِ المدفونةِ في غرفِ الزمنِ المهجورة،
كيفَ ترينَ القادمَ، حينما تصبحُ الحقائقُ مُجردَ نكاتٍ باهتةٍ؟
كيفَ تتنفسينَ هواءً مُلوثًا بوعودِ الزيفِ وعبقِ الخرابِ؟
نحنُ، يا كاساندرا، ورثةُ الفجرِ الكاذبِ الذي لاحَ ذاتَ مساءٍ،
تُطاردنا لعنةُ الأسئلةِ التي لا إجاباتَ لها.
المدنُ صارتْ مجردَ مقابرَ، يا كاساندرا،
هل سمعتي رجفة الأرض في غزة،
الدمعة المالحة في دمشق،
حرقة القلب في صنعاء،
خميرة الوجع على نهر دجلة؟
دمشقُ، يا كاساندرا،
ليستْ مجردَ مدينةٍ تئنُّ تحتَ ثقلِ التاريخ،
بل هيَ ذاكرةُ الأرضِ حين تُصابُ بنوبةِ بكاءٍ طويلة.
في الغوطةِ، تنمو الزنابقُ على شُرفاتٍ هُدّمتها المدافع،
وفي الزبداني، تتقافزُ أرواحُ الأطفالِ كطيورٍ هاربةٍ من غابةٍ محترقة.
الريحُ في ريفِ دمشقَ تحملُ بقايا صدى ضحكاتٍ أُطفئتْ،
ومآذنُها تُصلّي للهجراتِ التي لم تعدْ،
لبيوتٍ صارتْ أطلالاً ترويها عيونُ الحنينِ المتعبة.
وها هو بردى، يشهقُ كلما مرّ بظلِّ خيمةٍ
أو رأى جسدًا صغيرًا نائمًا على حجرِ الانتظار.
اقتربي يا كاساندرا وامسحي دمعة النيل في السودان،
القاهرة تئن في توابيت منجرحة،
تئن في متون مصر القديمة،
تذبح أوردتها في نخيل الصعيد،
والبشرُ تائهونَ في صحراءِ واسعة،
يبحثونَ عن ظلٍّ يؤويهم من شمسِ الحقيقةِ الحارقة.
لكنني أرى، يا كاساندرا، شرارةً تتوهجُ في عيونِ اليائسين،
أرى أياديَ تتشابكُ في صمتٍ مُلهمٍ،
تُعيدُ بناءَ جسورٍ هدمتها رياحُ الأحقادِ القديمة.
ربما لم نفهمْ بعدُ سرَّ هذه اللعبةِ الكونيةِ المعقدة،
لكنني أؤمنُ بأنَّ الروحَ التي تنزفُ فينا
هيَ ذاتُها التي ستُشرقُ من جديدٍ،
لتضيءَ دروبًا لم تطأها قدمٌ بشريةٌ.
فلتأتِ النهايةُ إذن، إن كانتْ هيَ بدايةَ فجرٍ جديدٍ،
فلتأتِ، ولتغسلْ هذه الأرضَ من أدرانِها،
ولتُعيدَ للأشياءِ بريقَها الأصيلَ.
فهل يكفينا المستقبلُ، يا كاساندرا، لنسردَ حكاياتِنا،
ولنزرعَ بذرةَ أملٍ في قلبِ كلِّ قلبٍ يُعاني؟
أم أنَّ الزمنَ ذاته سيُصبحُ مجردَ ذكرى،
تتلاشى في صدى صرخةٍ تجلس على صخرةٍ خرساء،
تشاهدُ نهايةَ العالم،
وتنتظرُ أن يُصغي أحدٌ أخيرًا...
لنبوءةٍ لم يقرأها أحد.
يا كاساندرا...
إن عادوا إلى أنقاضِهم،
قولي لهم إننا رأينا الغدَ في عينيكِ،
لكننا كنا عُميانًا،
وإننا فهمنا النبوءة،
لكن بعد أن احترق الكتابُ،
وبعد أن نطق الرمادُ بما لم يقلهُ أحد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى