ليلى تباني - قراءة فلسفية تأمّلية في رواية " الأمير 2... غريب الديار" للأديب العربي واسيني لعرج

لا يُذكَر الأدب الجزائري المعاصر إلا ويُذكَر معه اسم واسيني الأعرج، إحدى القامات السردية في الأدب العربي الحديث وأكثرهم وعيا بالتاريخ والهوية، وأشدّهم ولعا بعلاقة الذات بالآخر ، يحرص الروائي الجزائري واسيني الأعرج على أن يجمع بين جماليات السرد ودقّة التأريخ ، وأبعاد الأحداث وغاياتها ، فلا تكاد كتاباته تحيد عن نمط النص الذي يُعنى بالسؤال الجوهري: من نحن في خضم هذا الخراب الكبير ؟
بين نبرة الحالم العرفاني ونقد الواقعي السياسي انبثقت روايته "غريب الديار كتاب الأمير 2" الصادرة عن دار منشورات بغدادي ــ الجزائرـــ في طبعتها الاولى من سنة 2024 ، تعدّ الرواية جزءا تكميليا لسابقتها " الأمير ... مسالك أبواب الحديد" ، الذي ركّز فيه على المقاومة وبناء الدولة في الغرب الجزائري . ليعود بنا الكاتب إلى شخصية الأمير عبد القادر، لا ليستعرض بطولاته في مواجهة الاستعمار فحسب، بل ليغوص في نفسه الممزقة، ورُوحه التي عاشت المنفى بكل طبقاته: النفسي، والسياسي، والروحي.
تُشكّل الرواية بجزأيها مشروعا سرديا حول شخصية الأمير عبد القادر، فنشهد عبر النص انزياحا وتحوّلا في شخصية الأمير ، من قائد حرب إلى فيلسوف الرحمة، ومن زعيم قبيلة إلى صوفي يرى في العدو مخلوقا يستحق الحماية، وفي الدين وسيلة للسلام لا للفرقة.



IMG-20250720-WA0002.jpg


يفتتح الرواية بمقطع من "الإشارات الإلهية" لأبي حيان التوحيدي ، ذلك الصوفي المتشظي الذي جعل من الغربة قدرا أنطولوجيا، لا فقط تجربة عارضة ، فيستعير مفتاحا وجوديا لفهم الأمير لا كبطل خارجي بل كـغريب داخلي، غريب في وطنه وفي منفاه، بل حتى في ذاكرته.
فيتحدث عن الغربة بمستوى عال من الشجن الفلسفي ، كي يوحي لنا من خلاله بأنّ الاستغراب والغربة استعارات تتجاوز الجسد إلى غربة الروح ، فهو إن وظّف هذا النصّ فليس من باب الزينة الأدبية و إنّما ليعكس الوضع النفسي والروحي للأمير في منفاه، وارتباطه بوجع الغريب والمهمّش كما صاغه التوحيدي ، فيجعل هذا النصّ مرآة روحية لفهم الأمير و مفتاحا للقارىء يلج به بوّابات الرواية ، فيخوض غمار القراءة وهو على علم مسبق بأنّ الأمير رجل منكسر ، لا لأنه خسر الحرب فقط، بل لأنه بات غريبا في كل الأمكنة التي يُفترض أن يجد فيها العزاء. كما سيدرك بأنّ الغربة ليست فقدان مكان بقدر ما هي فقد انتماء ، و أنّ الغريب لا يبحث عن خلاص خارجي بقدر ما يبحث عن توازن داخلي .
عبور
بأسلوب يتعدّى نمطية المعتاد ، نأتي على دلالات النص و أبعاده من نهاياته ، حتّى نعزّز عمق فهمنا ، وجرأة تأويلاتنا ، ونسمح بأن نستعير للمتن عنوانا ينوب عن عنوانه الأصلي ويصبّ في معناه . يقول الكاتب على لسان بطله الأمير: "الحياة رحلة عبور، لا إقامة." ونعود لنؤكّد مزاعم استعاراتنا ونعبر عتباته الأولى ، فتتشكّل لدينا هويّة النص ، ففضلا عن غربة العنوان ، فنجد المتن وعبر فصوله السبعة يشير إلى عبور الأمير من الزمان إلى المعنى، ومن السياسة إلى التصوف، ومن الأرض إلى الروح .هو العبور من الذات التاريخية إلى الذات العرفانية .
يقدّم لنا واسيني رحلة الأمير الأولى بعد انتقاله من منفاه في أمبواز إلى القسطنطينية (اسطنبول حاليا)، مصحوبا بصمت البحر، وثقل الذكريات. في قلب السفينة"لابرادور"، نكتشف إنسانا لا يحتفل بنجاته، بل يودّع منفى ليعانق منفى آخر ، عمد كاتبنا أن يلبس حالة التيه التي يشعرها الغريب بإقحام طيورالنورس والضباب ، إذ لا يمثّلان في نظره سوى حالة تيه معنوي تُسقط على حالة الأمير. تعتريه حالة من الشكّ ، ليلحقها كاتبنا بطيف من الكوجيتو الديكارتي و يعزّزها بقول بطل روايته : "ذهبت فرنسا، لكنّ ظلالها تتبعني. ذهب الأسر، لكنّ الشك لم يغادرني. من أنا إذًا؟" ص. 28 ، ويشير في ذات الفصل إلى أهمّ ما يخلّد روح ، والتي تكاد تنحصر في فكرة " الإخوة الأعداء "، فيجعل ذاكرة الغريب ، تصنع إحدى عذاباته التي لا تفتأ تحضره ، فيتذكّر خيانة "مولاي عبد الرحمن " والتي لا ينفكّ كاتبنا يذكرها ــــ عن قصد أو عن غير قصد ــــ على لسان البطل : "أصعب الأحقاد هي تلك التي تأتيك من دمك، غير رحيمة، ومثقلة بالضغائن..." ص. 13
يستعرض الكاتب رحلة المعاناة في الفصل الثاني ، التي تبدأ حين وصوله إلى الشرق: ، مع إطلالة القسطنطينة و برود الاستقبال العثماني الممثّل في السلطان الصغير عبد الحميد ، الذي لم يكن إلاّ سببا يعرّي الواجهة الدينية للخلافة. السلطان لا يستقبله، والفرمان الهمايوني يتأخر أو يُفرغ من مضمونه. فيكتشف الأمير أن السلطة الإسلامية قد خذلته كما خذلته الإمبراطورية ، ويجد نفسه يلجأ إلى بورصا مضطراّ ، ولا يغادرها إلاّ بما تجبره الطبيعة بجبروت تقلّباتها ، فيرحل من هول زلازلها التي لا تكاد تفارقها .
لكنّه يرسم لنا منعطفا فارقا في رحلة الأمير ، يصل به إلى منفاه الأخير في الفصل الثالث ، فيستقرّ في الشام ، ويسكن دمشق ليجاور شيخه العارف " محي الدين ابن عربي " ، ويستبرك ببركات الجامع الأموي . يستجلي كاتبنا همّا من همومه ويدسّه في شخصية البطل ، كي يعاني مراراة القيد ، ويتوق إلى آفاق التحرّر ... ، يحرم الأمير من الحج رفقة والدته لالّة الزهرة ، ويُمنع من التنقل دون موافقة فرنسية. هنا يقتنع الأمير أنّ الحرية ليست حقّا بقدر ما هي شرطا سياسيا ، فتنمو لديه قناعة أن الحرية الحقيقية لا تُمنح، بل تُولد من الداخل.
في الفصلين المواليين ، يصوّر لنا الكاتب باحترافية عالية ، كيف يتحرر الأمير من الرمزية السياسية ويتحول إلى رجل عرفاني. فعبر مناظرته مع المختار ، يصل إلى أعلى درجات الارتقاء الصوفي من خلال تأملاته في الحب العرفاني عبر قصة قيس وليلى :" قيس ليس مجنونا بالله، ولكنه متيم بحبّه... ليلى هي القناع ونقطة الإسناد للوجود الإلهي... العلاقة لزومية لأن الحب هو الله." ص. 132
ممّا أثار لدي وربما لدى غيري من القرّاء وتحديدا في الفصل السابع، جدل اعتناق الأمير للماسونية وسؤال المطلق ، فيلتبس الأمر ، على المستقبل للرواية كنصّ أدبي ، والقارىء المحلّل الذي يتقفّى شظايا النّص ويدرك أبعاده وامتداداته و دلالالته الفلسفية والسياسية وحتى التاريخية ، لينتقل من فكرة تخوين الامير إلى قناعة انّه رجل فكر وعقل ، فبعد دخوله دوائر الفكر الغربي. وعلاقته الطيّبة بتشرشل ونابليون الثالث، يُحاور الماسونية نقدا لا انتماء،يعترف له تشرشل: "كانا يتحادثان ساعة كاملة كل يوم... لا شيء يبرر العنف باسم الوطن أو الرب." ص. 104 ، يسقط نابليون، وتنهار فرنسا في حرب السبعين. لكن الأمير لا يحتفل، بل يتأمل سقوط الزمن .
تأمّلات في رواية الأمير
لايعتبر النص مجرد سيرة لأمير تائه في بلاد بعيدة، بل هي مرآة فلسفية تعكس رحلة الإنسان في بحثه عن الذات والمعنى. فالغربة هنا لا تقتصر على فراق الوطن، بل تمتد إلى غربة داخلية أعمق، غربة الأصل و الهوية، وجوهر الوجود .
في رحاب الإنسانية يتّسع مفهوم الأخوّة ، فالمسيحي والمسلم سيان ، و يبلغ الأمير أقصى درجات الوعي الديني ،فيرى أنّ الدين الحق هو الذي يحمي الإنسان، لا الذي يبرر قتله:
إذا كانت لديك وسيلة لرأب الصدع افعل شيئًا. هؤلاء إخوتنا... ليسوا مسيحيين فقط، بل بشر مثلنا..." ص. 1860
لم يفهم الفتوحات (الفتوحات المكية) إلاّ كأفق علمي في مناظرته مع المختار حول ابن عربي، فيُظهر أن المعرفة لا تُحاكم من النص، بل تُفهم في علاقتها بالحياة:
"هناك منتصر ثالث: العلم." قال المختار: "في هذه غلبتني." ص. 128
العبرة في المعنى لا في النصر ، فرواية الأمير ليست إلاّ تمثّلا من تمثّلات الإنسان الذي استحال فكرة. فهي مرآة لنفس ممزقة لم تعد تؤمن بالحدود، ولا بالعقيدة كراية للحرب، بل بالرحمة كوجه من وجوه الله : "أنا لا أقاتل من أجل أرض، بل من أجل أن يبقى الإنسان إنسانا ".
بهذا، تكون الرواية تجربة فلسفية ممتدة، لا سردا لأحداث، بل تأمّلا في زمن يسقط فيه الأبطال، ويبقى المعنى هو المنتصر الوحيد .


ليلى تبّاني ــــ الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى