محمود الباجوري - «طير بلا سماء» ليحيى كامل .. ثمة خرابٍ ضروري

«طير بلا سماء» هو عنوان ديوان شعري من تأليف الدكتور يحيى كامل، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة قناة السويس، صدر عن دار نشر «بيان للترجمة والنشر والتوزيع» في 2019. ديوان رعوي قصير مليء بأحزان إنسانية وطقوس جنائزية، لكنها أحزان مُستنيرة، حيث يحاول الشاعر إضفاء طابعاً رومانسياً على الخراب. حقاً، «الأصوات المُستنيرة منفية» على حد تعبير الشاعر الفرنسي آرثر رامبو. السؤال الآن: لماذا منفية؟ ببساطة شديدة، لأنها تسكن في نفق النفي. ليس النفي الذي أقصده هنا نفي العبارات الذي يتحدث عنه النحويين، ولا حتى «قانون نفي النفي» لهيجل، بل النفي الوجودي، الفناء، السحق الأبدي، ملامسة العدم المطلق، أو كما يقول كامل في إحدى قصائده: «ألعق العدم». مثل رامبو وآخرين لا أعرفهم، يؤمن كامل بالخراب وبضرورته، ضرورة الضرورة، إذ يرى أنه ليس من حقك أن تلمس الأبدية دون أن تمر أولاً فوق جسر الجحيم. هنا، وهنا فقط، نستطيع أن نقتبس عبارة رامبو الشهيرة من ديوانه «فصل في الجحيم»، والتي يقول فيها: «كي أهوي إلى العدم وفقاً لشريعة البشر». إياك أن تظن أن عدم الرعويين أسود كغراب، لا، إنه الخراب الجميل، لأن كل جمال منفي، أو كما يقول رامبو: «ثمة خرابٍ ضروري».

1753173305320.png

كيف يتشابك الجمال مع الخراب كشهيق وزفير في نفس واحد بين طيات «طير بلا سماء»؟ الإجابة ستتضح من خلال البحث عن الجمال الساكن في جوف الخراب، الجمال المركون على الرف، هناك بالقرب من حافة الهاوية. على سبيل المثال، يخاطب كامل محبوبته الغائبة، قائلاً: «متى اللقاء؟ يا زهرة برية تجمل حاضرنا القبيح». يتضح تأثر كامل هنا بالشاعر الرومانتيكي ويليام بليك حين قال: «لكي ترى الوجود في حبة رمل، والفردوس في زهرة برية، لا تدع المطلق من بين يديك، ولا الخلود في ساعة من الزمن».مثل بليك ورامبو، يؤمن كامل بأن لمس الفردوس أو الأبدية يمكن أن تجده بين يدي امرأة، فالمرأة أفقدتنا الفردوس، لكننا نجده بين ذراعيها، كما قال حكيم. في نفس السياق، يقول رامبو: «لن أتحدث ولن أفكر: إنما سيرتقي الحب المطلق في روحي وأرحل – في الطبيعة – بعيداً مثل بوهيمي سعيد وكأني مع امرأة». لهذا السبب، ولهذا السبب وحده، يمكن فهم السطور الشعرية التالية لكامل، والتي يقول فيها: «عيناكِ جنتا نخيل يسبح فيها القمر/ عيناك غزالتان جميلتان ترتويان في نهر ... سيدتي، كان يمكن أن تتريثي قليلاً/ من أجلك روضت اللظى وعانقت الجمرات». إن معانقة الجمرات في سبيل الجمال ليست مهمة سهلة، إنها مهمة جيوش من الأحاسيس التي تتشظى في الداخل، فيشتعل الوجدان، وتهب الحرائق، ولكن هل يمكن أن تشعر بالجمال وأنت مُحترق كما يقترح كامل؟ الشاعرة الأمريكية المعاصرة كريستينا مار تجيب عن هذا السؤال الصعب، قائلة: «لا أزال أود أن تحبني بهذه الطريقة: حتى في تلك الأوقات التي نتحول فيها إلى بيت يحترق، أكون أنا الشيء الذي تختبئ فيه من النيران». كما أعتقد، إن احتراق كامل ليس سوى تحية عسكرية أمام الجمال، وهذه الممارسة الرومانتيكية ليست بعيدة عن رامبو حين قال: «وقد مضى كل ذاك، وتعلمت اليوم تحية الجمال». أيضاً، يشكو كامل من الغياب الحاضر لمحبوبته – الحضور تحت الشطب على حد تعبير جاك دريدا – فلا غرابة أن يعلن عن كُفره الحلو بمحبوبته بقوله: «رأيت الرعب من عينيكِ يفيض ويسيح». هذا السطر سيأخذنا إلى معنى آخر مُنشطر بين طيات الديوان، فما هو؟ العدالة.

من يطارد الحب المنفي، أو الفردوس المفقود على وجه الدقة، لابد أن يستدير للخلف ويتسائل عن غياب العدالة. في سياق متصل، يقول رامبو: «ذات مساء، أجلست الجمال على ركبتي، فوجدته دميماً، فلعنته. وتسلحت ضد العدالة». في هذا السياق، يستحضر كامل صورة رضوى عاشور التي خصص لها قصيدة منفردة يصفها فيها بأنها «أسد على قوم شارون الرميم». مرات كثيرة بين صفحات ديوانه الذي يحمل عنواناً يشكو من غياب العدالة – «طير بلا سماء» – إذ ليس من العدالة في شيء ألا يجد الطائر السماء، الفضاء الوحيد الذي يتحقق فيه، يتسائل كامل عن المنطق وراء غياب العدالة، لكنني سأترك رامبو يجيب عليه بقوله: «لكن رؤية العدالة مُتعة الله وحده».


كذلك يكشف الديوان أن غياب الحب الأبدي والعدالة المُطلقة هما السبب وراء سقوط الشاعر في العدمية والسوداوية والاغتراب الوجودي، مع إيمانه بأن هناك شيء ما جميل ورحيم داخل البشر لابد أن يخرج أولاً إلى حيز النور كي يأتي الغائبان، الحب والعدالة، مع خوفه الدفين من أن يكونا مثل «جودو» الذي لا يأتي أبداً، لكن الجميع ينتظر وصوله عند البوابة الرئيسية لكبار الزوار في المطار الوجودي.

1753173440619.png


يأخذنا كامل إلى السرداب، سرداب العدمية بعبارات عبثية سوداوية منبعها تساؤله التالي: «هل سبق لك أن مارست الانكسار؟» نعم، مارسنا الانكسار، لكن لكل إنسان جحيمه الشخصي. مع بداية الديوان، يعلن كامل عن جحيمه الشخصي، قائلاً: «أعبث في محتويات نفسي، أفتش عن نفسي ... أجد عصفوراً ذبحوه بالمدى ... أنا عصفور دوري حزين .. أنا يأس ... صغار العصافير بكت ... يا أيها الطائر الحزين اهدأ». يُشبه كامل نفسه بعصفور تشارلز بوكوفسكي الأزرق تارة وبغراب إدجار آلان بو تارةً أخرى. فما السبب؟ السبب هو الرغبة في التحليق حتى لو كان بلا سماء، لكن كيف يكون التحليق بلا سماء؟ إنه التحليق نحو الهاوية، التحليق لأسفل، التحديق في العُطل الفني في محركات العالم مع اختفاء أي محاولة لإصلاحه! يتضح ذلك بوضوح من خلال سطور كامل التالية: «أخوض حرباً مع الوحوش/ أعود إلى السرداب على أطراف أصابعي ... من غربتنا عدنا، إلى غربتنا نعود ... حياتي برق ورعد». الغريب أن الجحيم الذي يسكنه كامل ليس جحيماً يغلي، بل جحيم بارد، وهذا واضح من خلال عبارته «حياتي برق ورعد». إن جحيم كامل البارد لا يختلف كثيراً عن جحيم الروائية البريطانية أوليفيا لاينغ التي كتبت في إحدى رواياتها: « لا أعلم لماذا يعتقد الناس أن الجحيم هو مكان حار يحترق فيه كل شيء. هذا ليس جحيماً. الجحيم هو أن تكون مُحاصراً في عزلتك بكتلة من الثلج. هذا ما مررت به».

في سياق متصل، يقول كامل: «تشبهني العصافير في نقاء سرائرها وحبها لعموم البشر». إنه هنا يتصالح مع العصفور الأزرق الذي يسكن في جوفه، والذي لا يريد له أن يموت، لأن بموته، يتحطم الجمال وينكسر، أو كما يعبر بوكوفسكي عن نفس المعنى قائلاً إنه يُخبئ عصفوره الأزرق في أعماق الأعماق بعيداً عن أعين «الرجال الجوف» على حد تعبير ت. س. إليوت: «إنه في الداخل هناك/ يهم بالخروج لكنني أقسو عليه/ فأنا لم أمنحه فرصة أن يموت تماماً/ وننام معاً، بحالتنا هذه/ مع صندوق أسرارنا/ ومن الجميل جداً أن تجعل رجلاً يبكي/ لكنني لا أبكي/ فهل تبكي أنت؟»

لا شك أن حبس العصفور الأزرق في الداخل للإبقاء على الإحساس بالجمال يتمخض عنه كذلك حالات الوحشة والوحدة والاغتراب والشعور بالعدمية. لذا، نجد كامل يقول: «تخنق الوحدة صدري الحزين ... تكويني الغربة في الصميم ... وأنا وحدي وحيد هنا». لكن مهلاً، تتجلى أبشع صور الوحدة حينما يشبه كامل نفسه بـ «عود ذرة أحمق». هنا تناص واضح مع عبدالرحمن الأبنودي في ديوانه الشهير «جوابات الأسطى حراجي القط»، حيث يشبه حراجي نفسه بـ «عود درة وحداني في غيط كمون». أما الشعور بالعدمية فيتضح من خلال السطور الشعرية التالية حيث يقول كامل: «وأموت، وأوضع في التابوت، ويقذفوني في المقابر، كأعقاب السجائر ... ويطويني النسيان ... وكأن شيئاً لم يكن ... أنا زهرة قرنفل ... ها أنا شطبت شهادة ميلادي الأولى ... اقرأي الفاتحة علي». إنه الموت على قيد الحياة، الموت الغاشم الذي يقتل الأخضر واليابس داخل الإنسان، أو كما يقول رامبو: «رحلت جريحاً/ جريحاً وصامتاً/ ميتاً رحلت ... تابوت قبل الآوان تغطيه دموع رقراقة». السؤال الآن: لماذا استخدم كامل زهرة القرنفل بالذات دون غيرها في هذا السياق؟ دعنا نترك الإجابة على هذا السؤال للشاعر محمود درويش: «أي زهرة تحبين؟ تقول: القرنفل .. أسود. إلى أين تمضين بي والقرنفل أسود؟ تقول: إلى نقطة الضوء في داخلي، وتقول: وأبعد، وأبعد، وأبعد».

في النهاية، ما هي العبرة من ديوان «طير بلا سماء» ليحيى كامل؟ العبرة: امشي على شجيرات الصبار القرمزية دون أن تكسرها. لا تجعل شدة السُم في أحشائك تقتل الجميل فيك. اجعل للصيغ الشعرية العتيقة نصيب في كيمياءك اللغوية. أتمم قصة جحيمك الشخصي ولا تنسى أن تتذوق طعم الفردوس. أدي التحية للجمال. إياك والتدابير المُتعسفة في سبيل الخلاص. تعلم التحديق جيداً في الهاوية قبل الأبدية. انقض على كل بهجة كوحش مفترس. عليك أن تقوم بتزييت تروس روحك كل مساء دون أن تعبث بالمُحرك.




«طير بلا سماء» .. في النهاية، اختفى الفضاء، وهبطت الطيور على الأرض مُشوشة!




د. محمود الباجوري

أستاذ الأدب الإنجليزي المساعد - جامعة السويس - مصر
منصور

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى