... بجلبابه المقلم بالطول، لن أبالغ إذا أضفت أيضا الطاقية التى تحجب رأسه الصلعاء عن الشمس، وتحتفظ له بقليل من هيبة العمر الذى ولَّى.
هو هو عم أبو أشرف الذى لن تغيره الأيام، فقط نحت الزمن أخاديد عميقة فى تضاريس وجهه، وغالبا فى روحه أيضا، يخرج صوته بطيئا نيئا كأنه خارج من مقبرة، ذبل صوته مثل المشنتين اللتين تحملان البطاطس، والطماطم، الذابلة؛ وقد عافتها الناس كما عافت الصاج الأسود الذى يحمل بين جنباته الطوفى والملبس، بالاضافة لعلب المناديل الورقية، وأشياء أخرى، ليس ضمنها السجائر، أو الصواريخ.
سألتُ عنه أحد جيرانه، يعمل معى فى نفس المصلحة، كشف لى ما إختبأ عنى وراء أستار المفاجآت، أنه قام بتأجير دكانه لأحد المستثمرين الجدد ـ من الباطن ـ ليفتحه (سايبر) تؤمه العيال من عمر الـ 6 سنوات حتى الشباب الذين خطت الشوارب ملامحهم .. يشترون من صاج أبو أشرف، ما تيسر إرضاء لمعلمهم ـ فى المعهد ـ وصاحب مشروع السايبر.
ذلك اليوم الذى سعيتُ فيه لاستعادة طفولتى قمت بالمرور على الحي القديم الذى نشأت فيه، لرؤية عم أبو أشرف.
توقفتُ أمامه
كم مر على وقفتى أمامه وهو لا يشعر بي.
كان شبه غافٍ، بينما عيناه مفتوحتين على فراغ لا حد له، شارداً فى ساعي البريد الذى ظلت الذاكرة تجتهد فى تذكر إسمه بلا جدوى.
ربما يخالنى فى غفوته هذه، أحد الأبناء الذين جاءوه من رحم أزمنة غابت رغما عنه.
ربما يهمس لنفسه....أنت أيها المسكين ـ الآن ـ لا أحد سواك، هنا بعد خمس محطات من البنين والبنات، بعد خمس مرات من المديونيات الكبرى، والاعتذارات التى تقدمتَ بها للدائنين حد الإذلال،
حتى سقطتْ زوجته، بعدما داستها غلظة الحياة؟
ـ ألو أبى .. أرسلت لك 100 درهم.
ــ آآلوو .. إذا كانت أختى أرسلت، فإليك أرسل 100 دولار.
وجوه تداعب دوما مخيلته،
لا داعي للفلوس يا أولاد،
تكفينى (آآآلووو).
فى ثورة الإنشغال مباح لهم استخدام ما يريحهم من الأعذار، وعليه تقبل الأمر راضيا، عليه أن يحمد الله أنهم تمكنوا من الهروب نحو بوابات الأمل.
قال لها قبل ثلاثين عاما: نحن لا نحرث فى البحر يا أمهم.. نحن ربينا عيالنا صح .
وهي امتعضت من تصريحاته، وذهبت عابرة بوابتها إلى الجانب الغربي من الحياة.
كانت مريضة بالمرض الخطير الذى يبايع فيه المرضى الحياة على الموت، دون أدنى عناء، أو اهتمام، انشغلت عنه، لم يعجبها كلامه، كما لم ترتح لجلسته الآن على الرصيف،
ولم أرتح أنا الجار القديم لعم أبو أشرف.
ـ عم أبو أشرف .. عم أبو أشرف
كانت عيناه مصوبتين باتجاه السايبر، ويداه مرتخيتين، عندما تحسستهما كانتا باردتين جدا.