علاء نعيم الغول - غريب في ضحى الأزرق

يا أزرقَ المدنِ القصيرةِ والخفيَّةِ
يا صديقَ الماءِ والرفرافِ
إنْ عيناكَ صادقتانِ أخبرني متى
تصفو السماءُ متى يعودُ المؤمنونَ
كما وصفتَ خروجَهم من زهرةِ النعناعِ
مغتسلين بالدعواتِ يقتاتونَ من آلامهم
صَبْرًا وتغرقُني الكنايةُ في شقوقِ اللازِوَردِ
وإنها لغتي التي فتحتْ قشورَ الأبجديةِ
مثلما رمَّانةٌ في الشمسِ أغوتني على مهلٍ
وأسقتني معاني البوحِ رشفاتٍ من اللهفاتِ
أنتَ الأزرقُ الشاكي بلا حبٍّ وفيكَ تجاوُزُ المألوفِ
تدفعني لأعشقَها على ضفاتِ صوتِكَ مُخفِيًا
في شهوةِ الدراقِ شوقًا لي ألا في حبِّها مدنٌ
مقسمةٌ على إيقاعِ صافرةِ المحطاتِ المضاءةِ
بالرذاذِ لقد سعيتُ إليكِ مسكونًا بأفكارِ الرحيلِ
مجازفًا بمحطةٍ أخرى وذاكرةٍ كما الفِلِّينُ تطفو فوق
رائحةٍ تجوعُ إلى سكونِ الروحِ في لونِ القرنفلِ
زرقةٌ أخرى ولونٌ يعصرُ الفوضى بعيدًا بل عميقًا
في عناقٍ بيننا بل في زوايا من فراغٍ أسدلَ الأنوارَ
حرَّرَنا من العبثِ الجريءِ
لوهلةٍ تتعامدين على خيالي
تقرأين عقاربي وقتًا من النظراتِ
تشعرُني بنفسي والمصيرِ المرتخي كشراعِ
صاريةٍ تنادي أيها الزبَدُ الكثيفُ سنلتقي في الموجِ
هذا الأزرقُ العفويُّ أوحى لي بوجهِكِ وهو يلمعُ
في الضحى عبَقًا وتبقى الأمنياتُ نزيلةَ الفرحِ الذي
غنَّتهُ في عينيكِ نافذةُ الفنارِ وإنني متحررٌ بل مؤمنٌ
بتجاوزاتِ القلبِ معْ شفتيكِ أنسى كم أنا مستَنْزَفٌ
وملاحَقٌ من غربتي وتأملاتي في العراءِ ورغبتي
في أنْ أنادي مرةً أخرى على ظِلِّي ليتبَعَني
أنا المستَبعَدُ النائي وراءَ الحُلمِ أمشي مرهَقًا
كفراشةٍ ليست ملونةً ولا تدري متى سيصيبُها
ذاك النعاسُ على سياجِ البيتِ لولا أنني أجدُ الحقيقةَ
في يقيني لاعترفتُ بما سيقلقني غدًا
وأراكِ واقفةً كنرجسةِ الضحى مغمورةً بهدوءِ عطرِكِ
أيها اللونُ الجسورُ وحارسَ النبلاءِ خذني صورةً
ورقيةً للريحِ واتركها تطيرُ تذوبُ في وهجِ المسافاتِ
التي صارت حدودًا تستدرُّ الخوفَ من ليلٍ بلا قمرٍ
ومن قلبٍ بلا نبضٍ وتسبقني إليكِ فضيلتي وتشدني
لمدينتي هذي العلاقاتُ التي اعترفت بأني أحفظُ
الأسرارَ أعرفها كمرآتي وتذكرني كأول نبتةٍ في رملِها
وأنامُ في عينيكِ مختلفًا مع الدنيا على الدنيا
مع الغرقى على طعمِ الملوحةِ
إنما أنا واحدٌ ممنْ تفانوا في امتلاكِ اللحنِ
توظيفِ الفراغاتِ التي بين السطورِ كتبتُ أنفاسي
على شفتيكِ واستعذبتُ طعمَ اللوزِ خمرًا منهما
يا آخذي بالصمتِ ماذا لو عرفتَ حقيقتي
وقرأتَ عما كان مني في زمانٍ ما
سأبقى راويًا للموتِ كيف يحركُ الصَّدَفَ
الغنيَّ على الشواطىءِ صارَ وشمًا في شوارعِ
غزةَ الملأى بأرصفةِ النزوحِ
وهكذا لا شيءَ يبقى بعد هذا الموتِ
والأشياءُ واحدةٌ وأسمائي هي الشجرُ
الذي فضحَ الكلامَ عن البطولةِ والخياناتِ
التي تركتْ ندوبًا في جبينِ السروِ
لم يصمدْ طويلًا بل تهاوى السورُ وانكشفت به
العوراتُ كم من مرةٍ سيموتُ هذا البحرُ ثم يعودُ
في تموزَ داليةً ويبقى التينُ ذاكرةً معجَّلَةً
وهذا الأزرقُ المبلولُ يجعلني وريثَ النارِ والذكرى
وقلبي أنتِ أجملُ ما تمنى الوردُ من هذا المكانِ
ودائمًا سيظلُّ يشعلني اقترابُكِ من حدودِ البوحِ
تنسيني التحيةُ بيننا أني أعيشُ هنا وحيدًا
بين أكوامِ الخرابِ وطافحٌ بالودِّ لونُكَ يا بنفسَجُ
إنها نفسي التي فيها انبعاثي وانهيارُ مناشداتي
سوف أندمُ مرتين على ضياعِ العمرِ
لن أقوى على تفريغِ ذاكرتي من العبثِ
الذي فيها ويجعلني هواءُ مدينتي متشردًا
فيها كمن هجروا البيوتَ إلى الخيامِ
فقط سأكتبُ عن معاناتي مع التفكيرِ
في ما قد جرى وعلى الرصيفِ نسيتُ كلَّ
مشاكساتِ الظلِّ يا حبي البعيدَ وراء هذا الوقتِ
كم أشتاقُ أكثرَ للحكايةِ بيننا وأعيدُ مراتٍ
على نفسي حقيقةَ ما جرى بيني وبينكِ
هكذا سأحبُّ صوتَكِ باعثًا في الروحِ أجنحةً
من الشمسِ التي تحتاجُ مني الدفءَ
ما هذا الشعورُ الآن
آياتُ السرابِ تموجُ في عينيَّ
لا أقوى على تمييز شارعِنا من الماشين
قد تاهت تفاصيلُ المكانِ حبيبتي تهنا جميعًا
في علاقاتٍ ممزقةٍ وأشواقٍ من الكبريتِ
تشعلنا على عجلٍ وتلقينا رمادًا ناعمًا في لحظةٍ
ليست بكافيةٍ لننسى أو نغادرَ
والتصقنا كلنا بجدارِ هذا الوهمِ بالأملِ
الذي كشفَ الخيانةَ مرةً أخرى وأبقانا بلا معنىً
وشكلٍ يا حبيبتي الجميلةَ لا عليكِ فقط
سأنتزعُ ارتعاشَ الزهرِ من صخبِ الهواءِ
عليَّ أن أبقى جديرًا بالفضولِ وجذوةِ العشقِ
الشهيرةِ بالتوهجِ
والمدينةُ بيننا مقسومةٌ بين الذين
تعاهدوها بالحنين وآخرين توعدوها بالحريقِ
وهكذا صعدت إلى أعلى النداءاتُ الدفينةُ
في ثنايا الوجدِ
أما الأزرقُ المائيُّ فالدنيا تميلُ إليه
واعيةً طواعيةً وقلبي ينثني فرحًا إليكِ
مَنِ المنادي من بعيدٍ
كل أصواتِ الذين تغيروا بالأمسِ
تنهشُ رغوةَ الماضي تنازعني البقاءَ
وتملأُ الأجواءَ رائحةً تناسبُ جرأتي و وداعةَ
اللوزِ التي سكنت جذورَ الإنعتاقِ من الخرافاتِ
القديمةِ أيهذا الحبُّ تكسرنا الغوايةُ
نُستَغَلُّ لأننا لا نجعلُ الوروارَ أغنيةً مجففَةً
ولا نغتالُ أوراقَ الرسائلِ بالتجاهلِ
فامنحيني فرصةً للبدءِ في تزيينِ وجهِ
البرتقالةِ أسمعيني نغمةً تفضي لنشواتٍ نلاحقها
بعيدًا ثم أبعدَ في منافي العمرِ في هذا الجنون
المخمليِّ وأنتِ لذةُ ليلتي ونهارُ شوقي
فيكِ أبحثُ عنكِ أرحلُ في المنادَى والكلامِ
وفي غرامِ سنونواتِ الصيفِ والوادي
أنادي الأزرقَ المفتونَ
لو عيناكَ واعدتان لاستكملتَ رحلتكَ
الأخيرةَ في ربى الأحلامِ لاستنطقتَ موجاتِ
الظهيرةِ بالحقيقةِ
سيءٌ هذا التعاطي مع مكانٍ لا يريحُ
وغربةٍ لا تعرفُ الغرباءَ
لا تبدو الحياةُ مطيعةً جدًّا
ويبدو الأمرُ محسومًا فقد صرنا نصفقُ
للسماءِ وللطيورِ نداعبُ الرغباتِ نطلبها
وأعشقُ فيكِ أني منكِ أقرأ فيكِ نفسي
من جديدٍ هكذا يقف الضحى بين الفضيلةِ
والكلامِ وبين مرتحِلٍ وغايتهِ وبين مسافةٍ
ومسافةٍ غيمٌ وجميزٌ وصوتي وهو يلهجُ
بالدعاءِ وراعني أن الزمان يمرُّ فينا مثلما
سهمٌ يشقُّ هواءَهُ نصفينِ هل هذا مديحُ
المنصِفِ المشتاقِ أم تعويذةٌ محفورةٌ
في قاعٍ قلبِ غزالةٍ تعدو على وجهِ
الحشائشِ وحدها وأنا الوحيدُ
حبيبتي متصالحٌ مع كل شيءٍ تاركًا
وجعي لنفسي أغنياتي للنوافذِ فكرتي
للطيرِ أسمائي لمن يأتون بعدي والهوى
في القلب منكِ يصيبني بالحبِّ فامنحني
زماني فرصتي لأكون نفسي مرةً أخرى
لتعرفَ أنني بين الضحى والأزرقِ المتروكِ
أشرطةً تطيرُ كما مسافاتُ الندى وكرغبةٍ فينا
ليومٍ في مكانٍ لا يفرُّ ولا يطيرْ.
الجمعة ٢٥/٧/٢٠٢٥
غريب في الضحى الأزرق

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى