د. أحمد كرماني عبد الحميد. - الكتابة بين العلم واللعب: مقاربة تأويلية بين دريدا ومصطفى ناصف

(١)
في أفق تتقاطع فيه الفلسفة بالنقد، ويتداخل فيه التنظير باللغة والتجربة بالتحليل، تظهر الكتابة لا بوصفها مجرّد تقنية أو أداة لإنتاج المعنى، بل ككائن مزدوج، متوتر، يتجاوز الفهم التقليدي الذي يجعل منها تابعة للكلام أو مجرد وسيلة للتمثيل. إن الكتابة – كما تظهر في فكر جاك دريدا ومصطفى ناصف – ليست حيادية، بل هي فعل تأويلي معقّد، ومجالٌ دائم للمساءلة، وموضع صراع بين الأنظمة الثقافية والمعرفية التي تتنازع سلطة المعنى وتاريخه.

لقد أعاد جاك دريدا في كتابه "في علم الكتابة" (De la grammatologie) النظر في الموروث الفلسفي الغربي الذي قام على مركزية الكلام، معتبرًا إياه الحضور الكامل للذات، والوسيط الأقرب إلى الحقيقة، بينما تم تهميش الكتابة بوصفها أثرًا بعيدًا، وظلًّا باهتًا للكلام. في هذا السياق، كان مشروع دريدا يقوم على تفكيك هذه الثنائية التقليدية بين الكلام والكتابة، ونسف ميتافيزيقا الحضور التي تجعل من الصوت مرجعًا أصيلًا، ومن الكتابة مرآة مقلوبة. يرى دريدا أن كل إنتاج لغوي، حتى الكلام نفسه، يحمل سمات "الكتابة" بما هي أثر، وتأجيل، وغياب. فالكتابة، في نظره، ليست لاحقة على الكلام، بل هي بنية أعمق، تتخلل كل استعمال للغة.

ينحت دريدا مصطلح différance – الذي يجمع بين "الاختلاف" و"التأجيل" – ليصف كيف أن المعنى لا يُعطى دفعة واحدة، بل يتكون عبر شبكة من الإحالات والدوال، ويظل مؤجَّلًا، متأخرًا، غير مكتمل. لا يوجد "معنى نهائي" يمكن تثبيته، لأن كل علامة تُحيل إلى أخرى، وكل دالّ يحمل في داخله أثرًا لدوالّ غائبة. وبهذا، تصبح الكتابة هي الفضاء الذي يُمارس فيه التأويل بوصفه انفتاحًا دائمًا، لا بحثًا عن يقين. الكتابة لا تحاكي حضورًا سابقًا، بل تكشف أن ما نظنه حضورًا ليس سوى أثر متكرر، صدى لغياب أعمق.

في المقابل، لا ينطلق مصطفى ناصف من خلفية ميتافيزيقية أو تفكيكية محضة، وإنما من موقع الناقد الثقافي المتورط في الأسئلة الكبرى للثقافة العربية، وموقع اللغة فيها، وتحوّلاتها عبر الزمن. في كتابه "لعبة الكتابة"، لا يتعامل ناصف مع الكتابة كأداة، بل كحركة، كفعل ينخرط فيه الإنسان عبر توتر دائم بين الخيال والواقع، بين الثقافة السائدة والرغبة في الانفلات منها. يرى ناصف أن الكتابة لا تُفهم إلا ضمن سياقها التاريخي والثقافي، وأن الكاتب ليس سلطة ميتافيزيقية تُملي المعنى، بل ذات تتلقى وتعيد التشكيل، ذات تعي قيود اللغة لكنها تراوغها بلغة ثانية، مجازية، تبني فيها إمكانات التجاوز.

مصطفى ناصف لا يسعى إلى تفكيك الأصل كما يفعل دريدا، لكنه يفكك سلطة المعنى الثابت من داخل الثقافة. الكتابة عنده ليست "نظامًا لغويًا" بقدر ما هي "نظام تأويلي"، يشتبك مع السياسة والهوية والتاريخ. إنها لعبة لأن الكاتب لا يعمل داخل نظام مغلق، بل يفتحه على إمكاناته، ويعيد تأويل الثوابت بوصفها احتمالات. ولذلك فإن الكتابة، كما يتصورها ناصف، ليست مجرد تعبير ذاتي، بل هي اشتباك معرفي مع الواقع، وتواطؤ رمزي مع الثقافة كما هي، وتمرّد ضمني عليها.

بين دريدا وناصف تلتقي الكتابة بوصفها حدثًا تأويليًا مفتوحًا، لكنها تأخذ شكلين مختلفين: عند دريدا، تُصبح الكتابة بنية أنطولوجية، تُخلخل المعنى، وتكشف أن لا حضور قبل اللغة، ولا حقيقة خارج النص؛ أما عند ناصف، فالكتابة ممارسة ثقافية، يشتبك فيها الكاتب مع صراعات القيم، ويعيد فيها بناء اللغة من داخلها، لا لهدمها، بل لإنتاج خطاب مغاير.

المفارقة أن كليهما، رغم اختلاف المسار، يصل إلى موقع مشابه: الكتابة لا تُنتج المعنى بل تخلقه بوصفه احتمالا، والمُؤلف ليس سلطة مطلقة، بل صدى لصراعات عديدة تمر من خلاله. دريدا يكتب ضد فكرة "الأصل"، وناصف يكتب ضد فكرة "النهائي". كلاهما يرى أن كل نصّ هو "أثر" لما لم يُكتب، أو لما لم يُقل، أو لما ضاع في المسافة بين القائل والمكتوب.

وهكذا، إذا كان " علم الكتابة" عند دريدا هي لحظة التعرّي الفلسفي للغة، فإن "اللعبة" عند ناصف هي لحظة الاشتباك الثقافي بها. الأولى تقوّض المركز لتكشف بنيته، والثانية تراوغ الهامش لتعيد تشكيل السلطة من جديد. وكأننا أمام بعدين للكتابة: كتابة تفكك وهم الحضور، وأخرى تفكك هيمنة الثقافة. وفي هذا، تكون الكتابة فعلًا مزدوجًا: انفتاحًا على الغياب، وانخراطًا في المعنى.

ما بين العلم واللعبة، تظهر الكتابة كحدث لا نهائي، لا ينتج معنى واحدًا، بل يفتح إمكانات المعنى، ويجعل من كل قراءة بداية لا نهاية. والكاتب، في هذا السياق، ليس مفسرًا للعالم، بل مَن يعيد ترتيبه عبر الكلمات، لا ليقول "ما هو"، بل ليفتح سؤال "ما يمكن أن يكون". الكتابة إذن ليست حيادًا، بل موقف، ليست وسيلة، بل مسار وجودي ومعرفي، يُعيد صياغة الذات والعالم معًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى