محب خيري الجمال - خديجة.... سحابة تمرُّ ببطءٍ،...

تخيلي...

لو أنكِ تستيقظينَ الآن،

لا ظلَّ لذاكرةٍ تثقلُ خطوكِ،

ولا وهجَ لشمسٍ سبقتْ هذا الفجر.

عيناكِ تتّسعانِ على المفقودِ من ألوانِ الوجودِ،

فيضٌ من أولِ نورٍ يغسلُ أهدابَ الرؤيا،

الشارعُ ينبضُ كشريانٍ جديدٍ في جسدِ الصمتِ،

الظلالُ تتراقصُ رقصةً أولى،

والأصواتُ تتشكلُ كأنها كلماتُ الخلقِ الأول.

مرورُ البشرِ كوشوشاتِ أسرارٍ تطفو على وجهِ الهواءِ،

والابتساماتُ بذورٌ تتفتحُ على غصونِ الوجوهِ العابرة.

الأشجارُ أيادٍ ممتدةٌ نحو سماءٍ لم تعرفْ سوى صفائكِ،

والمباني قاماتٌ صامتةٌ تحرسُ حلمًا لم يُولدْ بعدُ،

وهناك... وردةٌ تفتحتْ على رصيفٍ مهجورٍ،

كأنها قلبٌ أزهرَ في صحراءِ النسيان.

لمحةٌ لطفلٍ يطاردُ فراشةً خرافيةً في بستانِ الخيالِ،

وشابةٌ تتشابكُ أصابعها مع خيوطِ شمسٍ هاربةٍ،

وشيخٌ يُلملمُ من الأفقِ البعيدِ بقايا حلمٍ أبيضَ،

كأنها آخرُ نجمةٍ تترنحُ قبلَ فجرِ اليقين.

تدخلينَ مقهىً يفوحُ بعبيرِ قهوةٍ تشبهُ الأماني،

الصمتُ يُطربُ السكونَ،

وقصصٌ تتسربُ من شفاهٍ متعبةٍ،

هناكَ... شرفةٌ تطلُّ على حديقةِ الروحِ،

حيثُ الزهورُ تهمسُ بالجمالِ المطلق.

امرأةٌ تحملُ العمرَ في عينيها،

وخطواتها تُلقي على الأرضِ زهرَ السنينَ،

كأنها قصيدةٌ تُرتلُ سرَّ الحياةِ،

ودموعٌ لا تُرى تسقي جذورَ الصبر.

تتّسعينَ داخلَ باصٍ يعبرُ زحامَ الأيامِ،

كلُّ محطةٍ حكايةُ وداعٍ أو لقاءٍ،

الجدرانُ تتكلمُ لغةَ الصدى،

والأبوابُ تفتحُ على عوالمَ منسيّةٍ،

وعلى بعدٍ... سحابةٌ تمرُّ ببطءٍ،

كأنها تحملُ رسالةً من الغيبِ.

خديجة،

تخيلي...

كلَّ هذا الآنَ،

بعينيكِ المرتعشةِ بالدهشةِ،

بعينٍ لم تعرفْ سوى النقاءِ،

عينٌ ترى الحياةَ قبلَ أن يُفسدها الرّكام.

حينها فقط يا خديجة،

ستدركينَ أنَّ الجمالَ ليسَ إلا مرآةً لقلبٍ لم يُلطّخْ بعدُ بالآهاتِ،

أبهى من صخبِ المدينةِ،

وأعمقُ من صمتِ الوداعِ الأخيرِ.

ستُدركينَ أنَّ الجمالَ في هذهِ الحياةِ أعمقُ من كلِّ ما يُقالُ،

أبهى من كلِّ صورةٍ،

وأصدقُ من كلِّ حقيقةٍ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى