نادية الإبراهيمي - أزهارفي ظلال الذاكرة

اندفعت مسرعة نحو الحافلة، تركض بقلق في قلبها، لم تعر الطقس الماطر انتباها، كما اعتادت في كل مرة تنشغل فيها أفكارها. كانت مشغولة بطلبية جديدة، هذه المرة مميزة جدًّا بالنسبة لها، فقد طلب الزبون عددا كبيرا من باقات الزهور التي تزين طاولات الأفراح، وهو ما يعني أنها ستتمكن من تسديد جزء من ديونها الثقيلة التي تكاد تعصف بها.
لم تعد لتأخذ معطفها أو مطريتها، فهي لا تريد أن تضيع دقيقة واحدة، مستعجلة للانتهاء من العمل، فقد أعدت نفسها لإحضار كل ما يلزمها في الوقت المناسب. وفي قلبها، قالت في نفسها: "ربما تتوقف الأمطار وتشرق شمس الربيع، الشتاء يودع الطبيعة الغاضبة بدموع متفرقة، تاركًا المجال لغريمه أن يرسم على الكون بسمة الربيع العطرة، ليشفيَ الجروح التي خلفها برده ورياحه القاسية، وتغني الطبيعة بألحان الأمل".
كانت تعتقد أنَّ الأجواء ستتغير قريبا، حيث لن تعرف إنْ كان الجو صافيًا أم غائمًا، لكنه هكذا في هذا الوقت من العام: لا يستطيع أحد التنبؤ بتقلباته.
تمكنت أخيرا من شراء كل المقتنيات التي تحتاجها بعد جهدٍ كبيرٍ مع تجار الورود الاصطناعية، الذين تجمّدت مشاعرهم، حتى أصبحت زهورهم هي الأخرى بلا روح، بلا عطر، لا تحمل إلا رائحة البلاستيك.
كان السيد نور الدين، التاجر الذي تتعامل معه منذ سنوات، هو الأمل الوحيد لها في وسط هذا السوق القاسي. فقد اعتادت عليه، وهو كان يعرف احتياجاتها الخاصة، ويجهز لها الزهور التي تطلبها بكل عناية. لهذا السبب، لم تفكر في شراء الزهور من أحد غيره، وفاء له.
مسرعة، حملت أكياسها المملوءة بالأزهار، وصعدت إلى الحافلة. نظرت سريعا بحثا عن مقعد شاغر، ثم قالت في نفسها "الحمد لله، يوجد مكان في آخر الحافلة". لم تنتبه إلى الشخص الذي كان جالسًا بجانبها. ألقت بنفسها على المقعد، واستغرقت في أفكارها. كانت تتحدث مع نفسها: "إذا انتهيت من هذه الطلبية بسرعة، سأتمكن من تسديد بعض من ديوني قبل الموعد المحدد، إنْ شاء الله، سيعجب الزبون بعملي، وقد يطلب مني تجهيز طلبية أخرى".
فجأة، أفاقها من شرودها صراخ الرجل الجالس بجانبها. انفجر الرجل غاضبًا بعد أن تراكمت عليه همومه. لم تكن هي تدرك حجم معاناته.
"ابتعدي عني! لمَ تلتصقين بي؟ ألا تخجلين من نفسك؟ هل تظنين أنك فوق أريكة بيتك؟!"
صُدمت من أسلوبه الفظ، ولم تفهم سبب غضبه. كانت تظن للحظة أنه ربما مريض أو مجنون. بدا الرجل في العقد الرابع من عمره، شعره قد أغزاه الشيب، وكان يرتدي نظارة سميكة تطل منها نظرة حزن عميقة. كان يمسك بمطريته بكلتا يديه، ويضعها بين رجليه.
استفاقت من صدمتها، وجعلت نفسها تهدأ، ثم قالت: "ماذا بك، سيدي؟ لماذا تصرخ في وجهي وتتهمني بما لم أفعله؟ ماذا فعلت بحقك؟"
"احترمي نفسك واعتدلي في جلوسك!" كان صوته يزداد غضبا.
شعرت بإحراج عميق، فتراجعت عن الرد، واكتفت بالصمت. فكرت أنها ربما قد تسببت في إزعاجه دون قصد، فأصابها شعور بالندم. اعتذرت له بصدق، وقالت إنها كانت مرهقة ولم تنتبه عند جلوسها إلى وجوده.
لكن نظرات الركاب كانت تلاحقها، تحمل بين طياتها مئات الأسئلة، وتكشف عن فضول لا يُخفي. شعرت بموجة من الخجل، لكن في أعماقها، كان هناك شيء آخر ينهشها. وضعت بين يديها أكياس الزهور التي حملتها، محاولة أن تبتعد قليلا عن هذا الشخص، فتجلس على حافة المقعد.
ورغم أن جسدها ابتعد، إلا أنَّ روحها بقيت عالقة في ذلك اللقاء، الذي أعاد لها ذكريات قديمة مؤلمة. عاد بها الزمن إلى أيام مضت، كانت قد حاولت طيَّها والنسيان، لكن هذا الرجل أثار تلك المشاعر الميتة في قلبها. لم تكن قد حذفت اسمه من حياتها، لكن الأحداث اليومية كانت دائما ما تُعيده إليها، تذكرها بما حاولت نسيانه.
جلست هناك، عيونها تترقرق بالدموع، وتفكر في حالها الذي أصبح يزداد سوداوية يوما بعد يوم. تساءلت في نفسها: "هل أصبحت عديمة الإحساس؟ هل ماتت كل مشاعري؟"
وفي تلك اللحظة، أدركت أنها ما زالت أسيرة ماضيها، رغم كل محاولاتها للابتعاد عنه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى