منى عثمان - من يوميات فتاة مشحونة بالقلق...

إلى يوميات امرأة مشحونة بالقلق


مفتتح
لا أعرف متى بدأ القلق يزورني
لكني أعرف أنه تعلّم الطريق جيدًا
وأني صرت أحتفظ له بكوب قهوة فارغ
على طرف الطاولة
في البداية..
كنت أظنه عابرًا…
ثم اكتشفت أنه يجيد الإقامة
الأسبوع الأول ( التعارف المربك)
--------------------------------------
اليوم الأول....
استيقظتُ وفي صدري خفقةٌ
تتكرر بلا إذن
كأن النهار يتردد قبل أن يدخل
وكأن قلبي يجرّب خطواته
على أرضٍ غريبة
النافذة نصف مفتوحة...
والريح تأتي محمّلة ببرودةٍ لا تخصّ الشتاء
اليوم الثاني...
وضعتُ القهوة أمامي
لكن يدًا خفيّة ملأتها بثقلٍ لم أفهمه
كأن الفنجان يحمل داخله
نهارًا كاملًا من التعب
تأملت البخار وهو يتصاعد
فوجدت ملامح ...
تشبه ما أفكر فيه منذ سنوات
اليوم الثالث...
كان صوت العصافير
أكثر من قدرتي على الاحتمال
كأن كل واحدةٍ منها تروي سري بصوتٍ مرتفع
أغلقت النافذة...
لكن الأصوات ظلّت ترفرف في رأسي
اليوم الرابع...
وجدت الماء في الكوب يلمع بطريقة غريبة
لا يشبه عطشي...
ولا يشبه ارتواء أحد..
كأنه يحتفظ بسرّ ويخشى أن أبتلعه
اليوم الخامس...
مررتُ بجانبي في المرآة
فلم أتعرف على العينين اللتين تحدقان بي
كأنني نسخة قديمة..
نسيتها على الرف
ولم أعد أملك حق استعادتها
اليوم السادس...
الأرض تحت قدمي بدت بعيدة
والغرفة معلقة بخيطٍ من الهواء
أخشى أن أتحرك...
فيسقط كل شيء دفعةً واحدة
اليوم السابع...
كتبتُ لأطمئن أنني ما زلت هنا
لكن الحروف بدت غريبة
وهي تتجمع على الورقة
كأنها جاءت من مكانٍ لا يعرفني أو أنها...
... فقدت اسمي في الطريق
الأسبوع الثاني ( التطفل العميق)
-------------------------------------
اليوم الثامن...
استيقظتُ وشعورٌ ثقيل يجلس على حافة صدري
كأنه حجرٌ دافئ .. يعرف مكانه جيدًا
أعددتُ قهوتي...
لكن رائحتها بدت أبطأ من المعتاد
كأنها تتثاءب قبل أن تصل إليّ
اليوم التاسع...
الأصوات في الشارع تنقّط في رأسي
مثل صنبور ماء لا يُغلق أبدًا
حاولتُ القراءة...
لكن الكلمات كانت تذوب بين أصابعي
وتترك يدي مبتلة بالفراغ
اليوم العاشر...
على المائدة .. الخبز جافّ
والسكين باردة بطريقة مبالغ فيها
كأن المطبخ يحاول إقناعي
بأن هذا الصباح لا يصلح للابتداء
اليوم الحادي عشر...
كتبتُ قائمة بما يجب أن أفعله
ثم نظرتُ إليها طويلًا
حتى صارت الحروف تلتفّ على نفسها
كأفعى تبتلع ذيلها
اليوم الثاني عشر...
رأيت ظلي في الجدار أطول مني بخطوة
تساءلتُ ...
إن كان يعرف طريقًا لن أجرؤ على سلوكه
اليوم الثالث عشر...
الماء على وجهي لم يوقظني
بل ترك طبقة باردة تشبه غيابًا مؤقتًا
شعرتُ أنني لم أعد أعيش في جسدي ..
.. بل أزوره أحيانًا
اليوم الرابع عشر...
كتبتُ رسالة طويلة لنفسي
ثم مزّقتها قبل أن أنهيها
كأنني أخشى أن أقرأ بصوتٍ واضح
ما أفضّل أن يبقى همسًا
الأسبوع الثالث ( المقاومة المرتبكة)
---------------------------
اليوم الخامس عشر...
فتحت النافذة على مصراعيها
تركت الهواء يقتحم الغرفة بلا إذن
قال لي داخلي. .
ستزداد الفوضى
ابتسمتُ..
دَعْها… ربما أحتاجها أكثر منك
اليوم السادس عشر...
ارتديتُ فستانًا ملونًا..
.. رغم أن المزاج كان رماديًا
جلست أمام المرآة
ورأيت القلق يضيق عينيه
كأنه لا يصدق أنني
اخترت لونًا لا يشبهه
اليوم السابع عشر...
مشيت بلا هدف في الشارع
أحصي الأرصفة ولا أهتم بالنهاية
كان يتبعني بخطوات مترددة
وأنا أتعمد أن أبطئ..
..كي يتعلم الانتظار
اليوم الثامن عشر...
قرأت فصلًا من كتابٍ لم أفهمه
لكنني واصلت القراءة
فقط لأُثبت أنني أملك القرار
حتى لو لم أصل إلى المعنى
اليوم التاسع عشر...
زرعتُ بذرة في أصيصٍ صغير
وسقيتها أكثر من مرة
قال القلق...لن تنمو
لم أردّ ...
كنت مشغولة بالبحث عن بقعة ضوءٍ مناسبة
اليوم العشرون...
أعددتُ وجبة كاملة
وضعتُ الطبق أمامي
ثم أكلت ببطء شديد كأنني
أتعلم طقسًا قديمًا للفرار
اليوم الحادي والعشرون
كتبتُ على الورقة كلمة واحدة
(أنا...)
ثم وضعتها على المنضدة
وجلست أحدّق فيها
حتى ذابت حروفها في عينيّ
وتركتني وحيدة… لكن أقل خوفًا
الأسبوع الرابع ( المواجهة الناعمة)
-----------------------------
اليوم الثاني والعشرون...
استيقظت قبله..
شربتُ قهوتي قبل أن يمد يده نحو الفنجان
وتركت الرائحة تملأ الغرفة
كأنني أنا التي ..
تسبق الأحداث هذه المرة
اليوم الثالث والعشرون....
فتحتُ خزانة الملابس
واخترت ما سأرتديه دون أن أستشيره
سمعته يتمتم بشيء...
لكني تركت صوته يضيع بين أصوات الشارع
اليوم الرابع والعشرون...
مشيت بخط مستقيم
لم ألتفت خلفي لأرى
إن كان يلحق بي
كنت أعرف أنه يراقب
لكنني تعمدتُ أن أتركه يتعب من الانتظار
اليوم الخامس والعشرون..
قررت أن أطبخ طبقًا جديدًا
لم أجرؤ على تجربته من قبل
حين فاحت الرائحة
شعرت أنه تراجع قليلًا للخلف
اليوم السادس والعشرون...
جلست في المساء على الأرض
أكتب قائمة بأشياء بسيطة أحبها
أسماء زهور...
لون سماء بعد المطر...
صوتي حين أضحك فجأة...
اليوم السابع والعشرون...
وجدته ساكنًا على الكرسي المقابل
لم يحاول الحديث
وكأن الصمت صار بيننا اتفاقًا جديدًا
اليوم الثامن والعشرون...
كتبت في آخر صفحة من الدفتر
"القلق لا يغادر… لكنه يتعلم كيف يجلس بعيدًا"
ثم أغلقت الورقة..
كما تُغلق باب غرفة
تعرف أنها...
.. ما زالت هناك
لكنها.. لم تعد تخيفك !!


منى عثمان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى