من روّاد الأدب العربي المعاصر، الأديبة الجزائرية المتميّزة " أحلام مستغانمي" تبرز كاسم يزاوج بين فتنة اللّغة وجرأة الموقف ، بين انسياب العبارة وكثافة المعنى. وُلدت في تونس لأسرة جزائرية قسنطينية، ونشأت على حافة الذاكرة الوطنية، بين المنافي والحلم بالتحرّر. منذ ذاكرة الجسد وهي تُحسن إضرام الحرائق في وجدان القارئ، بلغة لا تُهادن ولا تُساوم، تفتح مسارب الذات على هواء الشعر، وتوقظ الحواس على الحنين والجمال والخذلان .
حين أصدرت نسيان com. عام 2009 عن دار الآداب ـــ بيروت في طبعته الأولى ـــــــ والذي حُزت على نسخة منه ــــــ بدا الكتاب كاختراق طقوسي جمالي في مسارها . فلا يعدّ الكتاب رواية مكتملة الأركان ، بقدر ما هو ومضات من خبرة العاطفة ، استجلتها في شكل متواليات نصّية ناعمة لاذعة مثيرة للجدل ،على شاكلة ليوتارية ميتاسردية ، كلّها تُنسج حول فكرة واحدة تؤكّد أن النسيان ليس غيابا، بل فعل إرادة وتشكيل جديد للحياة . جاءت الطبعة الأولى في نحو 335 صفحة من القطع المتوسط، بطباعة أنيقة أناقة الكاتبة ، توحي بأنّ ما بين الدفّتين ليس مجرّد نصيحة عابرة ، بل عمل يجمع بين المتعة الأدبية وقوّة الخطاب المؤسّس على التحريض النفسي . والحقّ أنّ أناقة الغلاف ودلالة تصميمه ؛ جزء لا ينفصل عن قوّة الخطاب إذ أراه كما هو بين يدي ، يمارس غواية بصرية توازي غواية النص ، ويقدّم للقارئ وعدا ضمنيا بأنّ الصفحات القادمة ستكون رحلة بين العاطفة والفلسفة، بين قوّة البلاغة و ألم التجربة .
يجمع الغلاف بين عمق الأسود وفخامة الذهبي في زهرة تتوسط العتمة، ليختصر فلسفة أحلام في صورة بصرية مكثّفة لا تخلو من ذكاء و أناقة ؛ فالأسود يرمز لثقل الماضي وجرح الذاكرة ، فيما يعكس الذهبي جوهر النفس المصقول بالألم ، وقيمتها التي لا تصدأ . أما الزهرة، فترمز إلى هشاشة التجربة بتفتحها وسط الظلام ، لتقول أنّ الجراح مهما قست، قادرة على إنبات جمال ثمين . بهذا التكوين، يصبح الغلاف بوابة رمزية تنقل القارئ إلى عالم النص، حيث يلتقي الحزن بالأناقة، واللّيل ببريق الأمل .
أحلام مشاكسة واعدة ، فعلى الرغم من ختم وضع على واجهة الغلاف " يحظر بيعه للرجال" ، فإنّها بذلك تستقطب فضول الرجال لاقتنائه ،على سبيل " الممنوع مرغوب " ، لأنها ستخاطب القارىء ومنذ الوهلة الأولى وتضعه أمام جموح فضوله وحقيقة مسمياته ، في مشاكسة جندرية عتبيّة ، يُبنى عليها الآتي منه :
" أيّها الرجال الرجال ، سنصلّي لله طويلا ، كي يُملأ بفصيلتكم هذا العالم ، و أن يساعدنا على نسيان الآخرين" ص11.
وعطفا على قولها تستطرد :" ليس هذا مانيفيستا نسائيا ، إنّه جردة نسائية ضدّ الذكورة ،دفاعا عن الرجولة ، تلك الآسرة التي نباهى بها بوقوعنا في فتنتها ،إذ من دونها ما كنّا لنكون إناثا ، و لا نساء "
ما أبلغ وأعذب ما تقول أحلام ! فإنّني ووفقا لقولها ، أقترح أن يُعدّل الختم ليصير " يحظر بيعه للذكور " ، على يقين أن يقتنيه رجال يفهمون دلالات متنه ، ويتطفّلون على متنه ذكور يمتعضون ممّا جاء فيه .
بكثير من القضايا الفلسفية التي تتوارى خلف نعومة لغة وقوة أسلوب ،تجعل فيلسوفتنا قضية النسيان كفعل إرادي ، ليس مجرّد عملية بيولوجية عفوية، بل قرار يتطلب شجاعة وانضباطا عاطفيا. كما تقدّم الكرامة قبل الحب بفلسفة تنظّر لأولوية كرامة المرأة على استمرار أي علاقة . وكرفض واعٍ للعودة كمناهضة غير صريحة لعود نتشوي خاضع للقدر ، كي تُحذّر من إعادة تدوير الألم عبر العودة إلى نفس العلاقات المؤذية .
تقدّم كاتبتنا نصّها الموشى بالبديع ، النابض بروح الفلسفة بشجاعة ناعمة ، كأنّها تمسك في يدها وردة وفي الأخرى سيفا مغطّى بالحرير. لا تصرخ أفكارها، بل تتسلّل برفق إلى القلب، وتترك هناك أثرا أعمق من الجرح. شجاعتها ليست في ضجيج العبارات، بل في قدرتها على تسمية الأشياء بأسمائها دون مواربة ، وعلى مواجهة أوهام الحب والزمن بصدق امرأة تعرف أن الكلمات قادرة على تعرية الحقائق أكثر من أي سلاح . تتجلّى نعومتها اللّغوية، في العبارات التي تصوغها كما لو كانت أنثى تسرّح شعرها أمام مرآة الفجر، فينزل المعنى إلى القارئ مغموسا بعطر الحنين. وحين تتحدّث عن الفقد، لا تكتفي برثاء القلب، بل تزرع في النص بذور تأمّل تجعلك تدرك أن الحب والغياب وجهان لفلسفة أوسع من الحكاية .
في "نسيان.com "، تجمع أحلام بين أنوثة الكلمة وقوّة الفكرة، بين دفء البوح وصرامة الحقيقة، فتخرج النصوص وكأنّها اعترافات مكتوبة على مهل، بإيقاع يتراوح بين خطاب عاطفي بطيء ، وجمل سريعة قاطعة ، مشبعة بالصور الحسية والمجازات، ما يضفي طابعا شعريا على النص ، مع وعي أنّ القارئ سيجد نفسه في تلك الاعترافات ، شاء أم أبى .
أحلام فيلسوفة من حيث لا تقصد :
تلتقي في روحها الفكرية مع الفيلسوفة الفرنسية سيمون دو بوفوار، فكلاهما ينظر إلى الحبّ والمرأة من منظور الحرية أولا. حيث تفكّك دو بوفوار في كتابها "الجنس الآخر" أوهام العاطفة التي تجعل المرأة تابعة، وترى أن الحب لا يكون حقيقيا إلا بين كائنين مكتملين بذاتهما. و تمارس أحلام في " نسيان.com" الفكرة ذاتها بلغة شعرية ومسحة فلسفية ، إذ تدعو المرأة إلى استعادة نفسها بعد الانكسار، وألاّ تمنح قلبها إلا إذا كانت قادرة على منح حياتها كلّها " لا تعطي تفاصيل حياتك لرجل إلّا إذا كان بوسعك أن تمنحيه حياتك كلّها" ص28
كلاهما يرفض أن يكون الماضي سجنا، ويؤمن أن الحاضر هو ساحة الفعل، لكن بينما تعبّر دو بوفوار بصرامة التحليل الفلسفي، تميل أحلام إلى رقّة الاعترافات التي تخفي بين سطورها شجاعة أنثوية قادرة على مواجهة القدر بابتسامة. لذلك يمكن القول بأنّ نص أحلام يتحوّل إلى شكل من أشكال العلاج بالكلمات Language) (Therapy ، إذ لا يكتفي بتشخيص الألم العاطفي، بل يمنح القارئة أدوات لغوية ووجدانية للتعامل معه . من خلال بوح شعري يجمع بين الحنان والصرامة، تعيد أحلام صياغة التجربة المؤلمة بلغة قادرة على تهذيب الوجع وتحويله إلى وعي جديد بالذات. إنّها تمنح القارئة الكلمات التي تعينها على تسمية مشاعرها وفهمها، فتتحوّل الخسارة إلى درس، والجرح إلى حكاية يمكن حملها بخفّة أكبر. بهذا، تصبح صفحاتها أشبه بجلسة علاجية تلتقي فيها الفلسفة بالأدب، وتصبح القارئة شريكة في علاج نفسها عبر رحلة شفاء هادئة . ومن منظور نقد الجندر كما قدّمته جوديث بتلر، يتحوّل هذا الكتاب إلى محاولة لإعادة كتابة أداء الأنوثة، مستبدلا خطاب الصبر والخضوع بخطاب الاستقلال والسيطرة على المسار الشخصي. وهذا يتبدّى في نصائح عملية ذات طابع فوكوي واضح، حيث توجّه القارئة إلى إعادة تنظيم وقتها واهتماماتها، باعتبارها "تقنيات للذات " تساعد على التحرّر من أسر الماضي .
تحتل المجازات الجسدية مكانا بارزا في النص، إذ تصف الذاكرة بأنّها "عضلة، إن لم تدربيها على النسيان ستتصلّب" (ص. 112)، وتشبّه الانفصال العاطفي بعملية "فطام" يحتاج فيها القلب إلى الانضباط والصرامة. هذه الصور البلاغية تحوّل المفاهيم الفلسفية إلى خبرات حسية ملموسة، وتجعل الفعل العاطفي أشبه بممارسة حياتية يومية . فالنص كلّه قائم على بلاغة الأمر، فالأوامر المباشرة (اقطعي ، امتنعي ، انسَي ، كوني ....) تعمل كأفعال كلامية بالمعنى الفاعل، حيث لا تصف الواقع فحسب بل تسهم في تغييره . بهذا المعنى، يصبح الكتاب أداة إجرائية تعيد تشكيل التجربة العاطفية للقارئة، وليس مجرّد خطاب وصفي .
فلسفيا، ينجح العمل في إعادة تعريف النسيان كقوة إيجابية وفي كسر خطاب التبعية العاطفية، محوّلًا اللغة إلى أداة علاجية و عيادة لغوية ، لمعالجة الجراح النفسية. ومع ذلك، يبقى سؤال مفتوح "هل النسيان هنا تحرّر فعلي من هيمنة الآخر، أم مجرّد إعادة تموضع ضمن شبكة القوى نفسها التي تشكّل علاقاتنا؟ "
ختاما :
نخلص إلى القول أنّ حكيمتنا ومن خلال كتابها " نسيان . com" ، تسعى إلى انتزاعك من وهم الحبّ الذي يستعبدك ، لتعيدك إلى ذاتك حرّة كاملة . تكتبين بجرأة ، وتدركين أنّ النسيان ليس خيانة بقدر ما هو إنقاذ لنفسك ، وأن قلبك لا يستحقّ أن يكون مقبرة لأحد . ليغدو كتابها صفعة أنيقة توقظ المرأة كما الرجل من حلم مريض، وتذكرك أنّ الحياة أكبر من رجل ، وأنّك أنت الحكاية الأجمل .
فلا تُثقلي نفسك بذكريات مؤلمة ، لأنّ الحياة لا تنتظر من يتأخّر في دفن موتاه ولا يكون الحاضر أجمل إن لم يتخلّص من ثقل جنازات الحبّ القديم .
ليلى تبّاني ــــ قسنطينة ــــ الجزائر
حين أصدرت نسيان com. عام 2009 عن دار الآداب ـــ بيروت في طبعته الأولى ـــــــ والذي حُزت على نسخة منه ــــــ بدا الكتاب كاختراق طقوسي جمالي في مسارها . فلا يعدّ الكتاب رواية مكتملة الأركان ، بقدر ما هو ومضات من خبرة العاطفة ، استجلتها في شكل متواليات نصّية ناعمة لاذعة مثيرة للجدل ،على شاكلة ليوتارية ميتاسردية ، كلّها تُنسج حول فكرة واحدة تؤكّد أن النسيان ليس غيابا، بل فعل إرادة وتشكيل جديد للحياة . جاءت الطبعة الأولى في نحو 335 صفحة من القطع المتوسط، بطباعة أنيقة أناقة الكاتبة ، توحي بأنّ ما بين الدفّتين ليس مجرّد نصيحة عابرة ، بل عمل يجمع بين المتعة الأدبية وقوّة الخطاب المؤسّس على التحريض النفسي . والحقّ أنّ أناقة الغلاف ودلالة تصميمه ؛ جزء لا ينفصل عن قوّة الخطاب إذ أراه كما هو بين يدي ، يمارس غواية بصرية توازي غواية النص ، ويقدّم للقارئ وعدا ضمنيا بأنّ الصفحات القادمة ستكون رحلة بين العاطفة والفلسفة، بين قوّة البلاغة و ألم التجربة .
يجمع الغلاف بين عمق الأسود وفخامة الذهبي في زهرة تتوسط العتمة، ليختصر فلسفة أحلام في صورة بصرية مكثّفة لا تخلو من ذكاء و أناقة ؛ فالأسود يرمز لثقل الماضي وجرح الذاكرة ، فيما يعكس الذهبي جوهر النفس المصقول بالألم ، وقيمتها التي لا تصدأ . أما الزهرة، فترمز إلى هشاشة التجربة بتفتحها وسط الظلام ، لتقول أنّ الجراح مهما قست، قادرة على إنبات جمال ثمين . بهذا التكوين، يصبح الغلاف بوابة رمزية تنقل القارئ إلى عالم النص، حيث يلتقي الحزن بالأناقة، واللّيل ببريق الأمل .
أحلام مشاكسة واعدة ، فعلى الرغم من ختم وضع على واجهة الغلاف " يحظر بيعه للرجال" ، فإنّها بذلك تستقطب فضول الرجال لاقتنائه ،على سبيل " الممنوع مرغوب " ، لأنها ستخاطب القارىء ومنذ الوهلة الأولى وتضعه أمام جموح فضوله وحقيقة مسمياته ، في مشاكسة جندرية عتبيّة ، يُبنى عليها الآتي منه :
" أيّها الرجال الرجال ، سنصلّي لله طويلا ، كي يُملأ بفصيلتكم هذا العالم ، و أن يساعدنا على نسيان الآخرين" ص11.
وعطفا على قولها تستطرد :" ليس هذا مانيفيستا نسائيا ، إنّه جردة نسائية ضدّ الذكورة ،دفاعا عن الرجولة ، تلك الآسرة التي نباهى بها بوقوعنا في فتنتها ،إذ من دونها ما كنّا لنكون إناثا ، و لا نساء "
ما أبلغ وأعذب ما تقول أحلام ! فإنّني ووفقا لقولها ، أقترح أن يُعدّل الختم ليصير " يحظر بيعه للذكور " ، على يقين أن يقتنيه رجال يفهمون دلالات متنه ، ويتطفّلون على متنه ذكور يمتعضون ممّا جاء فيه .
بكثير من القضايا الفلسفية التي تتوارى خلف نعومة لغة وقوة أسلوب ،تجعل فيلسوفتنا قضية النسيان كفعل إرادي ، ليس مجرّد عملية بيولوجية عفوية، بل قرار يتطلب شجاعة وانضباطا عاطفيا. كما تقدّم الكرامة قبل الحب بفلسفة تنظّر لأولوية كرامة المرأة على استمرار أي علاقة . وكرفض واعٍ للعودة كمناهضة غير صريحة لعود نتشوي خاضع للقدر ، كي تُحذّر من إعادة تدوير الألم عبر العودة إلى نفس العلاقات المؤذية .
تقدّم كاتبتنا نصّها الموشى بالبديع ، النابض بروح الفلسفة بشجاعة ناعمة ، كأنّها تمسك في يدها وردة وفي الأخرى سيفا مغطّى بالحرير. لا تصرخ أفكارها، بل تتسلّل برفق إلى القلب، وتترك هناك أثرا أعمق من الجرح. شجاعتها ليست في ضجيج العبارات، بل في قدرتها على تسمية الأشياء بأسمائها دون مواربة ، وعلى مواجهة أوهام الحب والزمن بصدق امرأة تعرف أن الكلمات قادرة على تعرية الحقائق أكثر من أي سلاح . تتجلّى نعومتها اللّغوية، في العبارات التي تصوغها كما لو كانت أنثى تسرّح شعرها أمام مرآة الفجر، فينزل المعنى إلى القارئ مغموسا بعطر الحنين. وحين تتحدّث عن الفقد، لا تكتفي برثاء القلب، بل تزرع في النص بذور تأمّل تجعلك تدرك أن الحب والغياب وجهان لفلسفة أوسع من الحكاية .
في "نسيان.com "، تجمع أحلام بين أنوثة الكلمة وقوّة الفكرة، بين دفء البوح وصرامة الحقيقة، فتخرج النصوص وكأنّها اعترافات مكتوبة على مهل، بإيقاع يتراوح بين خطاب عاطفي بطيء ، وجمل سريعة قاطعة ، مشبعة بالصور الحسية والمجازات، ما يضفي طابعا شعريا على النص ، مع وعي أنّ القارئ سيجد نفسه في تلك الاعترافات ، شاء أم أبى .
أحلام فيلسوفة من حيث لا تقصد :
تلتقي في روحها الفكرية مع الفيلسوفة الفرنسية سيمون دو بوفوار، فكلاهما ينظر إلى الحبّ والمرأة من منظور الحرية أولا. حيث تفكّك دو بوفوار في كتابها "الجنس الآخر" أوهام العاطفة التي تجعل المرأة تابعة، وترى أن الحب لا يكون حقيقيا إلا بين كائنين مكتملين بذاتهما. و تمارس أحلام في " نسيان.com" الفكرة ذاتها بلغة شعرية ومسحة فلسفية ، إذ تدعو المرأة إلى استعادة نفسها بعد الانكسار، وألاّ تمنح قلبها إلا إذا كانت قادرة على منح حياتها كلّها " لا تعطي تفاصيل حياتك لرجل إلّا إذا كان بوسعك أن تمنحيه حياتك كلّها" ص28
كلاهما يرفض أن يكون الماضي سجنا، ويؤمن أن الحاضر هو ساحة الفعل، لكن بينما تعبّر دو بوفوار بصرامة التحليل الفلسفي، تميل أحلام إلى رقّة الاعترافات التي تخفي بين سطورها شجاعة أنثوية قادرة على مواجهة القدر بابتسامة. لذلك يمكن القول بأنّ نص أحلام يتحوّل إلى شكل من أشكال العلاج بالكلمات Language) (Therapy ، إذ لا يكتفي بتشخيص الألم العاطفي، بل يمنح القارئة أدوات لغوية ووجدانية للتعامل معه . من خلال بوح شعري يجمع بين الحنان والصرامة، تعيد أحلام صياغة التجربة المؤلمة بلغة قادرة على تهذيب الوجع وتحويله إلى وعي جديد بالذات. إنّها تمنح القارئة الكلمات التي تعينها على تسمية مشاعرها وفهمها، فتتحوّل الخسارة إلى درس، والجرح إلى حكاية يمكن حملها بخفّة أكبر. بهذا، تصبح صفحاتها أشبه بجلسة علاجية تلتقي فيها الفلسفة بالأدب، وتصبح القارئة شريكة في علاج نفسها عبر رحلة شفاء هادئة . ومن منظور نقد الجندر كما قدّمته جوديث بتلر، يتحوّل هذا الكتاب إلى محاولة لإعادة كتابة أداء الأنوثة، مستبدلا خطاب الصبر والخضوع بخطاب الاستقلال والسيطرة على المسار الشخصي. وهذا يتبدّى في نصائح عملية ذات طابع فوكوي واضح، حيث توجّه القارئة إلى إعادة تنظيم وقتها واهتماماتها، باعتبارها "تقنيات للذات " تساعد على التحرّر من أسر الماضي .
تحتل المجازات الجسدية مكانا بارزا في النص، إذ تصف الذاكرة بأنّها "عضلة، إن لم تدربيها على النسيان ستتصلّب" (ص. 112)، وتشبّه الانفصال العاطفي بعملية "فطام" يحتاج فيها القلب إلى الانضباط والصرامة. هذه الصور البلاغية تحوّل المفاهيم الفلسفية إلى خبرات حسية ملموسة، وتجعل الفعل العاطفي أشبه بممارسة حياتية يومية . فالنص كلّه قائم على بلاغة الأمر، فالأوامر المباشرة (اقطعي ، امتنعي ، انسَي ، كوني ....) تعمل كأفعال كلامية بالمعنى الفاعل، حيث لا تصف الواقع فحسب بل تسهم في تغييره . بهذا المعنى، يصبح الكتاب أداة إجرائية تعيد تشكيل التجربة العاطفية للقارئة، وليس مجرّد خطاب وصفي .
فلسفيا، ينجح العمل في إعادة تعريف النسيان كقوة إيجابية وفي كسر خطاب التبعية العاطفية، محوّلًا اللغة إلى أداة علاجية و عيادة لغوية ، لمعالجة الجراح النفسية. ومع ذلك، يبقى سؤال مفتوح "هل النسيان هنا تحرّر فعلي من هيمنة الآخر، أم مجرّد إعادة تموضع ضمن شبكة القوى نفسها التي تشكّل علاقاتنا؟ "
ختاما :
نخلص إلى القول أنّ حكيمتنا ومن خلال كتابها " نسيان . com" ، تسعى إلى انتزاعك من وهم الحبّ الذي يستعبدك ، لتعيدك إلى ذاتك حرّة كاملة . تكتبين بجرأة ، وتدركين أنّ النسيان ليس خيانة بقدر ما هو إنقاذ لنفسك ، وأن قلبك لا يستحقّ أن يكون مقبرة لأحد . ليغدو كتابها صفعة أنيقة توقظ المرأة كما الرجل من حلم مريض، وتذكرك أنّ الحياة أكبر من رجل ، وأنّك أنت الحكاية الأجمل .
فلا تُثقلي نفسك بذكريات مؤلمة ، لأنّ الحياة لا تنتظر من يتأخّر في دفن موتاه ولا يكون الحاضر أجمل إن لم يتخلّص من ثقل جنازات الحبّ القديم .
ليلى تبّاني ــــ قسنطينة ــــ الجزائر