أحمد عبدالله إسماعيل - نظرة...

في إحدى حواري العاصمة التي لا تنام، حيث الحياة أرقام تتدفق على الشاشات، عاش آدم كظل بين الظلال. في مكتبه، حيث الجدران البيضاء الباهتة، وشهادة الموظف المثالي المعلقة بخيط مهترئ، يقضي يومه بين شاشة حاسوب تومض كأنها تكافح للبقاء مستيقظة، وطابعة تخرج الأوراق بنفس الإيقاع المتكرر. يدخل السجن صباحاً ولا يغادر إلا بعد ثماني ساعات. يكرر كل يوم ذات الطقوس: استيقاظ، صلاة، دعاء، ثم انصراف.

اثنتا عشرة سنةً مرّت، حملت فيها زوجته أملًا يذوي كلّ شهر، وزيارات إلى أطباء النساء تحوّلت إلى طقوسٍ يائسة. لكنّ الأقدار تُخبئ في جعبتها مفاجآت لا تُعلن عن موعدها. وفي صباحٍ لم يختلف عن سابقيه، جاءت "سارة" إلى الدنيا، فانكسرت قوانين الروتين لأوّل مرّة.

تعلّق آدم بها كل يوم أكثر من اليوم السابق. مرت أربعة أشهر، وذات صباح، استيقظ قبل الفجر، صلّى، فتح ذراعيه على أقصى اتساع، ثم دعا بدعوة واحدة: "استودعتك ابنتي". لكنه لم يذهب إلى العمل ذلك اليوم. لم يُرسل رسالة اعتذار، لم يُفكّر حتى في الهاتف الذي ظلّ صامتًا كأنّما احترم قدسيّة اللحظة. كان مشغولًا بنظرةٍ واحدةٍ من عينينِ لم تُبصرا الدنيا إلّا منذ بضعة أشهر. نظرةٌ من سارة، فَهم منها كلّ اللغات التي لم يتعلّمها، وكلّ الدعوات التي لم ينطق بها.

بينما كان يحتسي آخر جرعة من قهوته الصباحية، استيقظت سارة على صوت بائع متجول يصرخ: "كل حاجة قديمة للبيع!". رفعت يدها الصغيرة، تلك الحركة البسيطة التي مزقت جدول مواعيد حياة والدها اليومية إلى أجزاء.

ناولته زوجته صندوق طعامه الدافئ، ربّتت على كتفه. همّ بالخروج، لكن نظرة سارة وإشارتها إليه بيدها أوقفته.

قالت زوجته بصوت خافت وهو يهم بالخروج: "أخاف عليك إن تغيبت دون إذن، لكني أفهم".

نظرة واحدة فهم منها كل شيء. كانت تتمنى ذهابه وهو على وشك ترقية. لكنه في غمضة عين، خلع زيه الوظيفي وضمّ سارة إلى صدره.

أشرق اليوم بابتسامتها التي أضاءت الغرفة، كشعاع شمس اخترق الستائر، فَغرق في دقائقَ من المشاعر التي لا تُحسب بالساعات. لم يعد يعرف من الدنيا إلّا دفء جسدٍ صغيرٍ يتنفّس بجوار قلبه.

جلس إلى جانبها، وامتدت الدقائق حتى فات موعد بصمة تسجيل الحضور إلى العمل.

"آلو صباح الخير يا أبو سارة؟ فينك؟ المدير سأل عنك ثلاث مرات!"

صوت الزميل جاء من عالمٍ آخر. نظر آدم إلى الشاشة، فقرأ الاسم كأنّه يكتشفه لأوّل مرّة. تذكّر فجأةً ذلك المكتب الذي ترك فيه ورقة الاستقالة القديمة في الدرج السفلي.

لكنّ كلّ ذلك صار بعيداً.

أجاب بصوتٍ هادئٍ كالغطاء الذي تُلفّ فيه سارة:
"قل لهم... اليوم عندي مسئوليات".

ثمّ أغلق الهاتف، وعاد إلى سارة.

سمع رنين الهاتف مرة أخرى، وصوت الزميل يصرخ: "آدم! المدير غاضب!"

فأجاب بهدوء: "قل له، اليوم عندي موعد أهم بكثير".

أدرك آدم، في النهاية، أن كلّ الأوامر لا تسير وفق الطرق الرسميّة، بل بعضها يأتي بنظرةٍ من عينينِ تفتحان للتوّ على الدنيا، فتعلّماننا كيف نعيش.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى