أحمد عبدالله إسماعيل - نظارة الآمال...

مكثتُ غير بعيد، ثوانٍ فقط مرت منذ إفاقتي، لكنها بدت كعمرٍ بأكمله. آخر ما أذكره: حضرت إلى المستشفى بعد معاناة شديدة مع الآلام التي هاجمت صدري بضراوة، كآثار جانبية لمرض السكري، وبعد مناكفة مع طبيب الطوارئ؛ إذ ظن أنني أتدلل وأضيع وقته الثمين، ولا أعاني من أي شيء، أدرت له ظهري، فهويتُ أرضًا عند الباب، أذكر صوته وهو يدوّي مذعورًا:
"العناية المركزة فورًا".

وُضعت على نقالة طبية، وهرول المسعفون بها نحو المصعد المؤدي إلى الطابق الثالث؛ حيث غرفة العناية المركزة، رأيت كشافات الإضاءة في سقف ممر المستشفى، وبعدها انقطعت عن العالم.

أفقت قبل دقائق، رأيت سحب بيضاء تطير في فضاء غرفة العناية المركزة. أحسست بروحي تصّعد في السماء في هدوء وسكينة. لم أميز إن كنتُ أختنقُ بأسلاكِ الجهازِ أم بذكرياتي. حتى الأجهزة التي كانت تنبِضُ في جسدي بدتْ وكأنها تهمس: "ليست هذه حياتَكَ" إلا النظارة الزرقاء الشاحبة التي لفتت انتباهي.

أفقتُ من الغيبوبة قبل دقائق، أحسُّ الآن بثقلٍ غريبٍ فوق رأسي، كأنَّ أسلاكًا تخترقُ جمجمتي. حولي صفيرُ أجهزةٍ تنبضُ كقلبٍ ميكانيكيٍّ، وفي الزاوية البعيدة، سمعتُ حفيفَ صفحاتِ السجلِّ الطبيِّ بين يدي الممرضة، وصوتَها الخافتَ يرن في صمتَ الغرفة: الحالةُ 32، غادرنا ولم يتحمّلْ.

توسلتُ إليها أن تُنادي الطبيب. دخلَ رجلٌ بنظرة مُثقلةٍ بتجاربَ لا تُحصى، يحملُ بين يديه جهازًا يشبهَ نظّارة الواقع الافتراضي. قالَ الفني المتخصص في الأجهزة الإلكترونية الطبية، وهو يعدّلُ إطارها:

"لا طبيب يمكنه أن يؤخر ما سيحدث لك، ولم يبق أحد قبلك بعد موعده دقيقة واحدة".

لاحظتُ أن كلَّ لقطةٍ تُعيدُني إلى عينيها، كأن النظارةَ لا ترى إلا ما هو مُخزّنٌ في أعماقي.
أكمل الفنيّ:
"قد أتطلع إلى ارتدائها؛ إنها تكشفُ الأسرار الدفينة والآمال المؤجلة، لكنني لا أريد تجربتها الآن؛ لأنني أتشبث بالحياة قليلاً".

بينما أضعُ النظارةَ على عينيّ، ارتعشت أصابعي. أحيت كل لقطة ألمًا قديمًا، كأن النظارة تخترقُ قلبي بدل عينيّ.

اللقطة الأولى: طيف زوجتي التي خطفها مني السرطان.

فستانُ زفافٍ أبيضُ يذوبُ في ضوءٍ شاحبٍ، لكن الوجهَ تحتهُ غريبٌ، بل وجهٌ آخرُ يشبهُها، أو هكذا خُيّلَ إليّ، ظلّ وجهها يشحب ويتلاشى حتى اختفى تمامًا.

اللقطة الثانية: طفلةٌ في حِضنها.

ابنتي! تمنّيتُ أن ترثَ كلَّ ملامحِ أمِّها، لكنَّ عينيها كانتا كعينيَّ تمامًا، كبرت الطفلة فجأة ثم تزوجت واختفت في زحمة الحياة.

اللقطة الثالثة: صبيٌّ يجري في الحديقة.

ابني يحملُ ذقني المربعَ، لكنّ صوتَ ضحكتهِ كان صوتَها هي، أكمل تعليمه في غمضة عين، وصار المشاغب كثير الضحك مسئولاً يأمر وينهى ويتحدث عن اللائق والمستحب!

تسارعتِ الصورُ كخيالات مخدّرٍ:
زفافٌ، طفلةٌ، صبيٌّ، شيبٌ، ذبولٌ، كبرَ الابنان، تخرّجَ الصبيُّ، تزوّجتِ الفتاةُ، شابَّ شعري، تقلّصَ جسدي، كلُّ ذلك مرَّ في ومضةٍ.

"ظللتُ أرى عينيها في كلِّ لقطةٍ، تلك العينانِ اللتانِ التقطتُهما يومًا من وراء زجاجِ غرفةِ العناية، كأنهما تتشبثان بي من وراء حجابِ الموتِ. عيناها هي!

تساءلت:
"ما هذه النظارة التي تعرض كل مواجعي وأحلامي، وخصوصًا هذه التي عانيت منها طويلًا، وتلك التي لم أعشها؟!"

ناديتُ الممرضةَ، التي ترقب لحظاتي الأخيرة في صمت:

"ما هذه الأسلاكُ فوق رأسي؟"

رأيت شبحًا يخرج من كائن نوراني، لم تكن ممرضة عادية، بل ملاكًا من عالم آخر ترتدي زيها الأبيض المميز، أشارتْ إلى جهازِ التنفّسِ، ثم إلى صورةٍ على هاتفها:

"منذُ أن أفقت، تنادي زوجتك وتردد: يا غالية، وإلى جوار سريرك، رأيتك تتحدث مع شبح لامرأةٍ نائمةٍ على كرسيٍّ ملاصق لك، وعندما حدّقت فيه لم يكن هناك أي شخص!"

"وهذه النظارة بلونها الأزرق الفاتح؟"

أجابت الممرضة دون أن تحرك شفتيها:
"علمت من الفنيّ إنها تُعيدُ عرض الذكرياتِ الحقيقية والأمنيات المأمولة كشريطٍ سينمائيٍّ. إنها تُظهرُ ما تتمناه، لا ما حدث حقًّا فقط، لكنها لا تتوافر إلا في غرف العناية المركزة، ولا يسمح بارتدائها إلا للحالات الطارئة الحرجة التي تحاول التفلت من بين أظافر الموت، ومع ذلك لا بد من الحذر؛ فليس كل ما تراه بهذه النظارة حقيقيًا".

نظرت إلى الفنيّ، وعندما سقطت النظارة من يديه، رأيتُ سواراً أسودَ في معصمه مكتوبًا عليه "الانتقال الأخير"، وأدركتُ الحقيقةَ:

"إنه نفس السوار الذي ألبسه! لم تكُنِ اللقطاتُ سوى شريطَ ذكرياتي أنا. أوجاع بعضها حدث وبعضها لم أشهده مطلقا، لكنّ عقلي رفضَ أن يموتَ قبلَ أن يفهم ما يحدث حولي.

الخيوط المعدنية التي تمتد إلى وعيي، كانت حبالَ نجاةٍ غير مرئيةٍ. تلاشى صوت زوجتي كصدى:"اقطع الأسلاك والحق بي..." ثم صمتٌ. لم تعدْ الأسلاكُ باردةً. لم أعدْ أشعرُ بشيءٍ.
أحسست بإصبعٍ دافئٍ يمسحُ دمعةً لم أشعرْ بسقوطها، ثم أكملتْ:
"هذه الخيوطُ، هي آخر ما يفصلني عن رؤيتك، أريدك أن تطعمني بيديك. الاختيارُ لكَ الآنَ".

قبل أن يغيب الوعي تمامًا، رأيتُ عينيها في النظارة المشروخة، وقبل أن يكتسي المكان بالظلام تمامًا، رأيتُ رقم 33 على سوار الفنيّ يتحول إلى 34؛ فخشيت على ولدي الذي كان ترتيبه الرابع والثلاثين في أفراد العائلة! تساءلت: "هل يلمع كإنذار لأجَل لم يُكتب بعد؟!"

في غرفة العناية المركزة التي خلت من المرضى، ولم يبق أمامي إلا الأرقام الثلاثة وثلاثين على وسادة كل سرير، وقبل أن يتلاشى العالم من حولي، سمعتُ صوتَ النظارةِ ترتطم بالأرضِ مرة أخرى، كأنها تحررُ روحي من آخرِ قيود التعلّق، لكنني وددت أن ألبسها؛ لأرى ما يمكن أن يحدث لابني وابنتي؛ تمنيت أن يمتد الوقت قليلا؛ لأطمئن عليهما.

مددتُ يدي، وفي اللحظةِ التي لم أعدْ أدركُ فيها هل قطعتُ الأسلاكَ أم لا، سمعتُ صوتَ الجهازِ يُطلقُ صفيرَ النهايةِ الطويلَ، وعلى الشاشة ظهرت عبارة "النوم الهانئ الطويل الذي لا ضجيج بعده"؛ انقبض قلبي لبرهة، لكنّ دفء إصبع زوجتي طمأنني.

حاولتُ التشبثَ بإصبعِها، وجاهدتُ في النظرِ إلى ملامحِ وجهِها الذابلِ المتلاشي، وغرفة العناية المركزة والممرضة وفني الأجهزة لكنهم جميعا لم يكونوا إلا مجرد هلاوس تختلط مع ذكرياتي التي ألقيت بها في أبعد نقطة من رأسي؛ طمعًا في راحة البال، أما الففيّ فكان ملاك الموت متجسّدًا في هيئته.

مسحت المكان بعيني بحثًا عن النظارة الطبية، فأدركت أنها مجرد هلاوس الاحتضار ولا وجود لها في أي زاوية من غرفة العناية المركزة.

تفكّرت في حالي مرة أخيرة، مررت بصورة خاطفة على ما علَق بذاكرتي، وُلدت، تعلمت، عملت، تزوجت، رزقت بالأولاد، لبثت يومًا أو بعض يوم، أو ربما ساعة من نهار أو أكثر قليلا، بعد كل ذلك الضجيج، أخيرًا، الصمت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى