محمد سهيل احمد - فـرح اسـود...

انها صداقة غريبة تلك التي تربطني بـ (ماري ) ، فقد مضى العهد الذي كانت حينها تستطيع ان تمنح ما كانت تملك . وفي الحقيقة انها منحته بإفراط فيما مضى يوم كانت مأخوذة بالرغبة في أن يحبها الآخرون . ولم تكن الصداقات التي انقضت في زمن ما مثل حالي وإياها اليوم . إنها لم تكن تماما صداقات ولكنها كادت ان تكون كذلك لكون ماري كانت مستطيعة ان تمنح .اذن ، لعلي الوحيد الذي لم يزل متيقنا من ان ماري تمنح بدون ان يطلب منها ذلك ، ولعلها كانت ترضى بأشياء تافهة بالمقابل وهي حقيقة أدركتها هي بعد ان فقدت الأيام طعمها و ضاع ما كانت تفاخر ــ وإنْ كان ذلك وهما ــ بما كانت تمنحه .
اصطلي ببهاء الشمس وأتأمل ماري قاعدة عبر الشارع على اريكة ضمن معروضات سقط المتاع على رصيف شارع ( الوطن ) أمام مدخل السينما المهجورة ، محاطة بالأرائك التي تحتل قسما من الرصيف وحولها ايضا مناضد عليها صناديق مرصعة بنجوم وآنية فخارية وصحون عليها رسوم لا تتضح الا عند الاقتراب منها ولكن الذي يتضح هو غلبة اللون الأزرق عليها . وهناك كراسي هزازة وأسرة نوم تعج بالنوابض وساعة جدارية و جزازة عشب .صبي المقهى ( أدهم ) ذو الوجه الببغائي والشعر الأحمر يتحرك كاشفا ذراعيه المزروعتين بدلا من الشعر بالنمش لافظا الراء غينا مما يمنحه ، فقط عند التحدث ، مظهرا اصغر مما هو عليه . يقف قرب ماري .. بينها وبين الخزانة ذات اللون البني والتي تعكس مرآتها بصورة متموجة رواح ومجيء السيارات ولافتة ( ملهى الأمل ) عبر الشارع والحوانيت المجاورة .
قالوا لماري : ــ الموكب آت ...
قالت : ــ انني أتصدر الطريق ..
قهقه (توما ) مهتزا على نوابض السرير :
ــ لعله سيغلق بسببك ..
اقترحتُ أنا : ــ بسيطة .. الأثاث قليلا الى الوراء ..
تأوهت ماري : ــ شريطة ان لا احرم من متعة التفرج ..
حكّ توما أرنبة انفه التي يتكور قربها على خده المحمرّ خال مثل بندقة :
ــ التفرج عليهم أم عليك ؟
ــ توما .. استح من شعر رأسك !
ــ كانوا يفعلون ذلك طيلة العشرين عاما الماضية ..
ــ ما الذي كنت تفعله طيلة الوقت أيها النغل غير التكاسل في بار الملهى ؟ !
ادار توما وجهه صوبي : ــ أرأيت ؟
ــ البا دئ اظلم ..
ارتعشت عيناها وحدقت فيّ : ــ والله .. حسن شاب لطيف ..
هتف توما : ــ انه شاب من حيث الشكل ..أما أنا فمن حيث القلب ..
ــ حقا ما يقوله توما .. انك دوما حزين ..
أرغمت على ان اقول : ــ في الحياة أشياء وحقائق جارحة لا يمكن نسيانها ..
فغر توما فاه : ــ ها .. ها .. ربما بسبب تعدد البارات ..
أخرجت ثلاث سيجارات من جيب قميصي وقلم رصاص :
ــ لديّ لعبة ..
كتبت على حافة السيجارة القريبة من رأس الجذوة اسم ماري وعلى الثانية اسم توما أما الثالثة فكتبت عليها اسمي في المنتصف . أوقفت شحاذا ونقلت النار من سيجارته الذائبة بين إصبعيه . نفخ توما الدخان :
ــ سينمحي اسمي أولا ..
قالت ماري : ــ انا الأقرب للجذوة ..
سعلت بعنف : ــ انا من بعدكم ولكن النار ستصل ايضا ..
ــ حتما ستصل ..
ــ انها ليست لعبتي أصلا ..
نظرت ماري الى نهاية الطريق حينما التمعت الشمس في مرآة الخزانة :
ــ انظر .. الموكب بدأ بالظهور ..
الموكب يتقدم من نهاية شارع الوطن ولكنه لم يكن واضح المعالم . وكان قرع الطبول يسمع وهو يتصاعد تدريجيا . ولكن مقدمة الموكب لم تكن واضحة التفاصيل بالقدر الكافي . ثياب بيضاء تتماوج في وسط الطريق . من المؤكد أنهم قارعو الطبول .من الصعوبة التفرس بسبب انبهار العينين بأشعة الشمس والاختلاط النسبي للمتفرجين او المارة بالموكب ومرور السيارات المتدفقة عرضيا من الأزقة الجانبية .تبرز ايضا هامات الأشجار وإعلانات المشروبات المعلقة على اعمدة النور .
نهضت ماري بتثاقل وأحنتْ رأسها مطلة على نحرها حيث ياقة ثوبها السمائي اللون :
ــ ليتني ارتديت ثوبا اكثر اناقة ..
اتجهت صوب الخزانة واقفة امام المرآة ماسحة شعرها الأشيب الذي تخالطه الأصباغ ممسدة إياه بأصابعها :
ــ انها المرة الأخيرة التي أقف فيها امام مرآتي ..
نهض توما ووقف وراءها :
ــ من قال انها لن تعود الى بيتك ؟
عادت ماري الى القعود على الأريكة .. بسطت ذراعيها على طول الحافة بحيث انهرس لحم زندها . أشارت للخزانة :
ــ قلت لتوما إنني في ضائقة ..
ــ لم يبقَ الا ان أضعك انتِ في المزاد ..
خزَرته في عتاب :
ــ توما .. ان ماري لا تعرف أحدا غيرنا و...
قاطعتني ماري : الحقيقة انها علاجات الروماتيزم ..
تأفف توما : ــ لو ان الحال تسير على ما يرام !
ــ الأحوال دوما لا تسير على ما يرام ..
ان الصداقة التي نشأت بيني وبين ماري بدأت صدفة وبدون نزعات دنيئة ففي شارع الوطن كثيرات من أمثالها ممن يتصدرن البارات وهو جذب انتباه خائب . ولقد اردتُ ذات يوم ــ بعد ان شعرت بفرح غامر ليس له أساس ــ ان ينالني بعض الانقباض في هذا الشارع الذي تنتشر فيه روائح اللحم المشوي والعرق . أردت بالكآبة ان أعيد بعض توازني لأنني اعلم بتطرفي وهو انحدار أصله متجذر في طبيعتي فقد كنت لا أود الحصول على أي شيء فأنا اعلم ان نساء هذه البارات ــ إن لم يكنّ قد توقفن فعلا ــ فهن لم يعدن يمنحن سوى الإيحاء الانثوي الذي يسنده الوهم . لقد كان اتفاقا جماعيا على النضوب . . ليس بيد أحد ولكنه انهيار يثير السخرية او الشفقة وقد غمرتني الثانية .كنت أتساءل دوما : ما الذي يستحق الانتظار؟ لقد كانت ماري تمتلك بارا حققت فيه اعظم فشل وذلك لأنها افتتحته منذ زمن ليس بالبعيد ..بالضبط عند الفترة التي توقفتْ عن منح ما كانت تملك هي بالذات . صحيح انه كان بارا صغيرا . الأضواء
تتوزع في أركانه على نحو قاتم ،وعلى المنضدة زجاجة يمكن ان تطيح بفيل أرضا فيما لو كان فيها حقا ذلك الويسكي المدهونة بلونه .. وحول البار آلاف المرايا التي تتكسر عندها صور الممثلات او النساء اللواتي يرتشفن البيرة على تقاويم الزمن . لم ينجح البار رغم ان ماري كانت تجالس الرواد وليتها لم تفعل ذلك . كانت تروي لهم عن ليالي ( ملهى الأمل ) الصاخبة حيث كات تبدع في الرقص الشرقي والغناء وترافق كبار الحكام وكثيرا ما استشهدت بحاكم المدينة الذي انصرف الى التلذذ بحكاياتها الى انْ جاءها يوما وهددها بإغلاق فمها بحذائها اذا تحدثت عنه ثانية !ّ وفي النهاية انصرف الجميع عنها وتكدس البار بزبون واحد هو ماري نفسها وانكسرت شهرتها التي كانت تتمتع بها في الايام الخوالي وضربها الإفلاس ولكنها اخذت تتكسب بشهرة اكثر إيحاء بالمرح وهي الافراط بالبدانة ضمن هذا الشارع الذي ينتهي عند فلكة ( اسد بابل ) برواده من الباحثين عن متع الظهيرة من لاعبي الدومينو ورواد مطعم ( علي بابا ) والشحاذين من متوسدي الأرصفة او رواد الليل الذين تقذفهم العلب الليلية سكارى او منبوذين ، والباعة المتجولين الذين يبتاع منهم اولئك المخمورون العطور التي فقدوا القدرة على شمها .
لم اغادر ماري لسببين أولهما انها راحت تحدثني عن ايام ( ملهى الأمل ) وثانيهما رغبتي في التفرج على الموكب القادم ..ألاحظ اثناء الفترات التي تتوقف فيها ماري عن الحديث ــ في مرآة الخزانة ــ اصحاب الموكب من الفتيان الذين أبدلوا ثياب الشتاء بقمصان بيضاء والفتيات اللواتي يرتدين التنورات الملونة وهنالك ( بيك أب ) منشغل بتفريغ صنادبق البيرة . وكان الموكب قد توقف على مرمى حجر حيث ملتقى الطرق وألقى شباب البحرية ــ ربما بالملابس وحسب ــ بطبولهم على ارض الشارع . يبدو انها كانت فترة استراحة غير انها امتدت زمنيا فاغتنمت وماري الفرصة واتجهنا الى مطعم ( السفينة ) المطل على نفس الشارع ، من اجل ان لا يفوتنا الموكب .وكنت لا أعبأ بالسخرية ، رغم انني سمعت الكثيرين يتفوهون بعبارات مثل ( ذو القرنين ) , و( صديق العجائز ) أو ( لهذا السبب توجد مجاعة في المدينة ) وهم يومئون لنا نحن الاثنين .
كان مظهر المطعم من الخارج يثير الشهية رغم ان قائمة الأسعار تمحوها بعد ذلك . رصيف مغلف بقشور محار مطلي باللون الأبيض ودفة سفينة تتدلى منها سلاسل حديدية وفي الوسط يبدو المطعم كسفينة صيد حقا . على زجاجه الملون رسمت أنواع اخرى من السمك لا اعرف اسماءها . اكلتْ ماري بقلة اشتهاء أما انا فقد التهمت سمكتي بدون ان أمسّ الرغيف الا انني عصرت ليمونة عليها ، وتناولت من الطاولة عودا وبقية النقود . عدنا الى محل الاثاث وشربنا الشاي . . توقيت جيد . لقد بدأ الموكب بالتحرك من جديد . ولما استغربت ماري قعودي على كرسي القش مديرا ظهري للموكب ، أخبرتها بأنني أحب ان استمع اليها وانا أتفرج على سير الموكب في الوقت نفسه .
راحت ماري تتحدث عن ايام السعادة والشقاء وهي تطرف بعينيها باتجاه الموكب المقترب .اكتظت المرآة برجال البحرية يتقدمهم حامل المشعل يليه حاملا اللافتة التي اضطرتني الى النظر اليها مباشرة لكون الحروف ظهرت بالمقلوب في المرآة " مهرجان الربيع يفتح قلبه للشباب " . توهجت النار في المرآة فانعكس التوهج على صفحة وجها الذي كان يهتز لكونها كانت تتحدث في حماس . الآن شمس الأصيل على رؤوس المباني .الجمهور المحيط بالموكب المندفع ازاءه اخذ يتدفق بشكل دفعات وهنالك مساحات خالية متشكلة على نحو مترجرج بسبب عدم الدقة في المسايرة . هنالك ضمن جمهور المشاهدين فتيان ربيعيو المظهر وفي الموكب فتيات جميلات ويفترض العرف ان لا يعبأ احدهم بالآخر طالما ان هنالك شيئا غير لغة الكلام ــ وهذه هي ملاحظة ماري من خلال حديثها ــ ولكن هل يحدث امر كهذا ؟ تمنت ماري ان لا يحدث شيء ينغص تلك الساعات الهانئة كحلم شبهته هي بلعبة الكرة والخيط التي يقذفها اللاعب بعيدا ولكن الخيط المطاطي يعيدها الى يد اللاعب .
اكتظت المرايا بالبياض من جديد .كان موكب الفراشات يمنح انطباعا بالرقة وهنالك اعتناء في انتقاء الفتيات بحيث لا تفقد وجوههن صفة الإطراق . وعلى الرؤوس تيجان ذهبية اللون حتى ان ماري أخذت بمشهد الألوان التي ابصرتها تتماوج في المرايا فهتفت في حبور .. انظر .. انظر كم هنّ رشيقات !
ــ انني مندهش حقا ..
التفتت نحوي وهي تشهق بالاعجاب :
ــ كنت فيما مضى ..
وفجأة حملقت فيّ بغرابة وأحنت رأسها فتهدل لحم وجهها . وعندما رفعت رأسها من جديد رأيت نظرة مبللة . قالت ماري :
ــ سوف امضي ..
ــ هل تريدين ان أرافقك ؟
ــ انت تريد ان تتعرض للشتم ..وتطلب مني ان انتظر .. أنتظر لأي شيء ؟ !
انها صداقة غريبة تلك التي تربطني بـ (ماري ) ، فقد مضى العهد الذي كانت حينها تستطيع ان تمنح ما كانت تملك . وفي الحقيقة انها منحته بإفراط فيما مضى يوم كانت مأخوذة بالرغبة في أن يحبها الآخرون . ولم تكن الصداقات التي انقضت في زمن ما مثل حالي وإياها اليوم . انها لم تكن تماما صداقات ولكنها كادت ان تكون كذلك لكون ماري كانت مستطيعة ان تمنح .اذن ، لعلي الوحيد الذي لم يزل متيقنا من ان ماري تمنح بدون ان يطلب منها ذلك ، ولعلها كانت ترضى بأشياء تافهة بالمقابل وهي حقيقة أدركتها هي بعد ان فقدت الأيام طعمها و ضاع ما كانت تفاخر ــ وإنْ كان ذلك وهما ــ بما كانت تمنحه .. فيما مضى ..

-------------------------------------------
(*) كاتب من العراق ــ البصرة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى