أحمد عبدالله إسماعيل - قصة سلفة

بعد سبع سنوات من العيش المشترك في شقتها بعد إلحاح شديد منها، لم يمد يده إليها طلبًا للمال. ظل الفقر الذي جاء منه، والغنى الذي جاءت به، سدًا منيعًا بناه حول كبريائه بحرفية عالية. أخذ يعول نفسه بشق الأنفس، محتفظًا بمساحة من استقلاليته في شقتها الفاخرة، كزهرة برية ترفض أن تنمو في أصيص ذهبي، وتصر على أن تروى فقط بعرَق جبينه.

ولكن هذا الجدار لم يكن قط حاجزًا بين قلبيهما. مضت أيامهما بهديل ضحكاتها التي ملأت البيت سعادة، وكانت عيناه مرآة لحب لم يسأل قط عن ثمنه، رغم أنها حرمته من أغلى نعمة في الحياة: أن يكون أبًا؛ بسبب فارق السن بينهما. في مساءات الشتاء، اعتادا أن تحتسيان الشاي وهما يتذكران أول لقاء، حين أهدته وردة وقالت: "أنت ثروتي الحقيقية". ذللت غناها ببساطة؛ لترضى بفقره الأنيق، فكانت تقترض منه الحب وترده أضعافًا.

لكن الأقدار، التي تلاعبت به دائمًا، وضعته أخيرًا في زاوية ضيقة. انقلب الحال بين عشية وضحاها.

بدأ ينظر إلى شريكة حياته نظرة جديدة. تلك التي لم تتردد قط في بذل كل ما تملك من أجل سعادتهما، لم تعد في عينيه كنزًا ينتظر الإنقاذ، بل تحولت إلى أنقى مصدر للثقة والأمان.

إنها الملكة التي تملك القلب الذي يعطي كل شيء. وجد نفسه أمام خيارين كليهما مر: إما أن يخترق جدار كبريائه الذي بناه بينهما طوال سنوات، أو ينهار تمامًا. اختار الأقل مرارة، أو هكذا ظن.

"يا حبيبتي، أنا محتاج إلى سلفة".

لحظة من الصمت، لم يعد فيها إلا صدى كلمته التي اخترقت قانون علاقتهما غير المكتوب. لم تتردد، لم تتأخر في ردة الفعل، لكن براءة الوجه قد ذهبت. بدت محايدة كالقاضي الجالس على منصة عالية. ولكن قبل أن تمتد يدها بالمبلغ، سقطت الأسئلة من فمها كقطرات مطر ثقيلة وباردة:
"لماذا لا تقترض من أخيك؟"
نظر إليها، كيف يطلب من أخيه الغارق في ديونه مثله. تلعثم، بلع لسانه ولم يجب.
ثم السؤال الثاني، كطلقة في الظلام: "هل سترد إليَّ المال؟"
شعر وكأن سكينًا اخترقت خاصرته. نعم، هي زوجته، التي يشاركها السرير والطعام والذكريات، لكنها تسأله بطريقة لم يألفها عن ضمانات استرداد أموالها! أخيرًا، أسقطت كبرياءه بالضربة القاضية: "متى؟"

حملت كلمة "متى" في طياتها السؤال الأكثر قسوة. كيف له أن يحدد موعدًا لتحسن الأحوال؟ وكيف للظروف أن تنضج كالفاكهة وفق رغبة الدائن؟ تمتم بكلمة فضفاضة تؤجل المصير: "قريبًا... ربما مع نهاية الموسم".

سألته بصوت لم يعد يحمل ذلك الدفء الذي كانت تسأله فيه: "متى ستعود؟" كلما غاب عن البيت. نعم، هو نفس السؤال، لكنه اليوم حمل ثقيل من الوعيد، ليس وعدًا باللقاء.

ومنذ تلك اللحظة، لم تكن هي.

سحبت يدها بعد أن أودعت في يده السلفة، وسحبت معها كل دفء أحاط بهما. تحولت من شريكة حياة إلى محصلة ديون متشككة. عينان ملأت حياته بالضحكات، صارتا تفتشان وجهه بحثًا عن علامات الإفلاس أو الخداع. ضحكتها التي كانت تملأ البيت فرحًا، طواها صمت ثقيل، وحل محلها صوت أوراق المحاسبة وهي تُقلب في ساعات الليل.

أصبح كل مصروف، كل فاتورة، كل نفقة بسيطة، موضوع تحقيق. لم تعد تسأله "كيف كان يومك؟"، بل "متى ستستطيع السداد؟"

أصبح وجوده في البيت أشبه بإقامة جبرية. سجن فاخر بديكوراته الباهظة، لكن سجانه كان هو من احتواه قلبه يومًا ما.

حتى بعد تحسن أحواله، وإعادة المال إليها في مظروف أنيق، كما ترد القروض بين الغرباء، ظلت تلك الشخصية الجديدة متحكمة في زمام الأمور. لقد سدد الدَّين، لكنه لم يستطع استرداد زوجته من الشخصية الجديدة التي حبست نفسها فيها.

تمنى لو أنه جاع، أو تشرد، أو اقترض من أخيه الذي لم يكن يملك قوت يومه. لعن اليوم الذي مد فيه يده، ليس لأنها رفضت، بل لأنها قبلت، وبهذا القبول قتلت كل ما جمعهما على مدى السنوات.

غادر البيت مساء اليوم التالي لسداد الدين، ليس لأنه لم يعد يحبها، بل لأنه أحب بشدة شبح تلك المرأة التي أهدته وردةً ذات يوم وقالت له إنه ثروتها الحقيقية. أحبها وتحمّل لأجلها الكثير، لكنه لم يطق أن يعيش مع هذه الغريبة التي لم تعد ترى في عينيه إلا مدينًا، ونسيت أن فيهما يومًا ما مرآةً لحب لم يسأل عن ثمنه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى