إبراهيم الديب - اعادة ترتيب...

منذ عكوفه على القراءة اكثر وقته وولعه وشغفه الشديد بها ، فملأت عليه أقطار نفسه لم يعد سليم الشريف: لسابق عهده، ولم يظل العالم في تصوره كسابق عهده من البساطة وخلو من التعقيد لكونه فقد :براءة تجذرت بداخله على مدي عقود كونها :تصور جميل عن الحياة والناس والأشياء من حوله ، حملق بعد القراءة في كل شيء ولكنه يستطع تكوين تصور جديد يطمئن اليه كسابق عهده :للحياة والكون بناءً على معرفة حصلها.
ثم تساءل حافرا تحت لا وعيه طبقة تلو الاخر ماذا حدث لهذا العالم وما الذي بدل ثوابته التي يؤمن بها ويعيش في كتفها آمنا ، هل بقراءة دوستويفسكي وهمنجواي توماس مان, وهرمان هيسه ،وزكي نجيب محمود، وهيجل, و اسبينوزا, وسارتر ،, وكل ما تقع عليه عينه من آيات الفكر والفلسفة، والأدب : فوجد نفسه بداخل دوامة مسلوب الإرادة: يقف في منطقة فاصلة بين عالمه قديم انهار وبين وعيه الجديد فبدا : وكأنه يعيش في برزخ بين حياتين لا صلة بينهما ، وبدا عاجزاً لا يستطيع الفصل في أي قضية ، وظل عقله في حالة سيولة لا يكف عن التحول ،و احساس يداهمه أن بين عقله والأشياء مسافة فلم بدا بقائها ؛على الحياد فاقداً إيمانه بها وعلاقة حميمية معها، ولكن عقله مستمر بالحملقة فيها رغبة منه بصياغة :حياته والدنيا بمعيار جديد فرضه وعيا زلزل مسلماته :مقبلاً على هذه التجربة بدهشة البدايات الاولى متحفزا, متيقظا مباغتا ,لا يخرج من دوامة فكرية الا يدخل في أخرى تهوي به الى قيعان من الوعي العميق شعر بعدها بلذة وسعادة تغمره ؛معتبراً ذلك جائزة كافئه بها القدر، ولكنه لا يري على امتداد الأفق أثناء سباحته الطويلة في محيطات مجنون طقسها تطيح امواجها بسفنه تهزه عنيفاً، أن لا شط هناك يرسو عليه غير امواج تقذف به لشطئان يجهلها .
ولكنه مستمر بخوض معركته العقلية ضد رياحها العاتية التي بعثرت منظومة فكرية كان يعيش في إطارها مطمئناً ليكتشف أن ثروته التي تلاشت في الأثير لم تكن الا قبض الريح وحصاد الهشيم: ولكنه لم يستسلم لتلك العواصف التي تلاعبت بعقله ونفسه مدمرة لثوابته وواصل البحث عن :رقعة أرض يحدد بها يساره من يمينه: وزاوية ثابتة يضع قدميه عليها ينظر منها للعالم يوثق تجربته وشهادة عقله ضد النسيان على الورق لما كابده وعاناه لكونه انسان عاش تجربة قرأ فيها وفكر، ولكنه تراجع برهة متسائلاً بأي أسلوب يروي شهادته ويسرد قصته التي صاغ فيه تصوره عن العالم الكون والحياة والناس من جديد ،هل من زاوية فلسفية ،ام بروح الاديب ما زال في حيرة من أمره ،حد احتراق النفس لكونه ، لم يتخطى مرحلة القارئ فممارسته للكتابة عبارة عن خربشات يتركها قلمه على الورق, ثم حديثاً مع نفسه هل شهادته تضيف للحقل الثقافي وليست مجرد ترديدا لأفكار سابقة او صدي لغيره ، وعند تشككه الإضافة وتجاوز من سبقه ظل في تقليب الأمر على كل وجوهه، فقرر فجأة سرد قصته ومعاناته ، وكان بارعا في قص حيرته واضطراب نفسه ، و اعترافه بالعجز عن الإضافة ثم نسي أمر تلك الورقة التي سطر عيها شهادته ليطلع عليها أحد أصدقائه الذي أخبره بعد قراءتها أنها من أمتع ما قرأ عن تجربة نفس تعاني حيرة وقلقا وتوترا ، الاجمل انطلاقه من ذاته، وليس صدي لغيره

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى