فوزية الكوراني - قراءة في النص القصصي في تناص المجموعة القصصية (من منا في رأسي) لعبدالله جعيلان

القراءة التفكيكية والانطباعية، والبلاغة الدلالية ولوجستية النص القصصي، والاندماج السيميائي في تناص المجموعة القصصية ( من منا في رأسي ) للأديب الأستاذ عبدالله جعيلان.. والغوص في المتن لإيصال المعنى للقارئ، والعتبة للعبور منها إلى النصوص



امتازت المجموعة بالايحاءات المكثفة والنزعة القصصية الموجزة والمباشرة وغير المباشرة والتصوير البلاغي الحرفي في الاضمار وتميز الخطاب الفني بالسرد الماتع فضلا عن التنوع والإبداع في آلية حروفه..
أعطني دواة حبر وقلم ومخزون من السنين؛ أعطيك أدبًا راقيًا.. هي القاعدة الاساسية لكل أديبًا وقاصًا.. لكن عندما تشرع في قراءة المجموعة القصصية (من منا في رأسي ) للأديب الشاب عبد الله جعيلان: تجد أن هذه القاعدة قد كُسرت عنده فهو شاب في مقتبل العمر ويحمل هذا المخزون القصصي والغوص في معاناة وتجارب كثيرة في الحياة، تثير عندك الدهشة لأنه يحمل قلمًا باذخًا يذكرك بأدباء عالميين، فلاتستطيع وانت تقرأ نصوصه إلا تتذكر كافكا في المسخ .. دوستويفسكي في العقاب والجريمة وغيرهم ..

نص فياغرا .. نجده يقودنا إلى حالات نفسيه رافقت بطل قصته منذ الصغر ، إلى أن أصبحت حالته تكاد تشبه بالانفصام وتقمص دور الضحية وهو الجاني .. ويقع لومه على أول حاله شاهدها في صغره من معلم الصف .. عالج الكاتب في هذا النص انحدارت الكبار باخلاقهم دون الحيطه أمام الصغار بعشوائية ترسخ في نفس الطفل رواسب من الانحراف.


Messenger_creation_21E3A72B-6806-498E-BE83-0DACC69E1A38.jpeg

وفي(؟؟؟؟؟؟؟ ) تشعر أنك أمام نص من داخل مجتمع متخم بمكيال المكيالين والازدواجية اللاخلاقية عند بعض المثقفين، عندما يتقمصوا انهم تجاوزوا قصص الآباء وغسل العار! وينادون بالوقوف إلى جانب الفتاة المغتصبة وأخذ حقها من الجاني والمجتمع .. لكن عندما يتعلق الأمر بهم شخصيًا تأتي الانفصالية واللاوعي وتمزيق كل ثقافية ومَدَنِيَّة والعودة إلى الهَمَجِيَّة، وغسل مايسمونه العار بالدم بقتل المجني عليه وليس الجاني!

وعندما تتعمق أكثر في القراءة تجد نفسك أمام كاتب فذ استطاع الغوص في كافة آفات المجتمع ك نص ( قبل أن أقتل طفلا) نحن أمام واقعية للأسف ابن المسؤول وحرمانه من حياة طبيعية بين أقرانه ويقع بفخ معاملة خاصة من المعلمين ليكون عرضةً للتنمر عليه من رفقائه، للوصول للقتل أو حالة الانفصام والجنون!

ونرى الكاتب يجتاز مراحل كثيرة من العمر بنص سريالي ( مضاجعة لوحة ) وحوارية بين الأبطال الثلاثة: اللوحة.. والزوجة.. والرسام، وبدون كلام بينهم بسريالية الخيال والأنسنة .. وعندما تتسع الهوة بين الزوجين أحيانا يشعر أحدهما أن الشريك غير قادر على إسعاده فتدور بخياله أحلام يتعايش معها تقود به إلى عالم بعيد لايتصل بالواقع لكن يجد فيه سعادته، والأنسنة واصطلاح يتمثل في تحويل الجمادات إلى بشر يحسّون ويشعرون. كثر استخدام فن الأنسنة في الشعر العباسي بعد اندماج الشعراء بالطبيعة فبدأوا يتصورون الطبيعة مجتمعاً إنسانياً بكلّ تفاصيله وأخذوا يستعيرون بالطبيعة لوصف عالمهم كما خلعوا مشاعرهم وأحاسيسهم الإنسانية..كما في
هذا النص، وحوار اللوحة والرسام والزوجة التي تستوعب زوجها وحالته النفسية رغم أنها تشعر بالنقص في نفسها بسبب أحلامه إلا انها مستسلمة لحالته وتعتبرها مرضية.

نص (قاتل غير مأجور) تذكرنا بقصة الجريمة والعقاب لدوستويفسكي

ارتكاب جريمة قتل بدافع فكرة أنه يمتلك التفوق الفكري والحق في قتل الأشخاص الذين يعتبرهم ضارين
أو أن الحياة ارهقتهم!
قصة مبنية على أساس الصراع الداخلي عند الإنسان وخاصةً الرغبة في التعبير عن النفس وإثباتها في مواجهة الأخلاقيات والقوانين التي أوجدها البشر مما يجعلنا نحس بقلق، ونتساءل عن العدالة في هذا العالم وفي الوقت ذاته نتساءل عما إذا كان يحق لنا الإقتصاص من أنفسنا.. أو نمنح بعضهم إنهاء حياته لأنه يجد أنه دخيل عليها، وعندما يكتشف أنه أنهى حياة أحدهم وهو يريد الحياة تأزم نفسيا وعلم أن حياته ليس لها معنى .. حقيقة نص يتوأم مع نصوص عالمية كتبت في هذا المضمار.

لا أعلم كيف أصف نص (هروب من الجمجمة ) لجمالية سرده بين الحلم والحقيقة يأخذك بدهاء السارد الذي يرد من المتلقي أن يغوص في الحيرة بين الوعي واللاوعي! واختراق فعلي لجمجمة الكاتب لتتسابق مع حروفه وتصل إلى حقيقة النص أكان البطل يحلم في نومه؟ أم يهذي بخياله، وعقله الباطني؟ فعلا يريد أن يكون ذو شأن يحترمه الناس بدليل أنه وبخ زوجته لعدم منادته بنبي الله!
إذًا عقله الباطني هو من يفتح له هذه الآفاق من الخيال لقد قام ثلاثة فلاسفة متخصصين في الوعي والأحلام، وهم (أنتي ريفونسو)، (وتوماس ميتزينجر)، (وجينيفر ويندت)، بتطوير نظريات للوعي حيث يلعب مفهوم الحلم ونتائج أبحاث الأحلام دورًا حاسمًا. ونتاجها مهما تجاهلنا مانريد ومانحلم يبثه العقل الباطني دون اللاوعي مننا.

في نص (قتل مشروع) تقف حائرًا أمام هذا الرقي من النصوص عادةً ما تتضمّن هكذا قصص أبطالاً غريبي الأطوار يجدونَ أنفسهم وسطَ مأزِق ما، في مشهدٍ سرياليّ، يُعزى ذلك للمواضيع النفسية، مثل الاغتراب الاجتماعي والقلق والذعر والشعور بالذنب والعبثيّة. وعندما تحتل عقل الكاتب فكرة ما تجده يدخل بشعور جنوني يعبث في عقله لدرجة إبعاده عن النص الذي يريد ويخرج من الورق إلى الواقع ويتقمصه كما فعل بطل قتل مشروع .. أنحني بالتحية لفكرة النص ولما لها من أبعاد نفسية وواقعية بأنٍ واحد.

في نص ( حبة سكر) أعترف بهذا الإ رباك الذي وضعنا الكاتب فيه، جعلني أقوم ببحث علمي نفسي عن سيكولوجية بطل النص أمام توارد الخواطر وهو عبارة عن فكرة يحوم حولها شخصين ليس بينهما علاقة، فكلاً من الطرفين متصلين مع الفكرة. ويمكن أن يتخيل الكاتب نصًا بخياله الخصب، فيجد هذا النص قد تم فعلًا على أرض الواقع مع أشخاص ليس له بهم صلة! وبالتعرف على علم الباراسيكولوجي، و قصص من الحياة حقيقية حدثت لأصحابها؛
في عام 1938، كتب عالم النفس جوزيف جاسترو أن الكثير من الأدلة على الإدراك خارج الحواس جُمعت بواسطة راين وآخرين من علماء النفس الموازي كانت سردية، الكينونة الفكريه،
الفكرة كائن حيوي يضعف ويقوى ، ويقتات على الموجات الكهرومغناطيسية التي يصدرها الدماغ، قد تتلاشى بعد دقائق وقد تعيش بعدك قرونا طويلة ولايحدها مكان.
وهكذا كان نص حبة سكر جريمة وقعت، بطلها لا يمت بصلة إلى الكاتب بطل القصة.
إلا أن الموجات الكهرومغناطيسية داخل الجسم جعلت الكاتب بطل القصة أن ينتشل فكرة قصته من المجرم الذي قام بالجريمة بمجرد أن جلس بقربه في الحافلة.
عندما وصلت إلى نص (سيناريو ) وقد قرأت النصوص السابقة فلم أتفاجئ بهذا الإبداع وهذا الجمال من إمكانية وضع أحداث لواقعنا الحالي بهيكلة البطل المنقذ، من كل تعب ووصب الحياة التي نعيشها بوضع قصة سريالية واستخدام ثقافة يونانية ( ديونيسوس)
المُخَلص
في الديانة والأسطورة اليونانية القديمة ( ديونيسوس) هو إله الإغريق (وهو اسم تبناه الرومان لاحقًا)بسبب الجنون الذي قيل أنه يسببه والذي يسمى باكيا وموسيقاه ورقصه المبهج يحرر أتباعه من الخوف والقلق الواعي بذاته، ويقلب القيود القمعية للقوي. وعصاه التي تُلف أحيانًا باللبلاب وتقطر عسلًا، هي عصا مفيدة وسلاح يُستخدم لتدمير أولئك الذين يعارضون طوائف تهوى الحريات التي يمثلها. يُعتقد أن أولئك الذين يشاركون في أسراره يصبحون ممسوسين ومُمكَنين من قبل الإله نفسه. وفي حبكة النهاية نجد أن النص أنه يتطرق إلى موضوع خطير جدًا ومهم وهو زواج الصغيرات القاصرات الذي بدأ يتغلغل بين مجتمعاتنا العربية؛ عندما سأل المخرج من يقوم بدور المنقذ : ( رفع الجميع أيديهم ) أي الكل في نفسه أن يتزوج صغيرة!
الإبداع جاء بكلمة واحدة لموضوع في غاية الأهمية في الحقيقة أغبط الكاتب على هذا النص العميق والطرح الأساسي لقضايا شائكة في مجتمعنا العربي والحياة.

لابد من الحرب التي نعيشها أن تأخذ منا الكثير الأهل الأقارب والعقل! نص (البريد المفاجئ) الحياة القاسية مع الحرب هَجَّرت الناس وابعدت الأهل والعوائل عن بعض، منهم من يتقبل الغربة ويتعايش معها، ومنهم يصاب بخلاذن وحالات وحدة وانغلاق نفسي قد يقود به إلى الزهايمر. وأحيانا شي من الانفصال يقربه من الجنون و تشمل المؤشرات الأحداث التي يمر بها الإنسان، لكنه يحتفظ بذاكرة. مع مرور الوقت، يؤدي داء الزهايمر إلى فقدان الذاكرة بشكل خطير إلا أنه يحتفظ بذاكرة قديمة لاتفارق ذاكرته وغالبا ما تجعله ينتشي فيها وتلازمه، ويرتب عقله عليها وخاصة إذا كان وحيدًا وبعيدًا عن أهله، فتكون هي الدافع للحياة والطامة عندما يتوافق بعض من الواقع بخاليه! فتكون مثل الصدمة الكهربائية التي استطاع الكاتب بحبكته النازلة ينتهي بها و بأحداث تثير عند القارئ رغبة في أن يضع لها من عنده نهاية. نص حزين واقعي أمام تغيرات العصر وما طرئ عليه إذا أصبح حتى الشباب يصاب بالزهايمر.

في فترة الحداثة وما بعدها، وقفت الكاتبة الإنجليزية (فرجينيا وولف) ضد الحبكة التقليدية مُحكمة البناء، وذكرت ذلك في مقالتها الأدب الروائي الحديث عام 1919؛ وفي رواية المناوق لي (لآن روب جرييه). حيث كان الإنكار الفعلي للسلبية بوصفه مبدأ يعول عليه الكثيرون من كتاب تيار الحداثة، قد أثر بشكل حتمي على الطريقة التي يبنون بها أعمالهم الروائية.

وفي نص ( نحن في الموت ) ونص ( مدينة بلا اسماء) نجد أن الكاتب أراد لنا ك قراء البعد التقليدية الرتيبية واللولوج الى عتبة النص بالخديعة؛ الخديعة البصرية كما يحدث في الأفلام العالمية يخدعك التصوير لدرجة لاتستطيع أن تحدد الأشياء.. كذلك فعل الكاتب بنصوص سريالية واستخدام ثقافة خلط الخيال بالواقع ، بهمجية العصر وهدوء الموت .. بالغربة التي يكون فيها مجرد رقم في جواز السفر
والسجن أيضا الذي يكون فيه رقما.. أما الأسماء في الحالتين ليس لها معنى .. أيضا هي الحبكة التي يعتمد فيها الكاتب على استيعاب خيال المتلقي ويحدد مصير الشخوص فيها! فهي عملية شبه هندسية وإذا كانت العقدة تمثل النص وتجعله في مرحلة توتر وتشابك الأحداث حتى الوصول إلى ذروة التي تقود القارئ نحو الحل، ووضع نهاية تعجبه..
نصيين يجعلك تعتمد على خيالك ومشاركه الكاتب بوضع نهايات واحداث ركيزة تحتل عقلك.

في نص( المتجول الأخير ) يصف لنا الكاتب مرارة الاستعمار الخارجي والداخلي والاعتقالات بلا سبب! فقط هواية من النظام والقتل المستباح ومع المرور على نقطة هامة هي؛ أن الموت كان يشكل فرحا! خيرًا من الاعتقال والتعذيب في السجون سواءً كانت سجون النظام الذي يحكم البلاد أو سجون الاحتلال فهي واحد. وكانوا يفضلون الموت .. نص مليئ بالواقعية المريرة الذي تعاني منها اغلب البلاد من حكامها ونظامها المستبد.
يعود بنا الكاتب إلى مخزونه من الحزن الذي غَلقَّ على أغلب نصوصه لكنه في نص ( ولكن؟) كانت حروفه توخز في النفس كالأبر الصينية لاتعلم أهي للشفاء أم وخزها يغتال كل الجمال .. عالج بنصه أمران همان: الأول عدم احتواء الحالات النفسية البسيطة لكي لاتصل للجنون.. والعنوسة التي تجعل الفتيات تجلس في بيوتهن تحلم بالعريس حتى ولو كان العريس كبيرا في السن أو تكون زوجة ثانية .. هذا الزمن الذي كثر فيه الحرام وبدأ الشباب يعزف عن الزواج بسبب الغلاء .. نص يقطع نياط القلب على بطلته.

في نص (مأدبة الدود)
يتكلم الكاتب عن الفراغ الذي يسيطر على الإنسان ويجعل اللاوعي عنده يسيطر عليه ليجعل منه يتمنى أن يخرج من جلد الإنسان ليصبح أي شيء آخر، مع بعد عدمي يتحول معه مصير كل راغب من التحرر من هذه القوانين إلى الفناء.. ويجعل القارئ يتذكر : (فرانز كافكا) الذي جسد النهاية المأساوية لغريغور، المغترب جسديا وماديا وأسريا ونفسيا، في تجسيد عبقري لا يمكنه أن يصدر إلا عن عقل كابوسي كعقل فرانز كافكا. وهذا بطبيعة الحال غير موجود في التدوينة، هكذا فقط! فنحن لا نعلم كيف تحول غريغور إلى حشرة، كما أن الكاتب بدا غير مهتم بشرح أسباب ذلك، ليوجه أنظارنا بالفعل إلى ما قد يحدث في التحول.. ليفاجئنا بأن ماحلم به بطل نصه سيصبح حقيقة بعد الموت فيتحد الجسد مع الحشرات ويكون مأدبة فاخره لهم.

نص ( صفحة فارغة )
فعلًا ربما يوحى للقارئ أنه خال من الأحداث التي تبهج القصة بحبكتها والعقدة التي تخلل احداثها.. لكن إذا تعمقنا في النص نجد أن الكاتب أشار إلى شيء مهم جدا ألا وهي معايير النفاق التي يعيش عليها أغلب البشر .. الأب يفتتح يومه بالصلاة وتلاوة القرآن.. والحمد على نعمة الله .. وينادي زوجته (بابنة القواد ) منتهى الخساسة ويمنح نفسه فطورًا مسروقًا من بيت جارته الأرملة! وبدل تأنيب ولده يعود إلى النفاق ويطلب منه ومن كل العائلة قراءة الفاتحة على زوج الجارة الذي خلف لها المال والدجاج الذي يسرقون بيضه!
إذًا هي الازدواجية التي يعاني منها أغلب الشعب المتأسلم وليس المسلم! نص بنكهة دورس في الأخلاق والتربية التي يحتاجها الأبناء في تربيتهم، أن تكون أخلاق والديّهم هي المربى الصح وليس السوط والتوبيخ.

وهكذا وجدنا أن هذا الكم من القهر والظلم الذي أرمز لها الكاتب عبدالله جعيلان في مجموعته ( من منا في رأسي ) يحاكي واقعنا المرير ببلاغة وتنسيقية مشبعة بالسرد القصصي الماتع.

وأخيرًا أبارك له هذه المجموعة القصصية الباهرة.

فوزية الكوراني


فوزية الكوراني/ سوريا/ دولة الإمارات العربية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى