صهرته نار الغربة وأموالها.. الاغتراب الوجودي واستحالة تأتّي السعادة المطلقة… بين سندان الطموح ومطرقة الواقع تتحفنا أربعة فقط القاصة هناء سليمان
تبدو العنونة الاستجدائية لمفاد (الأربعة) المقصودة وحمولتها الرمزية، البداية تتبدَّر مشوقة بقصة الطبيب الطامح اللاهث وراء آماله العظيمة ليحظى بمقاصد ومآرب مادية بدول الخليج، وقد اتخذ قرار السفر وحيدا بعيدا عن الاولاد والزوجة والأهل، ربما تتزاوره شريكة حياته وتعود ادراجها محملة بالهدايا لذوي الارحام، أمثُولةٌَ تتماس مع واقع اغتراب لمن يعاني بين رحايا الاغتراب ونظرة الأقارب المغلوطة لذلك المهاجر إلى بلاد الأحلام متغافلين عن لوعاته ورمضاء البعاد وتلك الراحة التي يتوق إليها بين حياض الوطن، ربما دلالة الرقم 4 ترمز أنه عاش مغترباََ بين أربعة مراحل: (الطفولة، الشباب، النضج، الشيخوخة) ومكث أربعين أخرى من أجل أن يضمن حياة كريمة ومرتع مستقبل واعد للإبناء لأنه الراعي والمسؤول الأول، ولما جاء الموعد ليرتاح في بيته الذي شيده بعرق ونصَبه بالخارج، أدرك أنه كان يستحق سرابات واهمة وقد فات أوانه وبأنه أفنى عمره ليهنأ بكنف وحاضنة الأسرة النواة وأحفاد مثاليين وزوجات أبناء رؤوم وفلذات مطوَاعة يحرصون على تعويضه سبل الراحة والتواد وهدهدة ما بقى من أراذل العمر، لتتحفه الزوجة المعايرة عن عالم كتبه ومغامراته وكفاحه بأن مراكب السلايف ملأى بالضجيج وبأنها تخلصت من مكتبته الَمكتظة بحشرات وسوس كانت ستعدي بقية الأثاث، لقد تغافلت تلك الزوجة أنّها أصابت هذا الزوج بالعطن واعتبرته انتيكة أو خردة مهملة هو الآخر في عباءة اغتراب جديدة مثخنة بالأحزان واللامبالاة، هذا الصراع الوجودي الازلي بين الواقع والأمل ينتاب ويهال كل غريب طال امَد استلابه، فلم تعد وكناته وموائله كما كانت في سابق عهدها، بل أصبحة متخبطة في طاحون صراع الأجيال وهوة تتعاظم بين هدوء قريته العتيقة قديماََ وضبابية وضجيج عالمه الآنيّ.. آنذاك لم يكن أمامه سوى انعتاقة تجبُّه من ثلة الأصدقاء القدامى الذين ألهموه بأن الوزارة تستعين بالمحالين إلى المعاش في مناطق نائية للتطبيب، تأتي مفارقة الخاتمة متأرجحة بين الأمل والألم، لكن آلام عودته إلى مهنته في مرسى مطروح كان مآلا كاثاريتيا تطيريا الذات وتعرية لمصيدة الحقيقة المريرة بأن إنسان هذا العصر سيظل يعيش في كانون اغتراب مستعر لن ينتهي وربما يجد في هذا التنائي ربتةََ بين كتبه وحجرة كان يتمناها، لما انته قطار السرد عبر شاشات مهاتفة الجوَّال من مرسى مطرح حيثما ارتادعا الطبيب التائه ليستكمل رحلته، وكأنه يلتقط أنفاسه أخيراََ لما استأذن أحفاده وذويه عبر الأثير ليرتشف الحياة.. وأيما حياة يعيشها من يلج تلك الدائرة المفرغة!
نهنئ انفسنا والقاصة على تحفتها الاستثنائية وحسن اختياره لسارده العليم الذي يسرد قصة اغتراب ملهمة، وقدرتها على تجسيد الزمن الكرنونولوجي وتأطير مرحلية الرحلة بين الذهاب والإياب وتبئير الصراع المشوق… لقد كان الاستدراك جميلََا عند تبدى الواقع الممض ولكن السؤال.. ما دلالة الأربعة أسابيع بعتبة النهاية لما قرر الإبتعاد؟ وهل من الصواب أن يلجأ من عاش قصة هذا الرجل لهذا المآل ويؤثر الغربة عوضاََ عن الاستمرار بين خلفه من أحفاده ليبادلهم عبق الذكريات ويشاركهم مباهج لهوهم ويجد سبيلاََ ما لتحفيزهم على الاكتتاب؟ أعتقد بأن الاستسلام وتفضيل مقاعد العزلة ليس الحل الأمثل لسعادة مطلقة.. فالحياة جميلة بتلك الاشواك التي تلوكنا لنستشعر قيمتها.. دمتم والعطاء..
///////////////////////////
رؤية نفسية فلسفية / أحمد فاروق بيضون - مصر
=======
*******
=======
النص:
أربعةٌ فقط
صهرته نارُ الغربةِ وأموالُها، لفحته حرارةُ الخليجِ وأوجاعُ البعاد، اتفق مع زوجته على نزولِها لمحافظتهما الريفية مع الأولاد بعد أن قضوا معه سنواتٍ قليلة؛ فالوضعُ سيصبحُ أفضلَ للجميع، هو سيتفرغ لعمله في المستشفى دون مسؤولياتٍ تشغله، ولا قلقَ عليهم، هي ستكون وسط أهلها وأهله؛ يساعدونها، يسلّونها، يقضون طلباتها؛ فانشغاله عن بيته بعمله أنهكَ صحتَها وأعصابَها.
أما الأولاد فسيلقون تعليمًا أحسن، وتربية مثل التي تربّاها في قلب قريته وعائلته، والأهم؛ سيستطيعون توفيرَ قدرٍ أكبرَ من المال في وقتٍ أقل؛ فمستوى المعيشة في الخليج مرتفع يبتلع الدخل كله ولا يُبقي إلا الفتات.
اتفقا ألّا يطول هذا الوضع، يكفي سنتان أو ثلاث، أحضرت له ورقة وقلمًا؛ ليحسبا الدخل والمصروف والمدّخر، ربتت على كتفه حانية : أربعة أعوامٍ كافية جدا.
لم تتغير الخطة كثيرا؛ فقط الأربعة صاروا أربعين، كانت زوجته تأتي له زائرة كل سنتين أو أكثر؛ تعود محملةً بالهدايا لأفراد العائلتين، ولأسرته التي يزيد عددها كلَّ عدة أعوام.
ينزل هو في إجازاته القليلة، يرى البيت الذي يعلو طابقًا فوق طابق للأولاد، وليحضر دفن والديه ووالدي زوجته، وليحضر أفراح أولاده، يعود سريعًا لوطنه الثاني ومرضاه ومستشفاه؛ هربًا من كثرة الضيوف وطلباتهم.
لم يسعه الوقتُ في زياراته القصيرة لملاحظة اختفاء مكتبته بما فيها؛ لتحتل الحائطَ شاشةٌ كبيرة، ولا غياب المساحاتِ الخضراءِ عن قريته.
أزمة قلبية فاجأته؛ دعامة ثبتت بشِريانِه، اتخذ على أثره قرارَه بالعودة لداره وحضن أسرته، وليتفرغ لعشقه الأول؛ القراءة، وليقدم لأحفاده ما فات تقديمُه لأولاده.
فرحت زوجته بعودته، وهلل الأولاد وزوجاتهم والأحفاد.
يومان ثم انشغل كلٌّ في شأنه، أمسكت زوجته بيده وهو يمسك بمِقبضِ باب غرفة نومه ليفتحه قائلة: زوجة ابنك تُرضع ابنها، عاد خطوة للخلف: لماذا في حجرتي؟ سحبته في رفق: الولد متعِب جدا؛ لا يرضع إلا في هدوء.
جلس في حجرة المعيشة متضجرًا، حفيداه الكبيران يلعبان الكرة، ويتشاجران بصوتٍ عال، يصيح فيهما ليخفضا صوتيهما، جاءته أم أحدهما بفنجان القهوة مسرعة: ليسا معتادين على "الشخط" يا بابا الدكتور.
تناول الفنجان : ولستُ معتادًا على الضجيج يا بنتي.
ثم دعا الولدين: هيا نقرأ كتابًا
أجابا في نَفَس واحد: لا..سنلعب على السلم
اكتشف اختفاء المكتبة؛ نادى زوجته مرتعبًا: أين كتبي؟
جاءته مسرعة تضحك : أنت تدقق على أشياء غريبة، ماذا أخذنا من الكتب سوى الحشرات؟ والمكتبة خشبها سوّس وكانت ستعدي باقي العفش، تخلصت منها.. افتح التليفزيون وتَسَلَّ.
طاقته على الرد استُنفدت، خاصة أنه لاحظ أن زوجته تلقي بالكلمة ولا تنتظر ردًّأ، وطاقته على السؤال انكمشت؛ لدرجة أنه لم يسأل لماذا أعدت له حجرة وحده وقد كان لهما حجرة تجمعهما، فأسرّ لنفسه أنها تعلم احتياجه للهدوء والاستيقاظ متأخرًا؛ فزوجته دينامو تصحو مع الفجر تتابع كل شاردة وواردة.
لكنَّ سؤالا ألحّ عليه ولم يستطع كتمانه: لماذا زوجات أولادك هنا كل يوم؟ لمن كنا نبني هذه الشقق إذن؟
غمزته في كتفه مستنكرة: لا بد أن يكون كل شيء تحت عيني، ماذا يفهمن هؤلاء في الحياة؟ أنا أوجّه الجميع؛ الكبارَ قبل الصغارِ، وأردفت ضاجكة: هيا قم ادخل حجرتك؛ سننظف الصالة.
قام متثاقلا، دقّ على باب حجرته دقتين قبل أن يدخلها، يجلس على فراشه ممسكًا بكتاب من الكتب التي شحنها معه من غربته، انتفض من صوت تنفيض السجاجيد، تلاه صوت زوجات الأبناء ضحكات ومشاحنات وشكاوى إلى أن قطعها دويّ صوت زوجته ناهرًا وناهيا عن المساخة والميوعة، أخرج رأسه من باب الحجرة مناديا على زوجته، خفّت إليه ليسألها: أصواتكن عالية جدا، ضحكت : ألا تعرف ماذا حدث لمركب السلايف؟ لا تخف؛ أنا أسيطر على الموقف، وسأنبههن.
لا يرى أبناءه الثلاثة إلا فيما ندر، كلٌّ مشغول أو هارب من البيت ومشكلاته، وإذا جلس مع أحدهم؛ لا يجدان كلامًا يقولانه، رؤية أحفاده تسعده لكنهم لا يبادلونه السعادة؛ لم يجد مدخلا لعوالمهم، جدران حجرته تضغط على جسده وتجثم على أنفاسه، كلما حاول الخروج منها؛ تقنعه زوجته بالعودة إليها بأسباب لا متناهية.
قرر أن يبحث عن أصدقائه القدامى، بعد عدة محاولات اتصال بين مريضٍ ومتوفًّى وغيرِ متذكر، جاءه رد من زميل له من الوادي الجديد؛ أنه مقيم هناك؛ فوزارة الصحة تستعين بالأطباء المحالين للمعاش للعمل في المحافظات النائية.
بعد أربعة أسابيع كان يحدث زوجته وأولاده من سكن الأطباء بمطروح، يحكي لهم عن تمشيته على البحر كل صباح، ويصور لهم مكتبته في حجرته الجديدة، ويداعب أحفاده من خلف الشاشة، وأنه مشتاق إليهم، ثم يستأذنهم؛ فحياتُه في انتظاره.
--------هناء سليمان
تبدو العنونة الاستجدائية لمفاد (الأربعة) المقصودة وحمولتها الرمزية، البداية تتبدَّر مشوقة بقصة الطبيب الطامح اللاهث وراء آماله العظيمة ليحظى بمقاصد ومآرب مادية بدول الخليج، وقد اتخذ قرار السفر وحيدا بعيدا عن الاولاد والزوجة والأهل، ربما تتزاوره شريكة حياته وتعود ادراجها محملة بالهدايا لذوي الارحام، أمثُولةٌَ تتماس مع واقع اغتراب لمن يعاني بين رحايا الاغتراب ونظرة الأقارب المغلوطة لذلك المهاجر إلى بلاد الأحلام متغافلين عن لوعاته ورمضاء البعاد وتلك الراحة التي يتوق إليها بين حياض الوطن، ربما دلالة الرقم 4 ترمز أنه عاش مغترباََ بين أربعة مراحل: (الطفولة، الشباب، النضج، الشيخوخة) ومكث أربعين أخرى من أجل أن يضمن حياة كريمة ومرتع مستقبل واعد للإبناء لأنه الراعي والمسؤول الأول، ولما جاء الموعد ليرتاح في بيته الذي شيده بعرق ونصَبه بالخارج، أدرك أنه كان يستحق سرابات واهمة وقد فات أوانه وبأنه أفنى عمره ليهنأ بكنف وحاضنة الأسرة النواة وأحفاد مثاليين وزوجات أبناء رؤوم وفلذات مطوَاعة يحرصون على تعويضه سبل الراحة والتواد وهدهدة ما بقى من أراذل العمر، لتتحفه الزوجة المعايرة عن عالم كتبه ومغامراته وكفاحه بأن مراكب السلايف ملأى بالضجيج وبأنها تخلصت من مكتبته الَمكتظة بحشرات وسوس كانت ستعدي بقية الأثاث، لقد تغافلت تلك الزوجة أنّها أصابت هذا الزوج بالعطن واعتبرته انتيكة أو خردة مهملة هو الآخر في عباءة اغتراب جديدة مثخنة بالأحزان واللامبالاة، هذا الصراع الوجودي الازلي بين الواقع والأمل ينتاب ويهال كل غريب طال امَد استلابه، فلم تعد وكناته وموائله كما كانت في سابق عهدها، بل أصبحة متخبطة في طاحون صراع الأجيال وهوة تتعاظم بين هدوء قريته العتيقة قديماََ وضبابية وضجيج عالمه الآنيّ.. آنذاك لم يكن أمامه سوى انعتاقة تجبُّه من ثلة الأصدقاء القدامى الذين ألهموه بأن الوزارة تستعين بالمحالين إلى المعاش في مناطق نائية للتطبيب، تأتي مفارقة الخاتمة متأرجحة بين الأمل والألم، لكن آلام عودته إلى مهنته في مرسى مطروح كان مآلا كاثاريتيا تطيريا الذات وتعرية لمصيدة الحقيقة المريرة بأن إنسان هذا العصر سيظل يعيش في كانون اغتراب مستعر لن ينتهي وربما يجد في هذا التنائي ربتةََ بين كتبه وحجرة كان يتمناها، لما انته قطار السرد عبر شاشات مهاتفة الجوَّال من مرسى مطرح حيثما ارتادعا الطبيب التائه ليستكمل رحلته، وكأنه يلتقط أنفاسه أخيراََ لما استأذن أحفاده وذويه عبر الأثير ليرتشف الحياة.. وأيما حياة يعيشها من يلج تلك الدائرة المفرغة!
نهنئ انفسنا والقاصة على تحفتها الاستثنائية وحسن اختياره لسارده العليم الذي يسرد قصة اغتراب ملهمة، وقدرتها على تجسيد الزمن الكرنونولوجي وتأطير مرحلية الرحلة بين الذهاب والإياب وتبئير الصراع المشوق… لقد كان الاستدراك جميلََا عند تبدى الواقع الممض ولكن السؤال.. ما دلالة الأربعة أسابيع بعتبة النهاية لما قرر الإبتعاد؟ وهل من الصواب أن يلجأ من عاش قصة هذا الرجل لهذا المآل ويؤثر الغربة عوضاََ عن الاستمرار بين خلفه من أحفاده ليبادلهم عبق الذكريات ويشاركهم مباهج لهوهم ويجد سبيلاََ ما لتحفيزهم على الاكتتاب؟ أعتقد بأن الاستسلام وتفضيل مقاعد العزلة ليس الحل الأمثل لسعادة مطلقة.. فالحياة جميلة بتلك الاشواك التي تلوكنا لنستشعر قيمتها.. دمتم والعطاء..
///////////////////////////
رؤية نفسية فلسفية / أحمد فاروق بيضون - مصر
=======
*******
=======
النص:
أربعةٌ فقط
صهرته نارُ الغربةِ وأموالُها، لفحته حرارةُ الخليجِ وأوجاعُ البعاد، اتفق مع زوجته على نزولِها لمحافظتهما الريفية مع الأولاد بعد أن قضوا معه سنواتٍ قليلة؛ فالوضعُ سيصبحُ أفضلَ للجميع، هو سيتفرغ لعمله في المستشفى دون مسؤولياتٍ تشغله، ولا قلقَ عليهم، هي ستكون وسط أهلها وأهله؛ يساعدونها، يسلّونها، يقضون طلباتها؛ فانشغاله عن بيته بعمله أنهكَ صحتَها وأعصابَها.
أما الأولاد فسيلقون تعليمًا أحسن، وتربية مثل التي تربّاها في قلب قريته وعائلته، والأهم؛ سيستطيعون توفيرَ قدرٍ أكبرَ من المال في وقتٍ أقل؛ فمستوى المعيشة في الخليج مرتفع يبتلع الدخل كله ولا يُبقي إلا الفتات.
اتفقا ألّا يطول هذا الوضع، يكفي سنتان أو ثلاث، أحضرت له ورقة وقلمًا؛ ليحسبا الدخل والمصروف والمدّخر، ربتت على كتفه حانية : أربعة أعوامٍ كافية جدا.
لم تتغير الخطة كثيرا؛ فقط الأربعة صاروا أربعين، كانت زوجته تأتي له زائرة كل سنتين أو أكثر؛ تعود محملةً بالهدايا لأفراد العائلتين، ولأسرته التي يزيد عددها كلَّ عدة أعوام.
ينزل هو في إجازاته القليلة، يرى البيت الذي يعلو طابقًا فوق طابق للأولاد، وليحضر دفن والديه ووالدي زوجته، وليحضر أفراح أولاده، يعود سريعًا لوطنه الثاني ومرضاه ومستشفاه؛ هربًا من كثرة الضيوف وطلباتهم.
لم يسعه الوقتُ في زياراته القصيرة لملاحظة اختفاء مكتبته بما فيها؛ لتحتل الحائطَ شاشةٌ كبيرة، ولا غياب المساحاتِ الخضراءِ عن قريته.
أزمة قلبية فاجأته؛ دعامة ثبتت بشِريانِه، اتخذ على أثره قرارَه بالعودة لداره وحضن أسرته، وليتفرغ لعشقه الأول؛ القراءة، وليقدم لأحفاده ما فات تقديمُه لأولاده.
فرحت زوجته بعودته، وهلل الأولاد وزوجاتهم والأحفاد.
يومان ثم انشغل كلٌّ في شأنه، أمسكت زوجته بيده وهو يمسك بمِقبضِ باب غرفة نومه ليفتحه قائلة: زوجة ابنك تُرضع ابنها، عاد خطوة للخلف: لماذا في حجرتي؟ سحبته في رفق: الولد متعِب جدا؛ لا يرضع إلا في هدوء.
جلس في حجرة المعيشة متضجرًا، حفيداه الكبيران يلعبان الكرة، ويتشاجران بصوتٍ عال، يصيح فيهما ليخفضا صوتيهما، جاءته أم أحدهما بفنجان القهوة مسرعة: ليسا معتادين على "الشخط" يا بابا الدكتور.
تناول الفنجان : ولستُ معتادًا على الضجيج يا بنتي.
ثم دعا الولدين: هيا نقرأ كتابًا
أجابا في نَفَس واحد: لا..سنلعب على السلم
اكتشف اختفاء المكتبة؛ نادى زوجته مرتعبًا: أين كتبي؟
جاءته مسرعة تضحك : أنت تدقق على أشياء غريبة، ماذا أخذنا من الكتب سوى الحشرات؟ والمكتبة خشبها سوّس وكانت ستعدي باقي العفش، تخلصت منها.. افتح التليفزيون وتَسَلَّ.
طاقته على الرد استُنفدت، خاصة أنه لاحظ أن زوجته تلقي بالكلمة ولا تنتظر ردًّأ، وطاقته على السؤال انكمشت؛ لدرجة أنه لم يسأل لماذا أعدت له حجرة وحده وقد كان لهما حجرة تجمعهما، فأسرّ لنفسه أنها تعلم احتياجه للهدوء والاستيقاظ متأخرًا؛ فزوجته دينامو تصحو مع الفجر تتابع كل شاردة وواردة.
لكنَّ سؤالا ألحّ عليه ولم يستطع كتمانه: لماذا زوجات أولادك هنا كل يوم؟ لمن كنا نبني هذه الشقق إذن؟
غمزته في كتفه مستنكرة: لا بد أن يكون كل شيء تحت عيني، ماذا يفهمن هؤلاء في الحياة؟ أنا أوجّه الجميع؛ الكبارَ قبل الصغارِ، وأردفت ضاجكة: هيا قم ادخل حجرتك؛ سننظف الصالة.
قام متثاقلا، دقّ على باب حجرته دقتين قبل أن يدخلها، يجلس على فراشه ممسكًا بكتاب من الكتب التي شحنها معه من غربته، انتفض من صوت تنفيض السجاجيد، تلاه صوت زوجات الأبناء ضحكات ومشاحنات وشكاوى إلى أن قطعها دويّ صوت زوجته ناهرًا وناهيا عن المساخة والميوعة، أخرج رأسه من باب الحجرة مناديا على زوجته، خفّت إليه ليسألها: أصواتكن عالية جدا، ضحكت : ألا تعرف ماذا حدث لمركب السلايف؟ لا تخف؛ أنا أسيطر على الموقف، وسأنبههن.
لا يرى أبناءه الثلاثة إلا فيما ندر، كلٌّ مشغول أو هارب من البيت ومشكلاته، وإذا جلس مع أحدهم؛ لا يجدان كلامًا يقولانه، رؤية أحفاده تسعده لكنهم لا يبادلونه السعادة؛ لم يجد مدخلا لعوالمهم، جدران حجرته تضغط على جسده وتجثم على أنفاسه، كلما حاول الخروج منها؛ تقنعه زوجته بالعودة إليها بأسباب لا متناهية.
قرر أن يبحث عن أصدقائه القدامى، بعد عدة محاولات اتصال بين مريضٍ ومتوفًّى وغيرِ متذكر، جاءه رد من زميل له من الوادي الجديد؛ أنه مقيم هناك؛ فوزارة الصحة تستعين بالأطباء المحالين للمعاش للعمل في المحافظات النائية.
بعد أربعة أسابيع كان يحدث زوجته وأولاده من سكن الأطباء بمطروح، يحكي لهم عن تمشيته على البحر كل صباح، ويصور لهم مكتبته في حجرته الجديدة، ويداعب أحفاده من خلف الشاشة، وأنه مشتاق إليهم، ثم يستأذنهم؛ فحياتُه في انتظاره.
--------هناء سليمان