أحمد رجب شلتوت - فسيفساء الريف المصري في مرايا المهمشين

يجمع كتاب "طباطيب العِبر" للكاتب أسامة الرحيمي بين التوثيق الاجتماعي والحس الجمالي في محاولة واعية لانتشال المهمشين من هوامش التاريخ إلى صدارة المشهد السردي.
إنه ليس مجرد سجل للحكايات الشعبية في قرية الدراكسة، بل هو أرشيف وجداني يختزن تحولات ريفنا المصري منذ ما قبل ثورة يوليو 1952 وحتى مطالع الألفية الثالثة، عبر قصص وحيوات منسية، عاشت وماتت دون أن تبرح مكانها على الهامش، لكنها تركت في وجدان الكاتب أثرًا لا يمحى.

بنية فسيفسائية

يُبنى هذا الكتاب على سلسلة من الفصول/الحكايات، لكل منها استقلالها الزمني والمكاني، لكنها تتآزر وتتواشج لتشكّل لوحة كلية لريفنا المصري.
الراوي في أغلب الأحيان هو شاهد العيان، الذي يستدعي من ذاكرته مشاهد الطفولة والشباب، ويمزجها بوعي الحاضر وتحليله، لذا فالسرد يتراوح ما بين المونولوج الاستعادي والتعليق السياسي، مع انفتاح على تقنيات الحكاية الشعبية والمقامة الساخرة. ويميل النص إلى الهجنة الأسلوبية؛ حيث الفصحى الموشّاة بالعامية، والأغاني الشعبية، والاقتباسات القرآنية.
وقد تأثر أسلوب الكاتب بذلك، وهو ما تجلى أولا في ثراء المعجم، فاحتفى النص بالمفردات المحلية (التملية، الطوايل، الطشوت...) التي تعكس أجواء الريف، كما لجأ إلى التناص مع القرآن الكريم، الأغنية الشعبية، الأمثال، وأحياناً الأدباء العالميين مثل مكسيم جوركي، كذلك تنوعت الجملة بين الطويلة المترادفة التي تشبه السرد الشفهي، والقصيرة القاطعة التي تُجسد الموقف، وقد ترادف هذا التنويع مع اللجوء إلى السخرية التي استخدمها كأداة لفضح المفارقات، سواء في السياسات أم في السلوك الاجتماعي.
هذه البنية الفسيفسائية منحت الكتاب تنوعًا في النبرة والزمن والمشهد، وأتاحت للكاتب أن يتنقل بين الخاص والعام بسهولة، كما مكنته من إحداث التقابل الصوري، فيرينا ازدهار الريف في الستينيات من القرن الماضي مقابل انكساره لاحقاً، ومن أهم سمات الكتاب الاعتماد على المشهدية، موضحًا قدرة الكاتب على تصوير المشهد الحسي والألوان، الأصوات، الروائح بما يجعل القارئ معايشًا الحدث.
المهمشون كأبطال

يعلن الكاتب منذ الإهداء أنه معني بثلاث فئات؛ أولها التملية أو عمال الوسايا الزراعية، وهم الأكثر بؤسًا، الذين ظلوا خارج معادلة التمكين حتى بعد قرارات الإصلاح الزراعي، بفعل الأمية وفقر الوعي، وتتمثل الفئة الثانية في العصاميين الكادحين، وهم الذين كدّوا من أجل تعليم أبنائهم، لكنهم اصطدموا بجحود هؤلاء فيما بعد، وثالثهم: النبلاء الفطريون، وهم أناس بسطاء ينزعون للخير ويمارسونه، ربما دون قصد منهم أو مباهاة.

رصد التحولات

يقرأ كتاب "طباطيب العبر" الريف المصري في ضوء تحولات كبرى، من الوسايا الإقطاعية قبل يوليو 1952، إلى ملكيات الإصلاح الزراعي في الستينيات الفائتة، إلى أشكال جديدة من الإقطاع في عهد الانفتاح وما تلاه، راصدًا أثر سياسات جمال عبدالناصر، والسادات، ومبارك على البنية الاجتماعية للفلاحين، موضحًا كيف انعكس ذلك على الوعي الشعبي.
أما عن التحولات الثقافية، فالكتاب يسجل دخول الراديو إلى القرى كحدث حضاري، ثم تأثير دخول الكهرباء وما تبعه من انتشار التلفزيون، وتغلغل الثقافة الجماهيرية، وتضافر كل ذلك مع الأغنية الوطنية، والسينما الشعبية، في تشكيل الوجدان.
والكتاب لا يقدّم مجرد "حكايات"، بل يراكم شهادة أدبية- أنثروبولوجية على التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في الريف، كاشفًا علاقة المهمشين بالسلطة، وبالمؤسسات الثقافية والإعلامية، راصدًا العادات والطقوس والمهن الريفية التقليدية، وهو ما يجعل النص وثيقة يمكن أن يشتغل عليها المؤرخ الاجتماعي، والباحث في الثقافة الشعبية، والنّاقد الأدبي على حد سواء.

الحكاية الفردية كمرآة للجماعة

إحدى أهم ميزات "طباطيب العِبر" هي الحكايات الفردية؛ فمثلا قصص "نعمت"، و"خادمة المحطة"، و"إشاعة بثلاثة جنيه"، لا تُروى كحالات معزولة، بل كمرآة تكشف قسوة البنية الاجتماعية على الأفراد، كما يقف عند الحراك الاجتماعي الذي أحدثته سياسات ما بعد 1952، وما صاحبها من مفارقات.
يقدّم أسامة الرحيمي عملاً أدبيًا يجمع بين حرارة الذاكرة ودقة التوثيق، غير مكتف برصد التحولات الكبرى، بل ينزل إلى التفاصيل الدقيقة لحياة هؤلاء المهمشين الذين لم يذكرهم التاريخ الرسمي، لكنهم صنعوا ملامح الحياة اليومية بعرقهم ودموعهم.
هكذا كتب عن أناس عاشوا بلا طبطبة، فصنع لهم طبطبته الخاصة عبر اللغة، فأعادهم إلى الحياة كأبطال سرديين، مقدمًا سجلّا لتاريخ الريف من أسفل، يلتقط صوت الذين لم يكتبوا تاريخهم.
وأخيرًا.. يذكّرنا هذا الكتاب بأن التاريخ الحقيقي لا تصنعه السياسات الكبرى فقط، بل أيضًا تلك الحيوات الصغيرة التي قاومت الفناء بالاعتماد على الذاكرة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى