سيد شعبان - صفحة عن التعليم الابتدائي في كفر مجر! ... مدرسة الشهيد عبدالله العريان!

مدرسة الشهيد عبدالله العريان!


إنه اليوم الأول لذلك الطفل الصغير الذي كنته يملؤني الخوف ويمنعني الموقف من أعود مع أبي الذي تركني ومضى. كان حلمه أن يكون من ذريته أفنديا يمسك بالكتاب لايبرحه.
فأنا ابن هذا الرجل الذي عرك الحياة كفاحا؛ أدين له بأن أفرغني للعلم يكد نهاره فأجتهد أن أرد له الجميل تفوقا ونباهة تعوضه هم السعي على لقمة العيش؛ لم أولد وملعقة من الذهب في فمي؛ أتذكر أغطية الشتاء ينزل المطر سيلا فنختبيء منه كأنما هو غول يفترسنا؛ تلك حكاية سردتها في كتابي " صفحات من حياة أبي"
مازال القلم بيدي؛ أحاول العزف به على وتر الحياة. تبقت في ذاكرتي تلك الصورة لاتغادر مخيلتي.
في ذلك المبني العتيق جوار المسجد القبلي؛ المكون من دورين يتسع لمدرستين كفر مجر والشهيد العريان؛ تمثل كل واحدة نظاما تربويا صارما حيث أ.مسعود السهيت حضرة الناظر في مدرسة كفر مجر الابتدائية ترهبك شخصيته القوية ونظامه التربوي الصارم.
أما مدرستنا الشهيد عبدالله العريان فكانت تديرها قيادة من غير البلدة شخصية وقورة هادئة في غير ضعف إنه حضرة الناظر محمد عامر يشعرك بحنوه وعطفه.
جئت إلى المدرسة فكأنما سيق بي إلى معترك تتناوشني فيه السهام وتعتورني السيوف الهندوانية.
كنت أخوف بالعصا فأجتهد ألا تمس يدي؛ مدرسة رحبة يتوسط فناءها الضيق العلم، توزع علينا التغذية الشهية تتكون من أرغفة الخبز التي تقارب قرص الشمس، محشوة بالمربى أو الجبنة الدمياطي.
نكاد نغوص فيها فيزيدنا منها عم شتا السقا.
ولاتكاد تنسي الكراسات مكتوب عليها "كنظام وزارة التربية والتعليم" كتاب القراءة ودرس أمل وعمر ونشيد ساعي البريد ولي أخ مجند.
كنا نابهين نحلم بغد جميل؛ أكتب بعدما مضى ما يقارب خمسة وأربعين عاما وما زال بي الحنين لأرسم لوحة سردية للمدرسة الأولى التى لململت منا ما تفرق وأصلحت منا ما اعوج.
تشعر بأن العالم كان غضا بريئا نتننفس هواء غير مانتنفسه الآن؛ أي عالم كان!
ندرج من صف إلى ثان حتى الصف السادس؛ أتذكر أ.إبراهيم جلال وأ. حلمي السهيت وأ.محمد هيكل أ.مؤمن الفقي وأبلة هنية السهيت؛ جيل عملاق من معلمين أكفاء حاربوا الجهل وشذبوا شعث تلاميذ صغار في بلدة من مجاهل الريف حتى عبروا بنا إلى شاطيء الأمان.
ترى أي معلم فنان كان أ.عبدالعزيز الصباغ؟
لقد اتسع عالمه حتى قدمه إلينا عبر لوحاته التي رسمها بفرشاته؛ خطه الجميل وخياله الخصب.
كانت قريتنا أجمل؛ جمال تحمل أكياس القطن أو أحمال الفول؛ تتراقص الماشية ضروعها ممتلئة باللبن.
قريبا منا تتهادى السفن الشراعية فوق مياه النيل؛ الزاوية ملتقى الناس، تجري أغنام عمنا فاروق أبوقمر؛ صوت باعة السمك؛ حكايات من هنا وهناك وثرثرة عند باب الجامع القبلي؛ محال أن تمر امرأة من وسط الزاوية فذا حياء وأي حياء.
أتذكر أقراني: ابراهيم حامد السقا ووائل النجار وعبدالعزيز حامد أبوزور ونشأت الخولي ومحمد على السقا وطالبات منهن من صارت معلمة أو اكتفت بالأمومة.
مضت السنوات ومايزال بي الشغف أن أسأل من يكون الشهيد العريان؟
ربما كان ضابطا أو جنديا نزف جرحه فداء للوطن.
ماأزال محبا لمدرستي ولكل من صحبوني فيها، أحكي لأولادي عن سنوات القراءة والكتابة حيث حقيبة المدرسية مثقلة بالكتب والكراريس؛ والشهادة الشهرية ودرجاتي فيها الممتازة.
تربية قبل أن تكون تعليما؛ احترام وتقدير للمعلم فالمجتمع يوقرهم يوفر لهم المهابة، كنا نكتفي بالزاد القليل؛ لا أكاد أنسى معلمي القدير أستاذي زغلول الصباغ وصرامته وحنوه في آن؛ وهل ينسى أ.شفيع محمد علي؟
إنه المعلم الفنان في مهارة لانكاد نجد لها مثيلا.
تحية إعزاز لمدرسة الشهيد عبدالله العريان تبقى ركيزة من ركائز العلم في وطن ناهض قوي!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى