هدى الهرمي - مدينة اللاشيء... قصة قصيرة

وحدها اللحظة الرّاهنة كانت تراوغ شتّى زوايا ذاكرته، لكنّ معين نسي الاحتراس من ماضٕ يتحرّك إلى الأمام ويعود إليه كلّ مرّة، كأنّ السنوات التي عاشها قبل لقائه بها كانت بمثابة عمليات حسابيّة لا تؤول الى قياس العالم من حوله.
أبدى بعض التذمّر وهو مُقطّب الجبين بتعابير غامضة، ثمّ انحاز الى الشارع الطويل دون أيّ هدف.
في الجانب الغربي من الطريق لاذ الى بيت مهدّم وقد امّحت جدرانه وطُمست أعمدته المتصدّعة. جلس متنهدا ومكامن الوحشة تبدّد اشراقة الشمس فوق شعاب روحه، بعد الأنس المنقطع بينه وبين حبيبة. لكنه أختار ان يجبرها على الفراق بسبب حياته المقيته وعدم ايجاد حلول ملائمة تجمع بينهما.
استخبر قلبه، وهو يكابر نفسه التوّاقة الى الهجر قبل ان تتكفّل أطلال الماضي بجلب حتفه السريع وتنقَضّ على روحه الواهنة.
مرّ النهار وهو ويصارع ذكريات لا تتوقّف، وقد عفّى حنينه لها.
ارتدى جاكيته الأسود الباهت بعد لسعة برد داهمته ثم انحنى على ظلْه وهو يتناءى في حجب الفراغ لينكمش جسده اكثر فأكثر عسى ان يظفر بشيء من الدفء. بدا واضحا انه يسترجع وضعه السابق في مدينة تُغلفها القتامة والغموض، لتخفت الضوضاء وينطفئ بريقها بعد احداث رهيبة. لقد فَقَدت متساكنيها واحدا تلو الآخر في ظروف غامضة، واصبح القفار يدبّ في شوارعها. لكن لا أحد يعلم سبب ذلك. الكلّ عجز عن ايجاد تفسير لما حدث من حالات اختفاء مفاجئة.
لم يكن في وسع معين وقد خابت ظنونه واندثرت أحلامه، ان يتكهّن ما ينتظره في الغد، باستثناء عزوفه عن فعل أي شيء يحيله الى سلطانة قلبه والعودة الى مدينة اللاشيء ...لقد رغب في إغلاق عينيه والتنفس بعمق، ثم التواري عن الأنظار بعيدا.
أشعل لُفافة تبغٕ، وشعر بالتّعب وهو يدخّنها بشراهة. إلاّ انه سرعان ما استعاد صورة وجهها وهو يفضي لها شعوره بأنه لم يعد يربطهما شيء بالمكان. لقد أدرك الآن فقط أن عليه ان يعيش حياة أخرى ويغادر البلاد.
كانت الرّيح تهبّ بعناد، كأنها تنفخ على رماد لا يريد أن يخمد في المدينة التي ذابت ملامحها مع اقتراب الغروب.
لم يستأنس معين بالجدار البارد الذي يجلس تحته، وبدأ يشعر بالوحشة. إلا انه اصيب بالانزعاج والحيرة حين لاحظ أمورا غريبة. لا طيور، لا صدى، لا بشر، حتى الخراب الذي يلفه بدا مُصطنعًا، كأنّ احدهم رتّب فوضاه ووحدته بعناية فائقة.
في إحدى الزوايا المنسيّة خلف الجدار، وجد نقوشا باهتة لا تشبه الخطوط أو الرموز، كأنّ من خطّها لا ينتمي لهذا العالم. مدّ أصابعه المرتجفة وتلمّسها فاختلّ توازنه واهتزّ شيء ما في صدره كذكرى مشوّشّة أو صوت يندلع من داخله ويهتف:
لقد صادفت هذه الرموز من قبل...لكنك اخترت النسيان والتجاهل !
في تلك اللحظة، اندلعت أصوات مختنقة، وكأنها تنعتق من شقوق الجدار، أو من تحت الحجارة واعمدة الضوء المنطفئة :
"لقد كنّا مثلك تماما نبحث عن معنى ...حتى اخترنا السُّبات مقابل الاختفاء "
فقد معين هدوءه فجأة وصاح مذعورا : " من هناك ؟ ...من أين يأتي هذا الصوت يا الاهي !
لم يستوعب ما يجري حوله، ولم يفهم تلك النقوش الغريبة والكلمات المُبهمة، محاولا انكار كلّ ما يثير فزعه ويوقظ وعيه. لكنّ الفكرة ارتجّت كناقوس في رأسه.
كلّ الذين اختفوا، لم يموتوا، لم يغادروا...ربّما تخلّوا عن أسمائهم، عن وجوههم، عن أحلامهم الصغيرة كي لا يجرّهم العالم إلى اليقظة.
ركض معين...لم يكن يعرف إلى أين لكن قدميه كانتا تسابقان الهلع المتكوم في صدره بينما الأصوات مازلت تتردّد في اذنيه كهمس آت من قاع زمن بعيد " اخترنا السبات مقابل الاختفاء"
كان الليل قد نزل بثقله بشدّة. التفت معين خلفه مرارًا فلم يلمح سوى الضباب...لا جدران لا بوابة، لا نقوش، لا بيت متصدّع. كلّ شيء تبخٌر، حتى الأثر.
أراد أن يصرخ لكن صوته لم يطاوعه...مدّ يده نحو حلقه ثم مرّرها فوق صدره ليتأكّد أنه لم يتحوّل بعد الى شبح. لكنه مازال هناك بجسده الواهن يعرج في فراغ متّسع.
حين لمح في الافق أطياف المدينة التي غادرها في أولى ساعات النهار، شدّ جاكيته إلى عنقه وتسارعت خطاه كأنه يقفز مثل كنغر بريّ. لقد قرّر فجأة العودة. لا يهمّ ما ينتظره هناك...المهمّ أن يرى حبيبة ولا يبتلعها الغياب.
لكن حين بلغ مشارف المدينة، اصيب بارتباك هائل. لا شيء هناك، لا أعمدة، لا طرقات، لا بنايات. فقط فضاء شاسع ممتدّ لا نهاية له.
تسمّر في مكانه حائرا، يبحث معلم واحد، يحاول التقاط صوت ورصد حركة ويبحث عن ظلّ أو أثر يرشده.
مشط الأرض بعينيه كمن ينقبّ عن بركة ماء في صحراء قاحلة. تقدم نحو اللاشيء متوجسا وحذرا ثم لمح من بعيد شيئا منتصبا كأنه باب خشبيّ مُفرد وسط اليباب الشاسع.
اقترب، مدّ يده لكنه لم يقدر ان يصل إليه وكأن قوة خارقة تمنعه ..لكن الباب انفتح على مصراعيه.
استطاع ان يتقدم أكثر فلمح ظلالا واطيافا كثيرة تتحرّك ببطء بلا ملامح، لكنها تصدر أصواتا ضعيفة مثل الهمس الذي سرعان ما توغّل في رأسه :
" حين غادرت، أخذت معك المدينة والبلاد ...والآن حين عُدت إليها غادرتك"
أمسك معين رأسه بكلتا يديه وتراجع بجزع الى الوراء. أراد ان يغلق الباب ويتخلّص من كوابيسه، لكنه لم ينتبه لوجود هوّة سحيقة على بعد متر منه. غشّى الدّخان الأبيض عينيه فحجب عنه الرؤية...بعد فترة وجيزة جدّا خمد كلّ شيء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى