🕯️ رواية: بوجهين إعداد وكتابة: المحامي علي أبو حبلة

🕯️ رواية: بوجهين

إعداد وكتابة: المحامي علي أبو حبلة

الفصل الأول: وجوه في المرايا

في مدينةٍ تتشابه فيها الوجوه وتتناقض فيها القلوب، عاش سليم النجار، موظف حكومي بسيط، يرى الفساد كل يوم ولا يملك سوى أن يبتسم.

كان يقول لصديقه نادر:

"نحن نحيا في زمنٍ صارت فيه المبادئ عبئًا على أصحابها يا نادر، والصدق أصبح سذاجة!"

نادر، الصحفي الطموح، أجابه بابتسامةٍ مائلة:

"ومن قال إن الصحافة تبحث عن الحقيقة؟ نحن نبيع الوهم لمن يشتريه، ونُرضي من يدفع الثمن."

وفي المقابل، كانت ليلى الكيلاني، الناشطة الاجتماعية، تملأ الشاشات بخطبٍ عن النزاهة، لكنها خلف الكواليس تفاوض رجال الأعمال على مشاريع “تنموية” ظاهرها الرحمة وباطنها مصلحة.

وفي كل مساء، كانوا يلتقون في مقهى “المدينة القديمة” حيث تُصاغ التحالفات وتُعقد الصفقات باسم الوطن.

الفصل الثاني: قناع الحقيقة

بدأ نادر في نشر سلسلة مقالات تكشف التلاعب بالمنح الدولية، فوجد نفسه محاصرًا من الجميع.

اتصل به سليم ليحذّره:

"احذر يا نادر، الحقيقة لا صوت لها إن لم تخدم أحدًا."

لكن نادر لم يصغِ، واستمر حتى اصطدم باسم ليلى بين الوثائق المسربة.

واجَهها في لقاءٍ متوتر:

"لم أتوقع أن تكوني جزءًا من اللعبة يا ليلى."

ابتسمت ببرود:

"أنا جزء من البقاء يا نادر، لا من اللعبة. في هذا العالم، لا يعيش أصحاب المبادئ بل من يعرفون متى يبدّلون وجوههم."

تلك الجملة علقت في ذهنه طويلًا، كأنها مرآة يرى فيها سقوط القيم.

الفصل الثالث: المصالح تُعيد رسم الوجوه

مع تصاعد الأزمة، استغلّ سليم موقعه لتقريب وجهات النظر بين السياسيين والمستثمرين، فبدأ يرتقي سريعًا في المناصب.

أصبح نادر مطاردًا من الأجهزة، فيما نالت ليلى منصبًا جديدًا في “هيئة النزاهة والشفافية”!

كانت المفارقة فاضحة:

“الذين يرفعون شعار النزاهة، هم من يتقنون فن التجمّل بالفساد.”

بدأ سليم يشعر بثقلٍ داخلي، فالترقيات التي حصل عليها لم تكن نتيجة كفاءته بل تنازلاته عن ضميره.

وفي إحدى الليالي، وقف أمام المرآة وقال لنفسه:

"أيّ وجهٍ هو وجهي الحقيقي؟ ذاك الذي يبتسم للناس أم ذاك الذي يختبئ خلف الخوف؟"

الفصل الرابع: سقوط الأقنعة

بدأت التحقيقات الدولية حول الفساد، وتكشفت العلاقات بين رجال المال والإعلام والسياسة.

نادر عاد بقوة، ينشر الأدلة تباعًا، ووجد في اعتراف سليم المتأخر نقطة الانقلاب.

جلسا في المقهى ذاته الذي بدأ فيه كل شيء. قال سليم بصوتٍ متهدّج:

"السكوت أخطر من الجريمة يا نادر، وأنا صمتُّ طويلًا."

فأجابه نادر:

"الاعتراف ليس توبة إن تأخر، لكنه بداية الطريق الصحيح."

أما ليلى، فانهارت صورتها أمام الإعلام، وحاولت الدفاع عن نفسها بعبارة مألوفة:

"كل ما فعلته كان من أجل المصلحة العامة!"

لكن الناس سئموا هذا الشعار.

الفصل الخامس: وجه واحد... أخيرًا

مرّت السنوات، وتبدلت المناصب، وغابت الأضواء.

نادر أسّس جريدةً صغيرة تُعنى بالقصص الإنسانية، وسليم تقاعد بهدوء في قريته.

أما ليلى، فهاجرت إلى الخارج تبحث عن “بداية جديدة”، لكن الماضي ظلّ يلاحقها.

في ختام الرواية، يلتقي سليم ونادر على أطلال المقهى القديم وقد تحوّل إلى مكتبةٍ عامة.

قال سليم وهو يتأمل اللافتة:

"كل شيء يتغيّر يا نادر، حتى الأماكن تغسل ذنوبها."

فأجابه نادر بابتسامةٍ عميقة:

"لكن الوجوه لا تتغيّر، بل تتقن التمثيل أكثر."

العبرة من الرواية

الرواية تكشف كيف تتحول المصالح الشخصية إلى دينٍ جديد يعبده المنتفعون، وكيف تُبرَّر الخيانة باسم المصلحة الوطنية.

هي حكاية مجتمعٍ تتبدل فيه الأقنعة، حيث يختلط الضوء بالظلال، فلا يُعرف من هو الصادق ومن هو الممثل.

لكن الرسالة الأخيرة تبقى واضحة:

“قد تُخدع الناس بوجهٍ مزيف، لكنك لن تخدع مرآتك.”

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى