د. عبدالعظيم السلطاني - هل نحن بحاجة إلى شعر محمود البريكان؟

الشعر نحت لغوي، ينتقي المفردات ويسبكها في بناء فنيّ، يتضمن كثافة وجمال صورة وعناية بالمجاز أداةً، وله موضوعه الذي يسلط عليه نور إشعاعه، وفيه معنى معجون بجمال إيقاعي، طغى أو جاء خافتا. وهو شاء أم أبى يتضمن عاطفة، ومعنى ثقافيا كثيرا أو قليلا، يمكن أن يقف عليه المتلقي بحسب وعيه وقدرته. ولا يمكن لشعر أن يفرض شرعية وجوده إلّا من خلال هذه العناصر، طغى هذا العنصر على غيره أو انحسر، بحسب كيمياء القصيدة المستمدة من رؤية الشاعر ومهارته.
ومجمل عناصر القصيدة تخضع لمنطق "الأولوية" وترتيب الاهتمام ودرجته، فبعض الشعر تقفز الصورة الشعرية لتكون أولوية متصدِّرة، حتى تجدها مدهشة مشعة تجلب نظر المتلقّي إليها قبل كلّ شيء، وبعض الشعر تجد الأولوية فيه لانتقاء المفردة، وبعض الشعر تجد فيه الإيقاع أولوية بكل أشكاله ومستوياته، وبعض الشعر يجد فيه المتلقي أولية الفكر والفكرة متصدّرة على ما سواها...الخ. وشعر محمود البريكان (1931-2002م) من هذا النوع الذي يهتم بالفكرة ويشغله المعنى كثيرا، فيخاطب العقل شعريا ليكون أولوية شاخصة في مجمل شعره. تشغله الفكرة لتكون هدفا لكنها تبقى مصاغة صياغة شعرية. وبهذا تبرز إحدى سمات الحداثة في شعره، من خلال الاتكاء على العقل ومنجزاته الفلسفية والفكرية، وفي مخاطبة العقل وفي قدرته على التأثير في الوعي. وأيّ شعر تحتفل به الحداثة أكثر من شعر البريكان الذي يخاطب الوعي ويحفر فيه ويسعى إلى التأسيس أو الترسيخ أو التحويل؟! وأيّ نوع شعري أكثر من هذا نحن بأمسّ الحاجة إليه؟! ليصنع وعيا ويفتح أفاق الوعي، ويرتقي بدور الشعر في الحياة، حتى لا يبقى الشعر جمالا محضا ومشاعر جياشة واحتفالا بالصوت.. قد ننفعل به ونصفّق له، ثم سرعان ما ينطفئ في داخلنا قبل أن يمسّ الفكر والوعي.
يؤمن البريكان من خلال شعره بدور الشعر في صنع الوعي، فالكلمات لديه ليست كلمات القاموس، إنّما هي كلمات الشعر الفاعلة القادرة، وهي، أيضا، تصلح أن تكون عالما بديلا حين يصبح الواقع نتناً، يقول:
((دع الكلمات
تقع كالسِّهام على الدائرة
دع الكلمات
تكن كالدروع على الخاصرة
دع الكلمات
تقاطع مخاض الألم
وتمتصّ أقصى الرؤى
دع الكلمات
تحدّدْ وجوهَ العدم
دع الكلمات
تمنح الروح شكل الطموح
وحقل الزهور التي أخطأتها المواسم
دع الكلمات
تشكّل سديمَ العوالم.))
نعم، شعر البريكان لا يحتفي كثيرا بالصور المدهشة التي تخطف الأبصار فنيّا، لكنه شعر قادر على خطف العقل والتأثير في الوعي، دون أن يفقد شعره خصائص الشعر ويتحوّل إلى نصّ عقلي خالص. فشعره يدعو إلى التأمّل ويستثير العقل ويحفر في الوعي، ومن يقرأ شعره بانصراف كلّي إليه، لن يكون هو نفسه قبل قراءة ذلك الشعر. فلابدّ أن يضيف إليه شيئا، ويستفزه فيدعوه إلى التأمّل، وقد يثيره ليراجع بعض المفاهيم ويحرضه ليقرأ شيئا كان قد أهمله، أو يقارن في أمر لم يتنبه إليه... إنّه شعر المعنى. وهذه من أهم سمات شعر الحداثة حين نتجاوز مسألة تحطيم الشكل الفني القديم بأوزانه وقوافيه وطريقته المباشرة في تناول موضوعاته... ولو تُرجم شعر البريكان لما انطفأ بين يدي المترجم، كما ينطفئ شعر آخر قام وجوده على إشعاع الصورة بلغته، وعلى المجاز المحكوم بلغته، وحين يُترجم يفقد وهجه وأهميته كلّها أو بعضها.
في الأيام القليلة الماضية (8-9 تشرين الأول 2025م) أُقيم (ملتقى البريكان الأدبي) في البصرة. وكان ثمرة لتعاون الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، واتحاد أدباء البصرة، وجامعة البصرة. وهو ملتقى مهم يليق بمنجز البريكان الشعري. قُدّمت فيه أوراق نقدية وحوارات أضاءت جوانب واسعة من شعر البريكان، وعرّفت به وبشعره أجيالا حديثه، وفتحت آفاقا مستقبلية لدرس ذلك الشعر. وكان المحرِّك لإقامة الملتقى هذا صدور الأعمال الشعرية لمحمود البريكان، التي نهضت بمهمة العثور على مجمل شعره وتحقيقه ونشره دار الشؤون الثقافية. وهو عمل يستحق التقدير والاحترام، ويدلّ– هو وغيره من الأعمال التي تنشرها الدار- على رغبة صادقة جادّة في نشر الأدب والاعتناء بالثقافة.
وبعد، يبقى شعر البريكان الذي صدر بجزأين (محمود البريكان– الأعمال الشعرية) مشروعا ينتظر مَنْ يعمل على ترجمته كاملا، وتتولّى نشره دار نشر أجنبية مهمّة، تحقق غاية الترجمة والنشر في توصيل هذا النوع من الكتابة الشعرية إلى الفضاء العالمي. فشعره يبقى مشرقا حين يُترجم، لأنّه شعر فكرة ويُعبّر عن وعي حداثي ويخاطب وعي المتلقي. وبعد هذا فشعره بمجمله كوني النزعة، وكأنّه شعر كُتب ليكون صالحا لكل إنسان وهو يواجه محنة الوجود في كل زمان ومكان، فليس فيه احتفاء بالمحلّي من تفاصيل وأسماء وأماكن.. قد تقف عقبة أمام فهم المتلقي الأجنبي حين يُترجم ذلك الشعر. وما تُرجم من شعره كان جزئيا، بما فيه ترجمة الدكتور شهاب أحمد إلى الإنجليزية، التي نشرتها دار المأمون. فهي لا تتضمن شعره كلّه، الذي صار مُتاحا بين أيدينا الآن. فضلا عن كونها تبقى طبعة أقرب إلى المحليّة. لذا تبقى محدودة غير فاعلة لتعبر الحدود وتصل القارئ غير العربي، وكأنّها والحال هذه موجّهه للمتلقي العراقي أو العربي بلغة أخرى!. زد على كلّ هذا أنّ ترجمة شعره يمكن أن تكون بلغات أخرى غير الإنجليزية.
نحن بحاجة إلى شعر البريكان، فهو يكتب نوعا من الشعر يُحرّض على التفكير والتفكّر وينفع الوعي ويرتقي به، ليكون مُعادِلا لسيولة العواطف والوجدانيات الفردية في شعرنا. ونحن بحاجة إلى شعره مترجما، ليكون سفيرا مشرّفا للشعر العربي الحديث، وعلامة على حيويّة ثقافتنا وأدبنا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى