إبراهيم محمود - القرد الذي مات سعيداً... قصة

1761291109589.png



قبل إطباق جفنيه على إلى الأبد، مسح الغابة الواسعة بعينيه الواهنتين، كان الذي يهمه، هو وضع أفراد جماعته القردة. ثمة ابتسامة لا يخطئها النظر حملتها ملامح وجهه.إنهم في وضع آمن. يلهون وينتقلون من شجرة إلى أخرى، يتعمشقون بأغصان هذه وتلك ، يتقافزون وسط صيحات معبّرة عن أن كل شيء على ما يرام .
وحيداً مع نفسه، في لحظاته الأخيرة..إنه يعيش وحدته الملزَم بها، بعد أن عمر طويلاً. تتسع دائرة الابتسامة على وجهه ، حين رجعت به ذاكرته إلى الوراء، عندما كان في أول طلعته، كان هناك ما يحرّكه من الداخل، كان يحسب لزعيم القطيع حساباً. إن ظهوره الأقوى ليس بالأمر السهل. لأكثر من مرة حذّره الآمر الناهي في القطيع من تجاوز الحدود المرسومة. كان يقدّر نوعية العقاب وصرامته. لكنه حين استشعر قوة في كامل جسمه، وتدفق دماء حارة في كامل عروقه بعمره المحفّز له، كان ثمة قوة تدفع به، لأن يمضي إلى الأمام، واستطاع في مواجهة سريعة، الحلول محل قائد القطيع. لا بد أن هذا قد قدَّر أن قوته لم تعد كما كانت قبل سنوات، حين تمكن من إزاحة القائد السابق، وأن هناك من هو أصلح منه قوة برضى الجميع. هكذا كان هو مع هذا الجديد. لقد أصبح الآن هو المتنفذ، أصبح الآمر الناهي بدوره، إنما المطالَب في أن يكون العين الساهرة على أفراد جماعته كذلك .
مشاهد كثيرة استدعاها إلى ذاكرته القريبة، حين تعرض لميتات كثيرة، لجروح غائرة في منازلات مختلفة مع أعداء جماعته في الجوار. ولكن إبعاد الخطر عنهم كان يمنعه فرحاً وشعوراً بالزهو، وأنه ليس قائد جماعته دون مقابل.
وبنصف ابتسامة، تذكر الذي حل محله، كما لو أنه هو نفسه في مواجهته، وقد تنحى جانباً، شعوراً منه أنه الأكفأ.
كان يراه عن قرب، وهو يتلفت هنا وهناك، ومن أعلى شجرة، مقدّراً أنه في موقعه المناسب.
لا شيء يشغله بعد الآن، كل شيء في مساره الصحيح، وهو يشعر أن أنفاسه تتباطأ أكثر.
لا يستطيع تذكّر كيف كانت نهايته، لأنه لم يكن ينشغل قلقاً بهذه اللحظة، لأن جفنيه اللذين حجبا الرؤية عن عينيه تماماً، حوَّلا الابتسامة إلى الداخل، فشملته سكينة ، مستسلماً لروحه وهي تفارقه لتحلّق في أرجاء المكان، وهو يموت سعيداً .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى