أحمد عبدالله إسماعيل - القلب...

بينما كانت شمس الصباح الباكر تتسلل عبر نوافذ العمارة العتيقة في حي شبرا، وقفت "الحاجة صابرة" عند سفح السلم كطائر جريح. السكري وخشونة الركبة جعلَا من كل درجة صعوداً موجعاً نحو الجحيم.

همست بصوت خافت:
"يا رب سَلِّمْ.. كم درجة سُلّم صعدت وحيدة في هذه الدنيا؟"

اتكأت على عصاتها البالية، تتحرك ببطء كطفل يحبو، حتى وقع نظرها على شاب وسيم يفيض وجهه أدبًا وهيئة تذكرها بأيام زمان. قالت بصوت أجش كحفيف أوراق الخريف:

"يا ابني.. ساعدني يا حبيبي.. إنها دنيا فانية لا يبقى منها إلا فعل الخير".

اقترب منها مبتسمًا برقة، فشرحت له بحياء: "اصعد درجات السلم الثلاثين، تجد حقيبتي على المنضدة في صالة الشقة بالدور الثالث. حان موعد رسم القلب في المستشفى العام".

ضحكت مرارة: "أفحص قلبي الآن وبعد كل هذه الطعنات؟!"

صعد الشاب بخفة غزال بينما جلست هي على أول درجة، تتأمل جدران العمارة المتشققة التي شهدت أياماً جميلة حين كان الجيران يتجمعون كعائلة واحدة في أول يوم من رمضان يتناولون الفطور في هذا الممر الطويل.
قالت في نفسها:
"ابن حلال، لا تزال الدنيا بخير.. لعل الله أرسل لي ملاكاً".

عاد بعد دقائق حاملاً الحقيبة، فشكرته بدعوات: "الله يجعلك قرة عين لوالديك يا بني.. ويحفظك في شبابك من كل حاسد".

في مستشفى شبرا العام، جلست على مقعد مهترئ بين عشرات المرضى. فحصت الحقيبة فلم تجد النقود ولا الهاتف. لم تكن الألف جنيه سوى ما تبقى من معاشها الضئيل بعد فواتير الكهرباء والماء والغاز والدواء المستورد.
دارت بها الدنيا:
"بعدما جعلني أشعر أن الدنيا لا تزال بخير يفعل ذلك بي؟!"

رأت وجه ابنها الوحيد الذي انشغل بحياته مع زوجته وولده، ورأت ابنتيها تدوران في دوامة الحياة، وزوجها الذي خطفه الموت قبل ربع قرن.

"أين أخطأت؟ هل أعطيت قلبي كله لمن لا يستحق؟"

انهمرت دموعها لا على ما سُرق، بل على ما تبقى من عمر ضاع في العطاء بلا مقابل.

"يا رب.. لقد أحصنت قلبي طوال عمري فإذا بي أفقد كل شيء"

لم تخضع للكشف. لم تعد بحاجة لرسم قلب تعرف أنه توقف عن النبض الحقيقي منذ زمن.

أسندت رأسها إلى الحائط، وتذكرت أياماً مضت حين كانت تسير في شارع المعز وتشتري من بائع الفول النوبي الذي كان يثق بها وتدين له حتى ينزل المعاش.

"أيها الغائبون عن عيني.. الحاضرون في قلبي، ها أنا ذاهبة إلى مكان لا ألم فيه".

هدأت أنفاسها في سكون يشبه السلام. حين جاء موظف الاستقبال، وجدها مستلقية في غفوة. لم يدل على هويتها سوى بطاقة شخصية غير سارية في كيس بلاستيكي.

في النهاية، لم يكن قلب الحاجة صابرة بحاجة إلى طبيب؛ فالقلوب تموت أحياناً وهي لا تزال تنبض في الصدور؛ تموت من كثرة ما تحب، ومن كثرة ما تخسر.

رأى موظف الاستقبال ما حدث للعجوز؛ فتذكّر أمه التي رحلت قبل بضعة أشهر؛ فأصر على مساعدتها ودفع قيمة الكشف، ابتسم الرجل وحاول أن يهدئ من غضبها:
"أنتِ مثل أمي، لا تقلقي، أنتِ بخير، وقلبك صَلْب يمكن للقطار أن يجري فوقه، اسمحي لي بأن أصحبك في طريقي إلى بيتك، ولا تترددي في التواصل معي في أي وقت".
رمقته العجوز بنظرة لائمة، ورفضت مساعدته؛ لأنها في بضع ساعات رأت ما لم تره طوال عمرها، صمتت طويلاً ولسان حالها يكرر:
"هل يختلف كثيراً عن الشاب الذي سرقني قبل قليل؟! لا أعلم ما الذي يمكن أن يفعله إن علم مكان بيتي!"

بِناء على أحداث واقعية
قصة "القلب"
للكاتب أحمد عبدالله إسماعيل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى