فنون بيتر هاندكه في الكتابة... اختيار وترجمة: سارة حامد حواس

ما يدفعني دائمًا إلى الإنجاز هو أن أحلم، قبل أن أبدأ الكتابة. أعيشُ حلم الكتاب، وحلم الرحلة، وحلم المغامرة. ثم أحيانًا، في نهاية اليوم، حين أنتهي مما كتبت، يعود إليَّ ما كتبتهُ كبحرٍ غريبٍ. إنه شعورٌ شديد الجمال، فالكتابة تعودُ إليك أحيانًا كموجةٍ خفيفةٍ من السعادة. أحيانًا فقط، ليس دائمًا!
أسعى دائمًا إلى أن أكون عادلًا، لكنك في الوقت نفسه، لا تستطيع أن تأمر نفسك بأن تكون كذلك. تكتشفُ فقط بعد أن تنتهي، أنَّ ما فعلتهُ كان عدلًا وصوابًا. وهذا لا يحدث أثناء الفعل، بل بعده. كما أنَّني لا أقرأ كتبي بعد نشرها، لكن أحيانًا، عندما تصدر طبعةٌ جديدةٌ، أفتحها مُصادفةً، وأشعرُ حينها أنَّ حياة الكاتب لم تكن بلا جدوى، أو لم تكن سيئةً تمامًا.
يحدُّثني القُرَّاء أحيانًا عمَّا قرأوه في كتبي، ولا أتذكرهُ، فإنَّني أنسى الكثير من الجمل التي كتبتها. يدهشني الأمر حقًّا حين يستشهدون بمقاطعٍ، فأقول لهم: لا أتذكَّرُ أنَّني كتبت ذلك، وهذا ليس تمثيلًا أو نوعًا من المزاح.
أعني، عندما أكتبُ أكونُ في حالةٍ أخرى، وفي سياقٍ مختلفٍ، لكن رأسي يكون صافيا، وهادئًا تمامًا. لم أشعر بالسكينةِ في حياتي اليومية كما أشعرُ بها أثناء الكتابة. فعندما أكتبُ وأكونُ داخل المشكلة، وأنا بطبيعتي أحبُّ مواجهة المشكلات، وعندما أيضًا أدخلُ في إيقاعها وأراها أمامي، أهدأ حينها فقط، أهدأ إلى حدٍّ لا أبلغهُ في أي لحظةٍ أخرى من حياتي العادية.
.
أبدأُ عملية الكتابة بإحساسٍ وصورٍ، وإيقاعٍ يسكنني.
أحيانًا تكون لديَّ حكاية أريدُ أن أرويها، لكن يحدثُ دائمًا عملية تحوُّل أثناء الكتابة، وهذا ما يُبقي الحياة فيَّ. فلا أريدُ أن أعرف مسبقًا بالضبط ما عليَّ أن أفعله. كما أنَّ الأمر يحدثُ ببساطةٍ، ويجب أن يكون مفاجأةً جميلةً لي أنا أيضًا، وللكاتب نفسه. عندما أكتبُ، عليَّ أن أتفاجأ، لا بنفسي، بل بشخصٍ آخر يسكنني وليس أنا وحدي.
الكتابةُ هي الكتابةُ، كما أن الوردة هي الوردة. إنَّها عملية منضبطة، لكن أحيانًا أفقد السَّيطرة في الوقت نفسه والاثنان يسيران معًا. لم أعد أمتلك آلة كاتبة. كما أنَّني كنت أُسافر كثيرًا منذ ثلاثين عامًا، وكل بلدٍ كان له نظام مختلف للكتابة، فارتكبت الكثير من الأخطاء. فذهب ما يُسمى بالإلهام، وتلاشى وسط كل تلك الأنظمة من الحروف. منذ ثلاثين عامًا قررتُّ أن أكتب يدويًّا، بقلم رصاصٍ فقط، لا شيءَ آخر.
كنتُ أسكن في بداية العمل بمدينةٍ صغيرةٍ وكانت صاخبة جدًّا. كان أسبوع الفصح في إسبانيا، صخب جميل، لكنه غير مناسبٍ للكتابة. فكنت أخرجُ من المدينة سيرًا حتى أصلَ إلى السافانا، وأجلس تحت شجرة كافور. هناك، في ذلك المكان، بدأتُ واحدةً من أكثر لحظات الكتابة سكونًا وعمقًا في حياتي، منذ ثلاثين عامًا، في شمال الأندلس.
مررت بفترةٍ طويلةٍ في حياتي قبل أن أبدأ كتابة الكتاب الأقرب إليَّ وهو ''العودة البطيئة إلى الديار''، ولا أعرفُ عنوانه بالسويدية، لكن بالألمانية ''Langsame Heimkehr''. كانت هناك لحظةٌ قصيرةٌ جدًّا قلتُ فيها لنفسي: لقد فشلت في كل شيءٍ، وانتهى الأمر. كانت لحظةً عابرةً، لكنني شعرتُ بها حقًّا. كنتُ أعيشُ في نيويورك محاولًا الكتابة، وأنا في السَّادسة والثلاثين من عمري. وكنتُ أعتني بطفلي الأول وحدي. تركتُ طفلي لأكتب قصةً طويلةً كانت تعيشُ في قلبي منذ عامين أو ثلاثة، ثم بدأتُ أكتبُ.
لكن حتى الجملة الأولى لم تنجح، فكانت قصيرةً جدًا في البداية، ثم خلال الأيام التالية بدأت تطول وتتشعب. قلتُ لنفسي: هذا هو، لقد انتهيت، ولكن في اليوم التالي جلستُ وواصلتُ. كان ذلك نوعًا من الفشل، لكنني تعاملتُ معه كخيالٍ، كأنَّني لم أفشل قط، ونجح الأمر.
أستطيعُ أن أصف نفسي ككاتبٍ جوهريٍّ، أو جوهريٍّ ملحميٍّ، فجوهري ملحمي. أنحدرُ من هوميروس، ومن سربانتس، فمن هناك أتيت، ومن تولستوي أيضًا. هذه هي جذوري، وعالمي الداخلي الأعمق.
لست من الكُتَّاب الذين يمكنهم التحوُّل إلى أي شكلٍ أو نمطٍ، فروحي ملحمية.
لا أُحب أن تُوصف أعمالي الأولى بأنَّها طليعية لأنَّ حتى أول مسرحية لي كانت نوعًا من اللعب. لعبةٌ تحررتُّ من خلالها من عالمين داخليين ثقيلين كنتُ أحملهما عندما كنتُ في الحادية والعشرين أو الثانية والعشرين، وكانت تلك فترة فرقة البيتلز. في البداية كنتُ أشعرُ بالحرج لأنني أحببتُ موسيقاهم كثيرًا، ثم قلتُ لنفسي: هذه موسيقاي، البيتلز.
ثم بدأت أكتب بعد ذلك من أجل جولةٍ مسرحيةٍ. لكن كان هناك جانب ساخر في المسرحية، حيث يقول الممثلون للجمهور: “هذه مسرحية كلاسيكية، ليست طليعية. استمعوا جيدًا، هذا هو الكلاسيك.” كان ذلك قبل خمسةٍ وخمسين عامًا. لذا فأنا لست طليعيًّا، هم من أطلقوا عليَّ هذا الوصف. وإن أراد أحد أن يصفني بالطليعي حين كنت شابًا، فليكن، لكنني لم أشعر بذلك لا آنذاك ولا الآن.
لا أؤمنَ بوجود صلةٍ حقيقيةٍ بين الأدب والموسيقى، فحين يقولُ أحدهم إن أدبي “موسيقى”، أقول: لا، فالأدب له إيقاعه الخاص. من يحاول أن يصنعُ نوعًا من “الجاز الأدبي”، فهو يفعلُ ما أرفضهُ تمامًا. فالأدب هو الأدب، ليس فيه لحن، بل فيه صوتٍ خاص.
إنَّه نوع من الصوت، صوتٌ صامتٌ، صمت يرنُّ بطريقةٍ فريدةٍ جدًّا، لكنَّ لا علاقة له بالموسيقى. ومع ذلك، يمكن للموسيقى أحيانًا أن تُوقظك، وأن تدفعك لتسلك طريقك الخاص في الأدب.
اللغة نادرة جدًّا في جوهرها، رغم أنها اليوم موجودة في كل مكانٍ. لكنها صارت ملوَّثةً بالنسبة إليَّ. وهنا يكمنُ التناقض: ففي وسط هذه اللغة الملوَّثة في عالم اليوم، هذه اللغة التي تُقتَل وتَقتل معها الروح، تظلُّ اللغة في أصلها أنقى ما في الروح الإنسانية. لكنك لا تجدَ تلك اللغة النقية إلا في الأدب، فهذه هي حياتي.
أنا شخصٌ نقديٌّ في طبيعتي، لكن لا أريدَ أن أكون ناقدًا عندما أكتب. فحين أكتبُ، يتوارى النقد خلفي، أي لا نقد، ولا رأي، فقط صور، وإيقاع، وإحساس.
كما قال كافكا: “يمكنني أن أفتِّشَ في نفسي عامًا كاملًا لأجد شعورًا حقيقيًّا واحدًا.” ربما كان يبالغ قليلًا، فهو كان رجلًا خجولًا. ومع ذلك، هذا الشعور الحقيقيُّ موجود. أعتقدُ أنَّني كتبتُ قصةً طويلةً عن رجلٍ في اليأس، أظنها تُرجمت إلى السويدية بعنوان ''لحظة إحساس حقيقي''، وهذه كانت نقطة انطلاقي.
يقول الفرنسيون، أنا أواصلُ السفر مع تلك “اللحظة الحقيقية من الإحساس”. إنها رحلتي.
الكُتَّاب الذين كان لهم التأثير الأكبر في أسلوبي في الكتابة ليسوا قلة، بل كثيرون. أظن أن الأمر بدأ عندما كنتُ في الرابعة عشرة من عمري، حين قرأتُ كتب الكاتب الأمريكي ويليام فوكنر من أكسفورد، ميسيسيبي، فأذهلتني تمامًا، ثم جاء ديستوفسكي، وكافكا.
كنت أدرسُ في نوعٍ من المعاهد الدينية، وكان من المفترض أن أصبح كاهنًا كاثوليكيًّا، لكنني تظاهرت بذلك، وكذبت. أمثالي آنذاك لم تكن لديهم أموال، ولم يكن أمامنا خيار الدراسة في مدرسةٍ عاديةٍ. لذا التحقتُ بذلك المعهد.، وهناك درسنا اليونانية القديمة واللاتينية، وهذا ما كان خيرًا كبيرًا بالنسبة لي، إذ بقيَ أثره معي حتى الآن.
ثم قرأتُ الإلياذة والأوديسة لهوميروس، وقرأتُ فيرجيل، الشاعر الروماني العظيم، فهؤلاء يقيمون داخلي. وحتى ريموند تشاندلر، كاتب الروايات البوليسية الأمريكي، وداشيل هاميت، وجورج سيمينون الكاتب الفرنسي. أستطيعُ أن أسرد أمامك قائمةٍ تمتدُّ نصف ساعة أو أكثر.
نعم، هو عبقري، لكنني أخشى العبقرية أحيانًا. يمكنك أن تقول إن جوتّو عبقري مثل ميكيلانجيلو، لكنه في نظري يتجاوزُ مفهوم العبقرية. إنه وسيطٌ إنسانيٌّ بين الشكل واللون والموقف والمواجهة. وهنا فقط يمكن مقارنة الأدب بالفن التشكيلي.
كما أنَّ الكاتب الحقيقي لا يحتاج إلى نصيحةٍ، ولا إلى مدرسةٍ، أو تعليمٍ. إنَّه يحتاج فقط أن يكتب.
اللغة بالنسبة إليَّ دليل ثمين على وجود الحياة، ليس فقط لي ككاتبٍ، بل لكوني أملك اللغة أصلًا. معظم ما يُقدَّم اليوم على أنه لغة لم يعد في حقيقته لغة.
فاللغة لا تظهرُ إلا حين أعيشُ حقًّا وأشعرُ أن هناك مستقبلًا، حينها فقط تنبثقُ اللغة، وهذا ليس لي وحدي ككاتبٍ، بل للبشر أيضًا، فاللغة أثمن ما وُجد.
كما أنَّ معظم الناس لا يملكون لغةً حقيقيةً. حين يظهرُ شخصٌ يمتلكُ لغةً، يمرُّ بين الناس كأنَّهُ نَفَسٌ من الارتياح.
لذا ما هي اللغة؟ أعتقدُ أن اللغة الحقيقية هي اللغة الشعرية فقط، فهذا هو معنى اللغة في جوهرها. أما بقية أشكال اللغة، فهي مجرد منظومة من القواعد والعادات. ففي أفضل حالاتها، تكون عادةً للحياة، لكن غالبًا ما تتحول إلى شيءٍ يخنقُ، ويقتل، ويغلق على الإنسان، فيصبح عدوانيًّا، وشريرًا أحيانًا. حتى عندما أتحدَّثُ مع محللين نفسيين، أو لاهوتيين، أو مع معظم الناس، أشعر أن لغتهم شريرة.
فقط من يمتلك تصورًا إنسانيًّا حقيقيًّا، يمتلك أيضًا لغة صديقة، ومنفتحة، ودقيقة.
هناك بالطبع بعض الفلاسفة واللاهوتيين الذين يدركون هذا، ويعرفون أن لغتهم أسيرة التقاليد. لكن الشيء الوحيد الذي أراه حقيقيًّا، والذي أشعرُ معه بقوةٍ بلا سلطةٍ، هو عندما أتمكّن من أن أجد شكلًا للغة.
أعتقد أن اللغة بالنسبة إليَّ هي الشكل، وأن الشكل هو البقاء، لأن البقاء لا وجود له في الوجود الإنساني إلا من خلال الشكل.
أعتبرُ نفسي كاتبًا باللغة الألمانية، وأنا نمساويٌّ. هذه هي الإجابة. وإذا أراد أحدٌ أن يسمِّيني كاتبًا نمساويًّا، فله ذلك، فهو أيضًا وصفٌ صحيحٌ. لكنني لا أستطيع أن أقول سوى إنني كاتب باللغة الألمانية، ونمساوي.
في سنوات الدراسة كنتُ مأخوذًا بهوميروس، وببيندار، وبهيراقليطس، وقد أعدتُ قراءة كل هؤلاء وغيرهم ممَّن قرأتهم في وقت مبكر جدًّا من حياتي، لكن هذه المرة قرأتهم ببطءٍ، وجوتة كذلك.
غير أن هناك كاتبًا واحدًا لم أفهمه بهذه الطريقة من قبل، والآن أرى كتابته مقدسةً بحقٍّ، لا مجازًا، أقصد هولدرلين.
لم أكن قد فهمته من قبل، أما الآن فأستطيعُ أن أقرأ أعماله كما لو كانت نصوصًا عالية المقام أخلاقيًّا، وكتابةً طاهرةً، لا تُجبر القارئ على الإيمان بها، لكنها، بما تمتلكهُ من جلالٍ، من جُمَلٍ شامخةٍ كالسلاسل الجبلية، تتيحُ له أن يؤمنَ، أو على الأقل أن يرى فيها مثالًا أعلى.
في هذه المرحلة أيضًا أقرأُ الكثير من الدراسات العلمية، فهي تمنحني نوعًا غريبًا من التركيز والسكينة، وقبل كل شيءٍ، دافعًا إبداعيًّا من طرازٍ آخر، ودافعًا موضوعيًّا خالصًا.
أما حين أقرأ وصفًا جيولوجيًّا، مثلًا، فإن هذا الدافع يظل محصورًا في ذاته، ومع ذلك يزدادُ قوة. لا يتحوَّلُ إلى صورٍ، بل يتَّجه، إن جاز التعبير، إلى داخل القواعد النحوية، فيبعث فيها حياةً جديدةً.
لديَّ تصورٌ محدَّدٌ عن المسرحية كما أراها الآن: شخصٌ واحدٌ يقفُ أمام الجمهور ويتحدثُ إليهم ثلاث ساعات متواصلة. هذه هي رؤيتي للدراما، لو أمكن كتابتها طبعًا، لكنها يجبُ أن تكون جادةًّ جدًّا ومفعمة بالشغف، وحينها فقط تُصبح دراما حقيقية. أمّا ما عدا ذلك، فيبدو لي على المسرح نوعًا من الحيلة أو الصناعة، بالنسبة لي على الأقل.
في وقتٍ ما كنتُ أرى نفسي بوضوحٍ ككاتبٍ مسرحيٍّ، خصوصًا عندما كتبتُ ''رحلة فوق بحيرة بودن''. آنذاك شعرت بأنَّ هذا هو المسرح الخالص، مسرحٌ جديدٌ تمامًا، وقد تحقَّق بكماله. ومنذ ذلك الحين فقدتُّ ذلك الإحساس، فهي تجربةٌ لا تتكررُ، ولم أستطع أن أذهب أبعد منها.
وربما تخيَّلتُ دراما أخرى خالصة، شخصٌ واحدٌ على المسرح يخاطبُ الجمهور، شيء شبيه بـ ''إهانة الجمهور''، لكن مختلف. غير أن تحقيق ذلك على نحو مشهديٍّ يتطلبُ أن أتصور العمل بكامله بعقلانيةٍ صارمةٍ، مشهدًا بعد مشهدٍ. ومع ذلك، الحقيقة في الكتابة لا تُخلق بالعقل، ولا بالتخطيط، ولا من خلال الملاحظة، بل تُخلق في المخيلة. تلك المراحل يجب أن تحدث مسبقًا، ولكن المخيلة وحدها تبتكر الحقيقة.
معظم ما نقرأ اليوم من كتابةٍ، يمكن أن نشعر أنه يفتقد إلى الاندفاع الخلَّاق، أي منضبطٍ وفق نمط معد سلفًا، وهذا ليس ما يثير أو يؤثِّر أو يحرر. لا أعني أن المخيلة يجب أن تنتج صورًا غريبة أو خيالات، بل أن اللغة التي تولد من هذا الاندفاع الخلَّاق تكون جديرة بالكتابة.
عندما ترتفعُ اللغة من أعماق المخيلة، كما ترتفعُ أرضٌ غارقةٌ من البحر، يمكن حينها أن تُكتب، وهكذا هي الحال معي في المسرحيات. فالكتابةُ في جوهرها نوع من الحلم، والكتابة الجيدة لا بد أن تكون عقلانية، لأن الكتابة فعلٌ عقلانيٌّ للغاية. كل جملةٍ عقلانيةٍ تحاولُ دائمًا أن تتجنَّبَ، والتجنُّب فعلٌ عقلانيٌّ، لكنَّ الجمل الإيجابية، والجمل التي تولد حياة، لا يمكن أن تُولد إلا من الحلم، وهذا أمرٌ صعبٌ جدًّا. لذلك فالقليلون يفهمون ما الأدب حقًّا، وكم هو مرهق أن تكتب، كل جملةٍ على حدة. كما قلت، مع المسرح لم يعد هذا الإحساس يأتيني. فبداياتٌ كثيرةٌ تتحرك داخلي، لكنها تبقى عالقة في مكانها.
ربما ستعود يومًا، فكل شيءٍ يحتاجُ إلى أن يتحرَّك، ويطفو مجددًا. أو ربما يفقدُ المرء هذه القدرة مع الزمن، فتتوقَّف الكتابة نفسها.
🛑طقوس الكتابة عند بيتر هاندكه:
كالعادة، حين أنخرطُ في عملٍ أدبيٍّ، أشعرُ أنَّني مُنفصلٌ عن ذاتي، متحوِّلٌ إلى شيءٍ آخر، آلةٌ للذاكرة والصياغة.
أكتبُ قصة أمي، أولاً لأنني أظنُّ أنني أعرفُ عنها، وعن الطريق الذي قادها إلى موتها، أكثر من أي محقِّقٍ خارجيٍّ قد يحاولُ ، بمساعدة دليلٍ دينيٍّ أو نفسيٍّ أو اجتماعيٍّ لتأويل الأحلام، أن يصل إلى تفسيرٍ سهلٍ لهذا “الانتحار المثير للاهتمام”.
وثانيًا، أكتبُ بدافعٍ شخصيٍّ، لأن الانشغال بعملٍ يعيدُ إليَّ الإحساس بالحياة.
وأخيرًا، كالمحقق الخارجيِّ ولكن بطريقةٍ مختلفةٍ، أرغبُ في أن أقدِّم هذا «الموت الإرادي» بوصفهِ حالة نموذجية، مثالًا يُتأمل.
لكن بالطبع، كل هذه التبريرات اعتباطية، ويمكن استبدالها بغيرها بكل سهولةٍ، وكلها ستكون اعتباطية أيضًا.
على أية حال، مررتُّ بلحظاتٍ من العجز التام عن الكلام، وكنتُ في حاجة إلى أن أصوغها، وإلى أن أمنحها شكلًا، وذلك الدافع نفسه الذي جعل الإنسان يكتبُ منذ فجر التاريخ.
بيتر هاندكه (١٩٤٢)


روائي وكاتب مسرحي ومترجم نمساوي حائز على جائزة نوبل في الآداب عام (٢٠١٩)
اختيار وترجمة: سارة حامد حواس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى