هويده عبدالعزيز - نظرية العصب والدم: نحو نقد إنسانيّ جديد للأدب... بحث في الإنسان بين البنية الدلالة تطبيق عملي على مفهوم الشعرية المعاصرة، هرطقة ل

نظرية العصب والدم: نحو نقد إنسانيّ جديد للأدب...
بحث في الإنسان بين البنية الدلالة
تطبيق عملي على مفهوم الشعرية المعاصرة،
هرطقة | للشاعرة التونسية مجيدة محمدي
-------------------------------------------------------

توطئة
القيمة الأدبية، مثلها مثل القيمة المادية، ليست مطلقة بل مقرونة بالسياق التاريخي والمناخ الثقافي الذي تخلقت فيه ونتجت عنه .
لو أنك قدّمتَ قطعة من الألماس لشاعر جاهلي، لظنّ أنّك تسخر منه؛ لأن معايير الجاهلي للجمال والثروة لم تكن ترى في الألماس شيئًا يتفوّق على الذهب أو السيوف أو الإبل
وهكذا في الشعر: ما يُعدّ قمة الجمال عند مدرسة أدبية قد يُعدّ فراغًا أو لغزًا مفخخا عند أخرى , وما هو ملتزم بالقواعد
( المدرسة الكلاسيكية) مرتبط بالعاطفة في أخرى
( الرومانسية ) وما هو مبني على الصدق ( الواقعية) مبني على الخيال ( الرمزية) وما هو متسم بالاتزان والانسجام( الكلاسيكي) متشظي في أخرى ( الحداثة وما بعد الحداثة)
فالشعراء الجاهليون كانوا يرون في الفخر والهجاء والمديح صميم الشعر، بينما يرى الحداثيون في الغموض والتشظّي سبيلًا إلى العمق والتجريب لفهم طبيعة التجربة الانسانية.
غير أنّ هذا لا يمنع من البحث عن معيارٍ جامع يتجاوز الأزمنة والبيئات، معيارٍ يُقارب بين الذائقات على اختلافها .
فكرة أن الجسد الشعري لا يقوم إلا على العصب وحده : الدلالة والكيفية فكرة متحفظة؛ منغلقة على ذاتها عقيمة لا ترقى لمصاف البحث والتمحيص والانفتاح على الآفاق الانسانية والفكرية بمختلف ثقافاتها وتعدداتها.
نظريا ربما، لكن السياق التاريخي والنقدي يقوض ذلك الجانب، الشعر أرحب أفقا وأسع شعابا.
يتغذى من العاطفة، وينهل من المخيلة، ويساهم في التجربة، والتلقي

Messenger_creation_23A32477-8CD8-4A47-9BF6-3189F91FFEBD.jpeg

إذن هما ضروريان، لكن حضورهما وحده لا يضمن اكتمال التجربة الشعرية . والا ندور في دائرة مفرغة فما الذي يجعل الأدب أدبا, والنص نصا, نظما أو نثرا؟
فالعصب يمنح القصيدة قوامها، أما الدم فيجعلها تنبض، وبينهما يتحدد مصير النص بين الحياة والفناء .
فبعض النقاد (كابن قتيبة والجاحظ) جعلوا الخيال روح الشعر
والرومانسيون رأوا في الشعر عاطفة صادقة قبل كل شيء
الحداثيون يرون أن الشعر تعبير عن تجربة داخلية واعية وليست مجرّد كلمات جميلة منمقة في أي قالب كان شعرا أو نثرا
أما في مدارس التلقي ( موت المؤلف) و ما بعد البنيوية فأعطت القارئ دورًا في إنتاج المعنى.
الشعر جسد و روح ولايكتفي ب ( دلالة وكيفية)؛ لكنه يحتاج جانبهما الى الرؤية الجمالية التي تلتقط الصورة الشعرية وتترجمها إلى لغة وكلمات. والى الحس السمعي الذي يتراقص نبضه على الايقاع والى طاقة واعية بالنسق تبتكر وتستنبط و تربط بين الاضداد والى العاطفة التي تحيي النص وتجعله صادق الاثر.
ومن هذا كله القارئ المتلقٍ للنص، و الدور الوظيفي الذي يغذيه
بين ما هو متوقف على الفهم والاستمتاع وبين ما هو مشارك في صناعة المعنى فكلما تعددت الدلالات والكيفيات اتسعت الآفاق على نحو أرحب.
ما بين النظرية الأدبية والمبادئ النقدية وتقنيات القراءة،
عوالم تتقاطع، ومفارقات تتناسل، وأطروحات تتزاحم في محاولات التأطير
تنجلي عنها أحيانًا كيانات درامية، وأحايين أخر صور ظرفية ساخرة،
فيما تظلّ معايير العظمة الأدبية بين التأصيل والتجريب،
لم تؤتِ أُكُلَها بعد و المرافعات الأدبية التي نشهدها
في معايير الشعر هي إلا نُذر غير معلومة في قانون الإنسانية.
وليس عبثًا أن يُستدعى في هذا المقام قول علقمة الفحل ::
ذهبتَ من الهجرانِ في كلِّ مذهبِ ...
ولم يكُ حقًّا طولُ هذا التجنُّبِ
فالبيت، وإن بدا في ظاهره عتابًا عاشقًا، ففي عمقه صدى لموقفٍ نقديٍّ وإنسانيٍّ معًا؛ إذ يرمز “الهجران” إلى ذلك الابتعاد الطويل الذي مارسته المناهج النقدية عن جوهر التجربة الأدبية، حين أغرقت نفسها في البنية، ونسيت حرارة الدم في عروق الشعر .

Messenger_creation_FBE1DC35-502B-438A-BCD1-5D94644DE5FF.jpeg

كأنّ علقمة، بوجدانه البدائي النقي، يمدّ صوته عبر الزمن ليعاتبنا نحن أيضًا:
لمَ هذا التجنّب الطويل للإنسان في خطاب الأدب؟
فكما لا يكتمل الحبّ دون العاطفة، لا يكتمل النصّ دون الروح التي تُستنهضه من رماده وجموده .
لقد ذهب النقد في كل مذهبٍ ومنهج وتقنية، لكنه أطال التجنّب عن جوهر الأدب الحيّ، عن الإنسان ذاته .
فما عاد الأدب في كثير من مقارباته سوى مختبرٍ لغوي بارد، نُزعت منه حرارة التجربة وارتعاشة الوجدان وغلفته رطانات وهراءات "لاتسمن ولا تغني من جوع"...
وهذا التشظّي الذي يصفه البعض بالفوضى، ليس في حقيقته هدمًا، بل هو ثيمة العصر ومرآته؛
تعبير عن وعيٍ جديد يرفض القوالب النمطية والحكم المسبق،
ويبحث عن ذاته في التعدد والتناقض .
إنه تشظٍّ منضبط بإيقاعه الداخلي، لا فوضى بلا نبض
ولعل الشعر كان أسبق من النقد في إدراك عمق هذا التحول؛
فقد بدأ رحلته من القصيدة العمودية ذات الإيقاع الخارجي المنتظم،
إلى الشعر الحرّ الذي تحرّر من وحدة البحر دون أن يفقد إيقاعه،
ثم إلى قصيدة النثر التي احتفظت بالجوهر الشعري في شكلٍ جديد،
لينتقل في مراحل أكثر كثافة وإيحاء إلى الكتابة الشذرية والومضية وأدب التوقيعات،
حيث تبلغ اللغة حدّها الأقصى من التوتر والدلالة،
ويغدو الصمت جزءًا من المعنى، والفراغ شريكًا في الإيقاع.
تلك إذن هي نظرية العصب والدم:
محاولة لإعادة الإنسان - بكل عاطفته ووعيه - إلى صميم التجربة الأدبية، حيث لا يبقى الشعر بنية لغوية فحسب، بل حياة تنبض بالمعنى وتجربة غنية بالاثر.



-------------------
هامش للمطالعة والاستزادة في هذا المضمار
انظر :
نظرية #كلينث_بروكس في النقد الحديث
الأدب والغرابة – دراسات بنيوية في الأدب العربي : عبد الفتاح كيليطو
تشريح النقد - نورثرب فراي
ويتبع بــــــــــــــتطبيق عملي على قصيدة هرطقة للشاعرة التونسية مجيدة محمدي
#هويده_عبد_العزيز
------------------------------------------------------------
قراءة في نص
هـــــــــــــرطقة " للشاعرة التونسية مجيدة محمدي
*****************************
تأخذنا الأستاذة مجيدة محمدي في قصيدتها المعنونة بـ«هرطقة» في رحلة انعتاقٍ نفسي، بحثًا عن تلك الأصالة الفردية التي سحقت تحت أثقال الذوات المتوارثة. ليست الهرطقة هنا خرقا للمقدّس بقدر ما هي استعادة للجوهر الإنساني من قوالب الجمود و التكرار، وإيقاظ لصوت الروح الذي طال صمته تحت قيود الامتثال.
ففي عمق هذا النص تتجلّى فكرة الإنسان بوصفه خليفة في الأرض؛ كائنًا مُحمّلا بمسؤولية المعنى، وليس مجرّد تابع لإرثٍ صامت.
إنّه الكائن الذي خُلق ليسأل:
لماذا وُجد؟ وما الذي ينبغي أن يصنعه بوجوده؟
من هنا ينطلق الشعر نحو استنهاض متمرّد على الثبات، نابض برغبة تأكيد الوعي في وجه العدم. وعبر قالبٍ نثريّ رمزي، تعيد الشاعرة تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته، حيث يصبح الانفلات عن الجمود الفكري درجا في الوعي الإنساني يطلب الحقيقة لا فوضى أو نقضا للموروث. وهكذا تتحوّل «الهرطقة» من شبهة إلى رسالة تنويرية ومسار معرفة، تُذكّر بأنّ للإنسان بدوره في ابتكار المعنى وليس في استهلاكه فقط؛ وأنّ خلافته لا تستقيم إلا بقدر ما يملك من الشجاعة لطرح الأسئلة التي تُنقذه من العدم، وتثبّته في مقام الوعي والاستخلاف.
فتقول في المقطع الأول:
هرطقةٌ، "
تلك التي تسللت من بين ضلوعي ذات مساء ؛
حين كنت أُقلّبُ في الكتب القديمة
وأبحث عن اسمي في هوامش الأنبياء .
تلج الشاعرة في غمار الأسئلة الوجودية عبر أكثر المقولات الفلسفية
تدولا: قول أرسطو «اعرف نفسك»،
وما عبّر عنه المنفلوطي: «حسبك من الذكاء أن تعرف قيمتك». وهي مقولات تفتح أبواب الإشكالات المعرفية والوجودية عمقًا واتساعًا معًا:.
فعلى المستوى المعرفي، لا تتجه مجيدة إلى التمرّد بوصفه هدمًا، لكن تتخذ من التفرّد رؤيا ونبضًا؛ تمارسه لغةً وإبداعًا، جاعلةً من الورق ميدانًا لثورتها، ومن القلم رايةً لنضجها. ميدانٌ يجتث التقاليد البالية ويوقظ الأفهام في زمن التردّي الفكري والاضطراب الاجتماعي، ليشهد ميلاد وعيٍ جديد يتكئ على الشكّ، لا بوصفه نقيضًا للإيمان، إنما باعتباره أولى درجات اليقين. فالعقل في تجربتها لا يكتفي باستهلاك المعنى، بل يجرّب إنتاجه وابتكار مساره الخاص .
ألم يقل ابن رشد قبل أن ينطق ديكارت لاحقًا:
الشكّ مقدّمة اليقين؟ وكأن الشاعرة تهمس في جوهر السؤال:
لماذا أنا هنا؟ وكيف أعلم أن ما أعرفه… حقّ؟
إنّ السؤال يوقظ الوعي، ويكشف الهوّة بين المتوارَث بوصفه عادة، وبين الحياة بوصفها اختيارًا حرًا. فالتحديث في الأدب والفن ليس دربا من الشطط ولا تجديفًا ضد التيار، بل غربلةٌ كبرى للذائقة والوعي، حتى لا يبقى الإنسان متشظّيًا عن ذاته ومجتمعه. ولعلّ من دلائل وما يبرهن على كلامي .
ندرة الجمهور المتذوّق للشعر اليوم؛ فاللغة إذا ابتعدت عن منبعها الحيّ تحوّلت مياهها كلّها إلى ملح أُجاج .
أما «الهرطقة» هنا، فلا تُؤخذ بمعناها الفقهي المقيّد ببدع وخرافات، إنما بوصفها بوصلة و شعلة وعي أصيل لم يُستعر من مرجعية متسلّطة، لكنه تفجّر من قلب الذات الشاعرة. ولهذا جاء التعبير في قولها:
«تلك التي تسللت من بين ضلوعي ذات مساء»،
حيث يولّد فعل التسلل توتّرًا شعوريًا - ايقاعا زماكانيا- بين خفة الانبثاق وثقل الزمن، فتغدو القصيدة لحظةً زمنية مسروقة تسكن الوقائع وتنبض بالحياة .
ثمّة دلالة لافتة في قولها «تُقَلِّبُ الكتب» عوضا عن قراءة الكتب؛ فالتقليب فعل بحثٍ وتمحيصٍ واستنطاقٍ للهوامش، وليس مرورا عابرا فوق السطور.
إنّها تبحث عن ما تخفيه النصوص من أسرار، وتذيّل التجربة بـ «اسمها» هي، تأكيدًا لحقّ الذات في توقيع وجودها. ولو استبدلت لفظيا الكتب "بسِيَر أنبياء " لمَا استقام المعنى؛ لأنّ ما تطلبه القصيدة ليس قداسة مهيمنة، بل مساحة ظلالية تحفظ فيها الذات استقلالها وسط المتون الثقيلة .
نستطيع القول ب
إنّها رحلة اغترابٍ روحيّ، يلازمه سفرا حثيثا دائما نحو الصدق والشفافية
في زمن كثر فيه مدعي الحقيقة. ليست محاولة منها لبلوغ مقام النبوّة،
إنما للوقوف كحلم إنساني وارف يتوق ويطمح بأن يرى شعلته, وأن يصغي العالم لنداء الهداية الكامن فيه.
---------------------------------
هرطقةٌ،
حين قلتُ:
السماء ليست دائمًا زرقاء،
وأنَّ اللغة العربية تنصلت من جناحيها، الضاد والظاء
---------------------------------
وفي هذا المقطع تتولّد الهرطقة الثانية البريئة، غير المقصود بها نقض الجذور بل إعادة تأويلها؛ إذ تمتدّ لتشكّل مسارًا فكريًا ووجدانيًا مضادًا للامتثال.
فالانقلاب الدلالي والمعرفي الذي تمارسه الشاعرة لا يزعزع الحقائق ولا يقذف بالمسلّمات إلى العدم، بل يذكّر بأنّ ما هو متوارث أو أصيل ليس بمنأى عن السؤال والتفنيد.
فالسماء في حقيقتها - علميا - ليست لونًا واحدًا ولا معنى أحاديا؛ قد تكون صفحة بيضاء ساكنة، أو كتلة ركامية ثقيلة، أو حُمرة قانية عند الغروب والشروق، وفق اختلاف الضوء وتشتته.
وكذا اللغة: الضاد والظاء، النثر والنظم… كلّها احتمالات تثري العربية وتمنح شعريتها آفاقا لا نهائية .
العقول، مهما اختلفت طبائعها، والقلوب مهما تباينت نبضاتها، تلتقي في ساحات الحوار، غير أنّ لكلّ كائنٍ أسلوبه الخاص في التحليق: فمنهم من يحلق فوق القمم، ومنهم من يرتاد الفضاءات , ومنهم من يعلو فوق البحار، ومنهم من لا يغادر سطح الأرض كطائر الطاووس…
ومع ذلك لا يُنتقص من جماله شيء. .
ولولا "اختلاف الأذواق والبضائع لبارت السلع" وانطفأ شعل الإبداع. لذلك فإن تغييب أحد جناحي التعبير - النظم أو النثر- إنما هو تقييدٌ لقدرة الإنسان على التحليق والتغريد، وإضعاف لطاقته على بناء المعنى. فكثير من الشعر الحداثي لا يتجاوز كونه نظماً جميلاً على منوال الخليل، لكنه قد يخلو من الروح إذ لا يسكنه نبض الشعر ولا شغف يغري الكشف عنه ورفع الحجاب عن كلامه .
إنّ الشاعرة بهذا المنظور تتحرّر من كلّ قيد يجعل الجمال تكرارًا باهتًا لا نبض فيه، وتشرع للشعر بابًا كي يعود حياة تُعاش لا قالبًا يُحاك
-----------------------------------
كنتُ طفلة حين ارتكبت أولى خطايا الوعي،
حين سألت أبي ،
لماذا لا يصلي الصخر؟
ولماذا يموت الضوء في نهاية كل مغيب؟
ضحك، وقال ،
تلك مجرد هرطقة.
فصمتُّ،
لكنني كتبتُ السؤال في نخاعي الشوكي،
وتركتُه ينمو مثل وردةٍ مبللةٍ في زمن الجفاف.
----------------------------------------------
في المقطع الثالث تسترجع الذات الشاعرة زمن الدهشة الأولى عبر تقنية الفلاش باك، لتؤكد على تجذر المأساة وأنها ضاربة في العمق منذ لحظة السؤال الأولى.
هناك، حيث يثار غبار الشكّ وتُتَّهم التساؤلات البريئة بالخطيئة،
تبرز أخطر الأسئلة الوجودية عن:
ما ماهية الوعي؟
ولمن تخضع سلطة التفكير؟
سؤال يهزّ اليقين، ويرجّ أبراج القناعة المشيدة بقناعات،
ويمنح الكائن جناحين يطير بهما نحو رؤيته الخاصة للعالم.
وكأن الوعي - في سياق اجتماعي مقموع - خطيئة تضاف إلى لائحة الخطايا الكبرى الكاردينالية السبع حسب التقليد الكنسي
لكن الوعي ، أهو خطيئة حقًا؟
أم أنّه جوهر الإدراك الإنساني وشرارة النمو الروحي والفكري؟
فالوعي يحمل في طيّاته نورًا وظلًا معًا:
نورًا لأنّه إدراك لقدرة الإنسان على التساؤل، وظلّا لأنّ هذا الإدراك قد يتحوّل إلى كِبرٍ وأحقادوطغائن معرفية إذا لم يُلازمه تواضعٌ أخلاقي. وهو أيضًا نهمٌ نحو المعرفة يولّده الشعور بالنقص الوجودي، وقد يغدو انحرافًا حين تنفصل المعرفة عن غاياتها الأخلاقية.
والوعي بوّابة شكّ؛ والشكّ لدى من يهاب اليقظة هرطقة تهدّد السكون الإيماني والعقائدي.
ومن هنا تنبت الأسئلة الطفولية الكبرى
لماذا لا يصلّي الصخر؟
ولماذا يموت الضوء في كل مغيب؟
ليست هذه الأسئلة بحثًا عن إجابات مادّية،
بل تحدٍّ فلسفيّ لمحدودية العقل البشري ؛ فالصخر -
وإن بدا صامتًا- يسبّح بحمد ربّه كما يقرر النصّ القرآني المحكم:
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الاسراء 44
والضوء لا يموت، بل يتحوّل؛ .......
فالحضور والغياب، النوم والموت، الليل والنهار… ثنائيات كونية يتجلّى بها قانون التحوّل الالهي (سنن كونية ) وليس قانون الفناء.
ويبقى لكل شيء سنامه، كما جاء في الحديث الشريف، دون أن يُبطل الأعلى قيمةَ ما دونه؛ فالقمم تمنح المعنى للسهول، وتنوّع المشارب لا يلغي الحقيقة؛ إنما يصبّ في بحرها . وهكذا يبقى لكل عصر وهجه الأدبي، ولكل الإنسان نصيبه من النور، دون إقصاء ولا مصادرة .
في هذا الأفق البنيوي، تمسك الشاعرة بأوّل خيط في التربية الوجدانية: حقّ الإنسان في السؤال. غير أنّ هذا الحقّ المسلوب
واجه ضحكةَ الأب التي فرضت القمع بوصفه تأديبًا، وحوّلت الصمت إلى طاعة عمياء .
لكنّ المفارقة الجوهرية أنّ الصمت غدا أوّل إشعاع للوعي؛ فالسؤال المقموع لم يمت، لكنه
دفن في العصب الحياة الحي…
هناك في نخاع الذاكرة، ينمو خفيًا، ويعود كلّما ارتفعت شرارة
دهشة جديدة .
إنّ السؤال الجوهري ليس فيما نطرحه على الوجود، بل ما يفرضه الوجود علينا. وندرك أنّنا بلغنا عتبة الوعي حين نعجز عن الهرب من السؤال؛ حين يتحوّل إلى حاجة ماسة لا تُخمدها الأجوبة الجاهزة، ولا تروّضها السخرية. فالسؤال ممنوعٌ من الكلام…
لكنه يواصل حياته خفية كخلية متسرطنة، حتى يغدو قانونا جديدا للمقاومة، ولحقّ الإنسان في أن يكون كائنًا من نور وأمل وحلم , لا كائنا يستهلكه
الخوف و الكبت لذلك قلتُ ذات مرة :
اكتبْ...
فالكلمة فعل مقاومة، مقاومة العدم، الفراغ، الإنطفاء اكتب لأن الجمال لا يموت ما دام في الحروف أثر"
-------------------------
كبرتُ،
وصار في داخلي مسرحٌ من الأصوات المتعارضة؛
كلُّ فكرةٍ تُطلّ بلسانين،
وكلُّ إيمانٍ يجرّ وراءه ظلًا مُرتعشًا،
وكلُّ يقينٍ يفتح أبوابًا خلفيّة
تتسرّب منها رياحُ الشكّ.
قلتُ لليل:
لستَ ظلامًا… إنّما مرآةُ الضوء الخائف.
فصفّق لي الليلُ — وصار صديقي.
قالوا: تلك هرطقة.
قلتُ: بل فسحةٌ بين التفسير والسكوت،
بين السجود والوقوف منتصبًا
في وجه الحكاية.
ثم تستأنف رحلة الوعي بخطى مُتسارعة؛ لكن صحوات الوعي مهما اشتدّت صراعاتها؛ تبقى ثورةً خامدةً في ظاهرها، مشتعلةً في باطنها. ثورةٌ تنتظر شرارتها لتنطلق وتفيض .
فإن فاض الوعي، انقلبت الصراعات الداخليّة والتراكمات المعرفيّة إلى روافد دلالية ووجدانية زاخرة، تتعدد ألوانها وتتنوع مشاربها و تتشعب اتجاهاتها، ويتحوّل العقلُ إلى خشبة مسرحٍ عبثيّ تُجسّد عليه الأفكار أدوارًا مزدوجة: فتغدو لكل فكرة لها لسانان،
والإيمان يصحبه شكٌّ يسير خلفه كظلٍّ لا يفارقه
إنّ هذه الكثافة التصويريّة تمنح النص طبقات من المعنى، وتربط متنه بسؤال الوجود الذي يلاحق الإنسان منذ بدء الأسئلة.
ثمّ تتابع الذات مسار رحلتها بثقةٍ متنامية، لتصنع حوارًا وجدانيًّا مع عناصر الكون والطبيعة خارج النسق الموروث؛
فالليلُ يغدو مرشدها الروحي ، والظلام باعث على السكينةٍ و الأنس،
والعناصر كلُّها شاهدةٌ على تحرّر الرموز من قوالبها الجاهزة.
هذا الانقلاب الدلالي ليس تشكيلًا بلاغيًّا فقط، بل
بيانا لاستعادة القدرة على تسمية العالم كما نراه نحن لا كما ورثناه.
إنّ النص، عبر هذا التحوّل الدلالي، لا يكتفي بتسجيل لحظة الوعي الأولى، بل يرسّخ مشروعا وجوديًا يحرّر الأشياء من قوالبها ويردّها إلى حقيقتها الأولى؛
فيغدو الليل مرآيا وليس نقيضًا للنهار، ويصبح الشك بابًا للفهم وليس بابًا للهرطقة والخروج عن العقيدة والمألوف أو نقائض للمفاخرة و الهجاء المتبادل .
إنّها دعوةٌ صريحة إلى إعادة تعريف الإيمان بوصفه
القدرة على طرح السؤال وليس قفصا تكمم به الأفواه،
وإلى قراءة الكون بعيون القلب وليس بنبض الموروث المدنس بالدم ,
المحمل بأدران الآخرين , الموشح بالخوف والنبذ والاقصاء .
هكذا تتحوّل الهرطقة من وصمة إلى حقّ أصيل في اكتشاف المعنى و استجلاء منطقة العتمة فيه
إلى فضاء لا يحاكم فيه السؤال بتهمة الخروج عن القطيع ، إنما يجعلهُ جسرا إلى الانطلاق و الحرية.
***********************************
تلك التي سميتموها هرطقة،
هي التي علمتني أن أسمع الموسيقى في بكاء النافذة،
وأن أقرأ الحروف في طيران النمل،
وأن أرى وجهي الحقيقي في عيون الغيم.
فالهرطقة هنا ليست خروجًا على المقدّس، بل نافذة تتنفّس منها الروح خارج قوالب الامتثال، وتجعل الإدراك اشتباكًا وجدانيًا وجماليًا مع الموجودات، حيث يتحوّل المستتر والمهمّش إلى معنى نابض بالحياة، وتغدو الأشياء - مهما صغُر شأنها - إشارات عليا تكشف وتكتشف سرّ الوجود.
إنها جوهر الكشف العرفاني الذي يصنع من الهرطقة طريقًا إلى معرفة الله،
ويعيد بناء نظام الدلالة انطلاقًا من الذات وليس امتثالا للمفروض عليها.
وحين تقول الشاعرة: "أنا ابنة الريح"
استعارة للحرية والانطلاق والأصالة، كما في الخيل العربية التي حفظ لها التراث صفاء العروق وجموح الروح؛ فهي ابنة الصوت الذي لا يلزمه جدار، وابنة الطريق الذي لا يعترف بالقيود.
ثم تبلغ التجربة ذروتها في قولها:
"أتهجّى الخلق من جديد… سأقوم رمادًا ناطقًا"
في تناص بديع واستدعاء رمزي لأسطورة مع طائر الفينيق -- العنقاء،- حيث النار تصهر التجربة وتطهر الروح وتنهض بها من رمادها؛ فيصبح
طائرًا مرادفا للحرية يتسامى في فضاء المعنى.
وهكذا تتجلّى الهرطقة في معراجها لا قطيعة مع السماء ولا عبورًا أعمى في الطين، بل كممرّ ينقل المقدّس إلى الداخل – القلب -،
ويمنح العالم لغة تُقال بالنور لا عنه .
------------------------------------------------
الجزء الثاني
فتنة المعنى ودهشة الاكتشاف :
رؤية في آداب التلقي وتجليات النقد
----------------------------------------------------------
لم أخطُ بعد عتبة نص الأستاذة "مجيدة"، ولكن…
أليس من حق المتفرج أن يعرف قواعد المسرح الذي يشهده؟
وأن أكشف له عما غفل عنه من رؤى وإضاءات نقدية، وأن أبيّن له كيف أشتغل مع النص وفيه، لا عليه؛ وأن الناقد ليس فوق النصّ ولا خلفه، لكنه في قلب مغامرته الوجودية.
فأنا أدخل النص كمن يدخل معبدًا
يفتش عن تلك الشرارة المقدسة التي أضاءته.
والنقدُ، في جوهره، ليس رصدًا للمحاسن والمثالب، ولا بحثًا عمّا لا يستحق الذكر، ولا ألعب فيه لعبةَ الكاهنة العظمى على خزائن الأدب، أو أزاحم فيه أدوار المهاترات التي تبحث عن علل اللغة، ولا هو ذاك المقصلةً التي يعلو بها الجلّاد ليفصل رؤوس ضحاياه.
إنما هو لحظة أثيرية تتكشف فيها البصيرة، ويتجلّى فيها المعنى كما يتجلّى السرّ لدى العارفين؛ عبور من الغيب إلى التجلي، وباب إذا عبره القارئُ النافذ لا يعود نفسه، إذ يغمره السكر من خمر المعنى، فلا يبقى
في وعيه سوى الدهشة الخالصة.
لست هنا لإصدار أحكام أو تثبيت قوالب جامدة، بل لاستنهاض البعد الخفيّ في طبقات الدلالة: روح النصّ ونواته الشعورية وإشراقاته التي تترك أثرها في الروح والذاكرة.
فما كان من النصوص قويّا ارتقى إلى مراتب الخلود، وما كان ضعيفًا توارى في مقبرة النسيان.
فالتلقّي عادة ليس موقفًا أحاديًا , سلبيا كان أم ايجابيا يقف فيه القارئ خارج النص، إنما مشاركة فعالة في ولادة المعنى؛ إذ يُقبل القارئ على النصّ بأفق منفتح، ويمنح لغته فرصة لأن تدهشه وتعيد تشكيل وعيه.

فالنصّ لا يُختزل في الفكرة وحدها، بل في إيقاعه ورموزه وأسراره التي
لا تتجلّى إلا لمن يحسن الإنصات، ويحفظ المسافة بينه وبين النص كي لا يفرض عليه ما ليس فيه ولا يلغي ما يؤهّله للبقاء.

وحين يحضر العقل إلى جانب العاطفة، وتتناغم الحواس مع الوعي، يتحوّل التلقّي إلى فعلٍ خلاق، يكتب فيه القارئ نصّه الموازي، وتستيقظ الدلالة من سباتها لتشرق بحياةٍ جديدة في قلب من يقرؤها.

وقد يزعم بعض المتفقيهين أن الناقد هو من يختار النصّ.
وبعض الظنّ إثم.
فالحقيقة كما تتكشف؛ أنّ النصّ هو من يختار صداه ومداه وناقدَه وناقله، كما تختار الروحُ من يخاطب وجدانها وتختار البذرة الأرض الصالحة لاحتضانها.
فأنا غالبًا لا أختار نصًّا ولا كاتبًا بعينه؛ الجميع في نظري سواء.
لكنّ النص الجيد وحده يفرض حضوره للطيف المرئي القادر على سماع نبضه وترجمة لغته ونوره.
فأحمله معي من لغة النور إلى لغات الأرض:
لغة الفكرة والصورة والرمز، لغة الشعور والتجربة، ليكتمل فيه السّر بالظّهور.
وقد يختار النصّ ناقدَه، غير أنّ هذا الاختيار قد لايثمر ولا يغني من جوع، ويتوقّف أحيانًا في منتصف الطريق؛ فليس كلّ اقتراب اكتمالا، ولا في كلّ نداءٍ استغاثة. قد يلتفت النصّ إلى ناقده ثمّ يحجب عنه بقيّة المسار، لأنّ الناقد لم يبلغ بعدُ ذروة العتبة التي تتهيّأ عندها الروح لاستقبال الإشارة.
فالنصّ لا يمنح أسراره لمن في أولى مقامات الإصغاء، لكنه يتحين اللحظة التي تنضج فيها البصيرة، ويتّسع الوعي لعبور الضوء دون أن يتكسّر في الطريق.
فالنقدُ ليس حراسةً مشددة على عتبات النصّ، بل عبورٌ إلى أغوار فكره وإلتقاط لإشاراته؛ لحظة تتّسع فيها الرؤية كي تلتقط ما يتخفّى بين السطور من نبض المعنى ودهشة الروح. هو قراءة لا تكتفي بتفسير الظاهر، بل تتوغّل إلى ما خلف المرآة، حيث يشرق النصّ بنوره الباطن، ويتحوّل إلى تجربة تُعاد كتابتها بوعي جديد.
في كلّ تجلٍّ نقديّ تولد دلالة، وتُعاد للغة أنفاسها الأولى، كأنّ الناقد يوقظ ما خُلق للنور في النصّ، فيخرجه من عتمة الاعتياد إلى فضاء الكشف. فالنقد - في أرقى مقاماته - هو فنّ إحياء النصّ، وإعادة بريقه إلى سفر الخلود..

و على المستوى الإبداعي
على المستوى الإبداعي، تحاصرنا مجيدة في مناطق رمادية لا نستطيع لها فكاك؛ بين جوهر الإبداع وجوهر الاختلاف، بين الأصالة والحداثة، بين ميلاد التراجيديا بما تحمله من (مأساة الهرطقة)، وروح الموسيقى التي تتجسد فيها أعمق انفعالات الروح. فالموسيقى ليست ترفًا، بل هي اللغة الخفية للوعي، والإيقاع الذي يطرق جدران الداخل حتى يولّد نشوة لغوية تتجاوز المنطق، وقلقًا نغميًا يتأرجح بين الدعاء واللعنة. هذا هو الجوهر الديونيسوسي الصرف الذي سبقنا إلى تعريفه "نيتشه:
في كتابه " ميلاد التراجيديا من روح الموسيقى "
يقول نيتشه إن الفن العظيم يولد من تصادم أبولون (العقل/النظام) مع ديونيسوس (الجنون/التحرر الروحي). في هذا التصادم يتولد الشرر الخلّاق، وتُصاغ المأساة بوصفها رؤية تتجاوز حدود البشر.
في التراجيديا، يرى البطل ما لا يراه الآخرون؛ فيُعاقَب على بصيرته بالعزلة أو بالموت. أما في الهرطقة، فالبصيرة أكثر حدّة وخطرًا، لأنها تشكل تهديدًا مباشرًا للاحتمال الاجتماعي ونسقه القيمي.
وهكذا، إذا كانت القصيدة تكشف صراع الشاعر مع المجتمع، وتوقه للتحرر الروحي، و الاحتفاء بجمال التمرد رغم الألم، فهذا جوهر التراجيديا ديونيسوس المعاصرة:
صوت الروح حين تعلن اختلافها، وتدفع ثمن الحقيقة شعرًا وندبة وموسيقى
شعرية الهرطقة في قصيدة مجيدة :
«تلك التي سميتموها هرطقة…
هي التي علمتني أن أسمع الموسيقى في بكاء النافذة…».

هنا تتحول “الهرطقة” من مصطلح عقائدي إلى منهج إدراك.
النافذة تبكي = الموسيقى تتسرّب كحبات المطر؛ إنها عملية إعادة تأويل للعالم خارج النسق الاجتماعي المعتاد. فالوعي الجمالي يصبح فعل مقاومة ضد البلادة الحسية المفروضة؛ لأن الجمال لا يوجد حيث يُملى، ولا يلقن، بل حيث ينشأ الشاعر رؤيته .
«وأن أقرأ الحروف في طيران النمل…».
هذا تحرير للحواس من رقابة “العقل الجمعي”.
فالنملة — كائن صغير ومهمل — تتحول إلى علامة وعالم لغوي. هنا تبرز نزعة ديونيسوسية في الاحتفاء بالفوضوي والهامشي، وشعرية في تحويل التفاصيل إلى نصوص.
إنه انقلاب على مركزية المعنى التقليدي: ما كان صامتًا يصبح لغة، وما كان مجهريًا يصبح كونًا.
«وأن أرى وجهي الحقيقي في عيون الغيم.»
الغيم — مادة هلامية متحوّلة — يتحوّل هنا إلى مرآة للذات. تتجسد الهرطقة كحقيقة وجودية وليست هوية مسيّجة. إنه تمرّد على إجبار الذات على ثبات غير إنساني، فيما تحمل الرسالة نواة الفلسفة: التحوّل هو حقيقتنا الأكثر صدقًا في عالم يموج بالضجيج.
«تلك التي نفيتموها خارج مدينة المعنى…».
هذا التوكيد " تلك التي علمتني وتلك التي علمتني يشير إلى الهرطقة كقوة فاعلة ومصدر للمعرفة، ويمنح المقطع إيقاعًا سرديًا متصاعدًا. كما يوحي سلطة المجتمع:
حيث هناك “مدينة” هناك نظم معرفية وقوانين إجتماعية تُدير شرعية المعنى، وقد تكون سائدة أو ثقافية منغلق عليها, بينما يقف الشاعر خارج المتن. والنفي كناية عن التحرر أو النبذ الاجتماعي و الفكري هنا اعتراف غير مباشر بقوة النص؛ فالسلطة لا تنفي إلّا من يهدد قانونها ويهدد أصول يقينها.
«وجعلت من لساني شجرةً تنبت فصولًا جديدة،
ولا تخضع لمواقيت الفقهاء.»
هذه الاستعارة تمثيلية/تشبيه بليغ
للسان هو (أداة النطق والتعبير) بالشجرة (الخصوبة، النمو، التجديد)، تنمو بمعزل عن "مواقيت الفقهاء" (قواعد النقد أو الفكر الجامد)، للدلالة على حرية الإبداع وتجدده الدائم.
فالنموّ لا يخضع لتقويم الشريعة الجمالية. الفقهاء هنا رمز للحراس المحافظين على المعنى. إنّه إعلان صريح بأن الخلق يسبق التقنين، وأن الفن لا يقنن ولا يحصر داخل أسوار وقلاع. إنها اللحظة الديونيسوسية الآثرة : الشعر (حرية الإبداع و خطر التحرر و خصوبة المعنى). وليس هناك
قوة قادرة على وقف مدّه.
المفارقة بين الصوت الضعيف ("مبحوح") والقراءة من
"كتاب لم يُكتب بعد" كناية عن (المستقبل المشوش أو المعرفة الجديدة غير المدونة وعن صعوبة اكتشاف الحقيقة .
الجمل الاعتراضية/الاستنكارية: سؤال "هرطقة؟ نعم."
هو تقنية بلاغية تستخدم لـاستباق الحكم وتأكيد الموقف، حيث تُقرّ الشاعرة بالوصف الاجتماعي (هرطقة) ثم تعيد تعريفه من الداخل (كسفر للبحث عن الحقيقة).
وكان ذلك على سبيل المثال لا المثال فالقصيدة تتكىء القصيدة بأسلوبها ورمزيتها على الكثير من الإيحاء والتجسيد والاستعارات والكنايات ، والكثير من التوكيدات والمفارقات التي تحول دون استسلام الشاعرة و تحويل الوصم الاجتماعي إلى قوة إبداعية تتجاوز المنطق الإنساني .

في ضوء «نظرية العصب والدم» يمكن النظر إلى فعل الإبداع ـ كما تجسده قصيدة “مجيدة” ـ بوصفه توازنا ديناميا بين قوتين مؤسستين للوجود الجمالي:
فالعصب هو توتر النص وقلقه الخلّاق، تلك الصدمة التي توقظ الحواس وتدفع الوعي نحو الفوضى الخصبة، هو ديونيسوس وهو يشعل شرارة الاختلاف والابتكار ويخلق المعنى من العدم. أما الدم فهو الامتداد والدفء والحياة، التدفق الذي يمنح التجربة جسدها ويمكّن الرؤيا من البقاء، هو أيضا أبولون وهو ينظم مفرداته حتى تصير لغة قابلة للتداول والاستمرار.
وبين هاتين القوتين يتولد الشعر ككهرباء تسري في الأعصاب، وحرارة تحفظها الدورة الدموية الجامحة للخيال.
لذلك فإن القصيدة الهرطوقية لا تكتفي بإعلان التمرد، بل تمنحه جسدًا نابضًا؛ وحسا مترفا , نصا تتوهج فيه الرغبة ويتدفق فيه الوعي، فتتحول الحرية إلى كتابة تتحرك بفعل توتر داخلي لا ينطفئ.
وهنا تظهر “مجيدة” لا بوصفها صوتًا منفعلًا بالعالم، بل كجسد يرسم العالم على مقاس رؤيته: عصبها هو السؤال الذي يفتح الأبواب الموصدة، ودمها هو الجواب الذي يمنح تلك الأبواب المعنى والوجود.

يتجلى الإبداع هنا بوصفه حركة دؤوبة، توترا يرفض السكون، ونبضًا يعيد للغة حقها في الحياة.
الهرطقة كما تكشفها هذه القصيدة ليست نقضا للمقدس ولا انقلابا
بقدر ما هي إنشاء مقدس جديد: مقدس لحرية، ومقدس لدهشة الروح وهي تستعيد حقها في أن ترى العالم كما ترى وليس كما مرسوم لها . هكذا يدافع النص عن جمالياته الخاصة، ويؤسس شرعيةً جديدة للشعرية، خارج أسوار التقنين والحراسة والمعنى الجاهز.
الجزء الأخير كاملا :
------------------------------------
تلك التي سميتموها هرطقة،
هي التي علمتني أن أسمع الموسيقى في بكاء النافذة،
وأن أقرأ الحروف في طيران النمل،
وأن أرى وجهي الحقيقي في عيون الغيم.
تلك التي نفيتموها خارج مدينة المعنى،
هي التي أنقذتني من الغرق في بحيرة التكرار،
وجعلت من لساني شجرةً تنبت فصولًا جديدة
و لا تخضع لمواقيت الفقهاء.
في كل ليلة،
أفتح كتابًا لم يُكتب بعد،
أقرأ بصوت مبحوح ،
"وكان الإنسان فكرةً مشتبهًا بها"،
فترتعش النجوم،
وتنطفئ شموع المنطق.
أكتب على جدران الوقت ،
أن الهاربين من القطيع
ليسوا ذئابًا،
بل أحيانًا… قديسين تعبوا من الرتابة.
هرطقة؟
نعم.
لكنها ليست خيانةً للحق،
بل حُبٌّ للبحث عنه،
ولو تحت حطام المسلمات.
أنا ابنةُ الريح،
وصديقة النار،
وتلميذة الظلال،
أتهجى الخلق من جديد،
وأعيد ترتيب الأبجدية كي تنطقني كما أشاء.
وإن أحرقوني بنيران الفتوى،
سأقوم رمادًا ناطقًا،
وأُلقّن الرمادَ كيف يصير نجمًا.
فلتلعنني المجامع،
ولتُقصني الكتب،
ولتغلق في وجهي المعابد،
لكنني،
سأظلّ أكتب،
وأكتب،
وأكتب…
أن تلك التي سموها هرطقة،
هي ببساطة ، حقيقةٌ خجولة… تنتظر أن يُؤمن بها أحد
----------------------------------------------------------
وختاما عن ذاك الذي يوقظنا من العدم
-------------------------------------------------------------
السؤالُ هو ذلك المنفلت من قبضة الجهل ومنابع الغواية، جوهرُ الحركة البشرية ومحورها الخفي، والبوابة العظمى التي ينفذ منها الوعي إلى سعة الكون ورحاب المعرفة.
هو يقظة الإدراك في لحظة الانعتاق من دركات الجمود، حين يخرج الإنسان من صمته الحجري، كصخرٍ لا يعرف خشوعًا ولا سجودًا، ليشعر بذاته ويستدعي وجوده إلى ساحات الفهم والتأمل.
إن السؤال هو االشرارة الأولى على ميلاد عقل واعٍ يطلب تفسير ذاته وتفكيك ما يحيط بها من أستار وأسرار .
وهو المنهج الذي سار عليه العلم منذ نشأته، والمطّرد الذي نهضت به الفلسفة عبر العصور؛ فما من حقيقة تكشفت، ولا نظرية اكتملت، إلا وكانت بذرتها سؤالًا صغيرًا قرع باب التفكير بإصرار.
السؤالُ هو شمس الأصيل لكل معرفة، والطاقة التي تذيب قشرة الغفلة، وتواصل الحفر في طبقات الشك حتى تبلغ اليقين الثابت والحقيقة المستقرة.
و الريح التي تفتح أبواب التفكير، والمعمل الذي تُصهَر فيه الحكمة حتى تتجلّى نوراا يبدد العتمة ويُهدي البصائر .
وحين يستقر السؤال في نخاع الوجود، يغدو دافعا لا يهدأ، يدفع الإنسان إلى مطاردة المعنى، ويحوّل المعرفة من جمود نظري إلى حكمة فاعلة تهدي خطوات الحياة.
إذ لا قيمة لعلم لا يحسن إدارة تفاصيل العيش، ولا لحقيقةٍ لا تمتد جذورها في تربة الواقع.
وفي سياق المجتمع، يتخذ السؤال هيئة شرارة تشعل نهضة، أو تقيم حضارة فهو محرّك التطوير واللبنة الأولى في عملية التغيير، ووسيلة الشعوب في البحث عن صيغٍ أرقى للحياة،
وهو أيضًا أساسُ الحوار الذي يجمع الأضداد ويصوغ من اختلافها توازنًا ورؤية أكثر اتساعًا واتزانًا .
يبقى السؤال أصل الحركة وبداية الوعي ومنطلق الحكاية كلها؛ تلك التي تُروى دائمًا من كلمة واحدة: لماذا؟
وحين ينتفض السؤال في روح الإنسان، يبدأ حوار خفي بينه وبين الوجود. يصير القلب مرآةً تتكشّف عليها المخاوف والرغبات والدهشة الأولى. يهمس العقل متسائلًا: من أنا؟ ولماذا جئت إلى هنا؟
ما هذا الكون الواسع الذي يدور حولي؟
ولأي غاية تتحرّك النجوم فوق رأسي؟
يطارد الإنسان سرّ الحياة: كيف وُلدت الخلية الأولى؟ و
لماذا تسقط الأشياء إلى الأرض؟
وهل نحن وحدنا في هذا السديم العظيم؟
وحين تستيقظ الأخلاق في داخله يتساءل عن ماهية:
ما الخير وما الشر؟ و
هل يمكن أن يستقيم العدل بين البشر؟
ثم يعود السائل إلى ذاته،
قائلاً: كيف أعرف أن ما أعلمه هو حقّ؟
وما الحقيقة أصلاً؟
هكذا يتوالد السؤال من السؤال، والمعنى من اللغةكشرارة لا تهدأ، وكأن الوعي حين يفتح عينه مرة…
يعجز بعدها عن النوم. فبالسؤال تتحرك الحضارات، وتُهزم الظلمات، وتتشكل الحياة كما نشتهيها.
يظل السؤالُ جوهرا لكل شيء، ومبدأ للدهشة، وبدايةً لحكاية الإنسان مع الكون. فحيثما وُلدت لماذا، وُلدت معها خطوة نحو النور.
ولعلّ السؤال الأول الذي نطقته الملائكة أمام سرّ الخليقة، لم يكن سوى الافتتاح العظيم لرحلة الوعي الإنساني كله.
فمنذ تلك اللحظة، كتب على الإنسان أن يحمل عبءَ الفهم، وأن يمشي في الأرض باحثًا عن الحكمة التي أخفاها الله في داخله قبل أن يهبطه إلى موطن الاختبار.
كان سؤال الملائكة دهشةً أمام كائنٍ قُدّر له أن يخطئ ويتوب، أن يفسد ويُصلح، أن يسفك دمًا… ثم يرفع رأسه إلى السماء يستغفر ويعود إلى الطريق.
ومن حينها صار السؤال ميراث الإنسان الأعظم؛ إذ به تشتعل في صدره جذوة المعرفة، وبه يتجاوز عجزه، ويعيد تشكيل قدره في كل خطوة يخطوها بين نورٍ ونقطة ظلمة. لقد اختار الله لهذا العالم مخلوقًا لا يُسبّح فقط في ملكوته… بل يفكّر أيضًا.
ومذ أودع فيه القلق النبيل، صار السؤال صلاته التي لا تنقطع، وصوته الذي يوقظه دائمًا من العدم.
فمن هو الإنسان إذن؟
ليس هو المتمرّد وحده، لأن التمرّد يفترض وعيًا مكتملَ الإدراك بحدود يروم كسرها. وليس هو المنفلت وحده، لأن الانفلات حركةٌ عمياء تفتقر إلى القصد والوجهة.
الإنسان ـــ في أصله الأول ـــ كائن وُضع بين العدم والمعنى؛ يُوقظ احتمالاته من العتمة، ثم يغامر بها في المجهول بحثًا عن جوهره.
وحين تساءلت الملائكة: «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟البقرة فقد رأت فيه قوة الانفلات: غواية الشهوة، وحدّة السلطة، واستعداد الفناء. لكن الله قال: (إني أعلم ما لا تعلمون)
لأنه نفخ فيه قوة الانعتاق: القلب الذي يهتدي، والحرية التي تختار، والمعرفة التي تضيء دروب الوجود. وهكذا يغدو الإنسان مشروعًا على الدوام؛ يتأرجح بين ظلمة النقص ونور الاكتمال، يحمل بذرة الهدم كما يحمل سرَّ البناء، ويظلّ السؤال بوصلته نحو المعنى الذي خُلق لأجله.
كانت هذه إضاءتي، رغم يقيني أن النصّ لا تحتمله قراءة واحدة، وأنه ينبض بما يفوق كل حصر. أرجو أن تكون قراءتي فياضة، تضيف إلى القاموس الإنساني والأدبي معنىً ولغةً ونبضًا حيًا، لا مجرد صدىٍ على صفيحٍ ساخن.
دمتِ مشرقة ومبدعة، غاليتي، ولتظلّ أقلامنا الفياضة تفوح بعطرها على صفحات الزمن، تصنع من الحروف نورا يضيء العيون والقلوب معًا.
هويده عبد العزيز

الجزء الثاني
فتنة المعنى ودهشة الاكتشاف :
رؤية في آداب التلقي وتجليات النقد
----------------------------------------------------------
لم أخطُ بعد عتبة نص الأستاذة "مجيدة"، ولكن…
أليس من حق المتفرج أن يعرف قواعد المسرح الذي يشهده؟
وأن أكشف له عما غفل عنه من رؤى وإضاءات نقدية، وأن أبيّن له كيف أشتغل مع النص وفيه، لا عليه؛ وأن الناقد ليس فوق النصّ ولا خلفه، لكنه في قلب مغامرته الوجودية.
فأنا أدخل النص كمن يدخل معبدًا
يفتش عن تلك الشرارة المقدسة التي أضاءته.
والنقدُ، في جوهره، ليس رصدًا للمحاسن والمثالب، ولا بحثًا عمّا لا يستحق الذكر، ولا ألعب فيه لعبةَ الكاهنة العظمى على خزائن الأدب، أو أزاحم فيه أدوار المهاترات التي تبحث عن علل اللغة، ولا هو ذاك المقصلةً التي يعلو بها الجلّاد ليفصل رؤوس ضحاياه.
إنما هو لحظة أثيرية تتكشف فيها البصيرة، ويتجلّى فيها المعنى كما يتجلّى السرّ لدى العارفين؛ عبور من الغيب إلى التجلي، وباب إذا عبره القارئُ النافذ لا يعود نفسه، إذ يغمره السكر من خمر المعنى، فلا يبقى
في وعيه سوى الدهشة الخالصة.
لست هنا لإصدار أحكام أو تثبيت قوالب جامدة، بل لاستنهاض البعد الخفيّ في طبقات الدلالة: روح النصّ ونواته الشعورية وإشراقاته التي تترك أثرها في الروح والذاكرة.
فما كان من النصوص قويّا ارتقى إلى مراتب الخلود، وما كان ضعيفًا توارى في مقبرة النسيان.
فالتلقّي عادة ليس موقفًا أحاديًا , سلبيا كان أم ايجابيا يقف فيه القارئ خارج النص، إنما مشاركة فعالة في ولادة المعنى؛ إذ يُقبل القارئ على النصّ بأفق منفتح، ويمنح لغته فرصة لأن تدهشه وتعيد تشكيل وعيه.
فالنصّ لا يُختزل في الفكرة وحدها، بل في إيقاعه ورموزه وأسراره التي
لا تتجلّى إلا لمن يحسن الإنصات، ويحفظ المسافة بينه وبين النص كي لا يفرض عليه ما ليس فيه ولا يلغي ما يؤهّله للبقاء.
وحين يحضر العقل إلى جانب العاطفة، وتتناغم الحواس مع الوعي، يتحوّل التلقّي إلى فعلٍ خلاق، يكتب فيه القارئ نصّه الموازي، وتستيقظ الدلالة من سباتها لتشرق بحياةٍ جديدة في قلب من يقرؤها.
وقد يزعم بعض المتفقيهين أن الناقد هو من يختار النصّ.
وبعض الظنّ إثم.
فالحقيقة كما تتكشف؛ أنّ النصّ هو من يختار صداه ومداه وناقدَه وناقله، كما تختار الروحُ من يخاطب وجدانها وتختار البذرة الأرض الصالحة لاحتضانها.
فأنا غالبًا لا أختار نصًّا ولا كاتبًا بعينه؛ الجميع في نظري سواء.
لكنّ النص الجيد وحده يفرض حضوره للطيف المرئي القادر على سماع نبضه وترجمة لغته ونوره.
فأحمله معي من لغة النور إلى لغات الأرض:
لغة الفكرة والصورة والرمز، لغة الشعور والتجربة، ليكتمل فيه السّر بالظّهور.
وقد يختار النصّ ناقدَه، غير أنّ هذا الاختيار قد لايثمر ولا يغني من جوع، ويتوقّف أحيانًا في منتصف الطريق؛ فليس كلّ اقتراب اكتمالا، ولا في كلّ نداءٍ استغاثة. قد يلتفت النصّ إلى ناقده ثمّ يحجب عنه بقيّة المسار، لأنّ الناقد لم يبلغ بعدُ ذروة العتبة التي تتهيّأ عندها الروح لاستقبال الإشارة.
فالنصّ لا يمنح أسراره لمن في أولى مقامات الإصغاء، لكنه يتحين اللحظة التي تنضج فيها البصيرة، ويتّسع الوعي لعبور الضوء دون أن يتكسّر في الطريق.
فالنقدُ ليس حراسةً مشددة على عتبات النصّ، بل عبورٌ إلى أغوار فكره وإلتقاط لإشاراته؛ لحظة تتّسع فيها الرؤية كي تلتقط ما يتخفّى بين السطور من نبض المعنى ودهشة الروح. هو قراءة لا تكتفي بتفسير الظاهر، بل تتوغّل إلى ما خلف المرآة، حيث يشرق النصّ بنوره الباطن، ويتحوّل إلى تجربة تُعاد كتابتها بوعي جديد.
في كلّ تجلٍّ نقديّ تولد دلالة، وتُعاد للغة أنفاسها الأولى، كأنّ الناقد يوقظ ما خُلق للنور في النصّ، فيخرجه من عتمة الاعتياد إلى فضاء الكشف. فالنقد - في أرقى مقاماته - هو فنّ إحياء النصّ، وإعادة بريقه إلى سفر الخلود..
و على المستوى الإبداعي
على المستوى الإبداعي، تحاصرنا مجيدة في مناطق رمادية لا نستطيع لها فكاك؛ بين جوهر الإبداع وجوهر الاختلاف، بين الأصالة والحداثة، بين ميلاد التراجيديا بما تحمله من (مأساة الهرطقة)، وروح الموسيقى التي تتجسد فيها أعمق انفعالات الروح. فالموسيقى ليست ترفًا، بل هي اللغة الخفية للوعي، والإيقاع الذي يطرق جدران الداخل حتى يولّد نشوة لغوية تتجاوز المنطق، وقلقًا نغميًا يتأرجح بين الدعاء واللعنة. هذا هو الجوهر الديونيسوسي الصرف الذي سبقنا إلى تعريفه "نيتشه:
في كتابه " ميلاد التراجيديا من روح الموسيقى "
يقول نيتشه إن الفن العظيم يولد من تصادم أبولون (العقل/النظام) مع ديونيسوس (الجنون/التحرر الروحي). في هذا التصادم يتولد الشرر الخلّاق، وتُصاغ المأساة بوصفها رؤية تتجاوز حدود البشر.
في التراجيديا، يرى البطل ما لا يراه الآخرون؛ فيُعاقَب على بصيرته بالعزلة أو بالموت. أما في الهرطقة، فالبصيرة أكثر حدّة وخطرًا، لأنها تشكل تهديدًا مباشرًا للاحتمال الاجتماعي ونسقه القيمي.
وهكذا، إذا كانت القصيدة تكشف صراع الشاعر مع المجتمع، وتوقه للتحرر الروحي، و الاحتفاء بجمال التمرد رغم الألم، فهذا جوهر التراجيديا ديونيسوس المعاصرة:
صوت الروح حين تعلن اختلافها، وتدفع ثمن الحقيقة شعرًا وندبة وموسيقى
شعرية الهرطقة في قصيدة مجيدة :
«تلك التي سميتموها هرطقة…
هي التي علمتني أن أسمع الموسيقى في بكاء النافذة…».
هنا تتحول “الهرطقة” من مصطلح عقائدي إلى منهج إدراك.
النافذة تبكي = الموسيقى تتسرّب كحبات المطر؛ إنها عملية إعادة تأويل للعالم خارج النسق الاجتماعي المعتاد. فالوعي الجمالي يصبح فعل مقاومة ضد البلادة الحسية المفروضة؛ لأن الجمال لا يوجد حيث يُملى، ولا يلقن، بل حيث ينشأ الشاعر رؤيته .
«وأن أقرأ الحروف في طيران النمل…».
هذا تحرير للحواس من رقابة “العقل الجمعي”.
فالنملة — كائن صغير ومهمل — تتحول إلى علامة وعالم لغوي. هنا تبرز نزعة ديونيسوسية في الاحتفاء بالفوضوي والهامشي، وشعرية في تحويل التفاصيل إلى نصوص.
إنه انقلاب على مركزية المعنى التقليدي: ما كان صامتًا يصبح لغة، وما كان مجهريًا يصبح كونًا.
«وأن أرى وجهي الحقيقي في عيون الغيم.»
الغيم — مادة هلامية متحوّلة — يتحوّل هنا إلى مرآة للذات. تتجسد الهرطقة كحقيقة وجودية وليست هوية مسيّجة. إنه تمرّد على إجبار الذات على ثبات غير إنساني، فيما تحمل الرسالة نواة الفلسفة: التحوّل هو حقيقتنا الأكثر صدقًا في عالم يموج بالضجيج.
«تلك التي نفيتموها خارج مدينة المعنى…».
هذا التوكيد " تلك التي علمتني وتلك التي علمتني يشير إلى الهرطقة كقوة فاعلة ومصدر للمعرفة، ويمنح المقطع إيقاعًا سرديًا متصاعدًا. كما يوحي سلطة المجتمع:
حيث هناك “مدينة” هناك نظم معرفية وقوانين إجتماعية تُدير شرعية المعنى، وقد تكون سائدة أو ثقافية منغلق عليها, بينما يقف الشاعر خارج المتن. والنفي كناية عن التحرر أو النبذ الاجتماعي و الفكري هنا اعتراف غير مباشر بقوة النص؛ فالسلطة لا تنفي إلّا من يهدد قانونها ويهدد أصول يقينها.
«وجعلت من لساني شجرةً تنبت فصولًا جديدة،
ولا تخضع لمواقيت الفقهاء.»
هذه الاستعارة تمثيلية/تشبيه بليغ
للسان هو (أداة النطق والتعبير) بالشجرة (الخصوبة، النمو، التجديد)، تنمو بمعزل عن "مواقيت الفقهاء" (قواعد النقد أو الفكر الجامد)، للدلالة على حرية الإبداع وتجدده الدائم.
فالنموّ لا يخضع لتقويم الشريعة الجمالية. الفقهاء هنا رمز للحراس المحافظين على المعنى. إنّه إعلان صريح بأن الخلق يسبق التقنين، وأن الفن لا يقنن ولا يحصر داخل أسوار وقلاع. إنها اللحظة الديونيسوسية الآثرة : الشعر (حرية الإبداع و خطر التحرر و خصوبة المعنى). وليس هناك
قوة قادرة على وقف مدّه.
المفارقة بين الصوت الضعيف ("مبحوح") والقراءة من
"كتاب لم يُكتب بعد" كناية عن (المستقبل المشوش أو المعرفة الجديدة غير المدونة وعن صعوبة اكتشاف الحقيقة .
الجمل الاعتراضية/الاستنكارية: سؤال "هرطقة؟ نعم."
هو تقنية بلاغية تستخدم لـاستباق الحكم وتأكيد الموقف، حيث تُقرّ الشاعرة بالوصف الاجتماعي (هرطقة) ثم تعيد تعريفه من الداخل (كسفر للبحث عن الحقيقة).
وكان ذلك على سبيل المثال لا المثال فالقصيدة تتكىء القصيدة بأسلوبها ورمزيتها على الكثير من الإيحاء والتجسيد والاستعارات والكنايات ، والكثير من التوكيدات والمفارقات التي تحول دون استسلام الشاعرة و تحويل الوصم الاجتماعي إلى قوة إبداعية تتجاوز المنطق الإنساني .
في ضوء «نظرية العصب والدم» يمكن النظر إلى فعل الإبداع ـ كما تجسده قصيدة “مجيدة” ـ بوصفه توازنا ديناميا بين قوتين مؤسستين للوجود الجمالي:
فالعصب هو توتر النص وقلقه الخلّاق، تلك الصدمة التي توقظ الحواس وتدفع الوعي نحو الفوضى الخصبة، هو ديونيسوس وهو يشعل شرارة الاختلاف والابتكار ويخلق المعنى من العدم. أما الدم فهو الامتداد والدفء والحياة، التدفق الذي يمنح التجربة جسدها ويمكّن الرؤيا من البقاء، هو أيضا أبولون وهو ينظم مفرداته حتى تصير لغة قابلة للتداول والاستمرار.
وبين هاتين القوتين يتولد الشعر ككهرباء تسري في الأعصاب، وحرارة تحفظها الدورة الدموية الجامحة للخيال.
لذلك فإن القصيدة الهرطوقية لا تكتفي بإعلان التمرد، بل تمنحه جسدًا نابضًا؛ وحسا مترفا , نصا تتوهج فيه الرغبة ويتدفق فيه الوعي، فتتحول الحرية إلى كتابة تتحرك بفعل توتر داخلي لا ينطفئ.
وهنا تظهر “مجيدة” لا بوصفها صوتًا منفعلًا بالعالم، بل كجسد يرسم العالم على مقاس رؤيته: عصبها هو السؤال الذي يفتح الأبواب الموصدة، ودمها هو الجواب الذي يمنح تلك الأبواب المعنى والوجود.
يتجلى الإبداع هنا بوصفه حركة دؤوبة، توترا يرفض السكون، ونبضًا يعيد للغة حقها في الحياة.
الهرطقة كما تكشفها هذه القصيدة ليست نقضا للمقدس ولا انقلابا
بقدر ما هي إنشاء مقدس جديد: مقدس لحرية، ومقدس لدهشة الروح وهي تستعيد حقها في أن ترى العالم كما ترى وليس كما مرسوم لها . هكذا يدافع النص عن جمالياته الخاصة، ويؤسس شرعيةً جديدة للشعرية، خارج أسوار التقنين والحراسة والمعنى الجاهز.
الجزء الأخير كاملا :
------------------------------------
تلك التي سميتموها هرطقة،
هي التي علمتني أن أسمع الموسيقى في بكاء النافذة،
وأن أقرأ الحروف في طيران النمل،
وأن أرى وجهي الحقيقي في عيون الغيم.
تلك التي نفيتموها خارج مدينة المعنى،
هي التي أنقذتني من الغرق في بحيرة التكرار،
وجعلت من لساني شجرةً تنبت فصولًا جديدة
و لا تخضع لمواقيت الفقهاء.
في كل ليلة،
أفتح كتابًا لم يُكتب بعد،
أقرأ بصوت مبحوح ،
"وكان الإنسان فكرةً مشتبهًا بها"،
فترتعش النجوم،
وتنطفئ شموع المنطق.
أكتب على جدران الوقت ،
أن الهاربين من القطيع
ليسوا ذئابًا،
بل أحيانًا… قديسين تعبوا من الرتابة.
هرطقة؟
نعم.
لكنها ليست خيانةً للحق،
بل حُبٌّ للبحث عنه،
ولو تحت حطام المسلمات.
أنا ابنةُ الريح،
وصديقة النار،
وتلميذة الظلال،
أتهجى الخلق من جديد،
وأعيد ترتيب الأبجدية كي تنطقني كما أشاء.
وإن أحرقوني بنيران الفتوى،
سأقوم رمادًا ناطقًا،
وأُلقّن الرمادَ كيف يصير نجمًا.
فلتلعنني المجامع،
ولتُقصني الكتب،
ولتغلق في وجهي المعابد،
لكنني،
سأظلّ أكتب،
وأكتب،
وأكتب…
أن تلك التي سموها هرطقة،
هي ببساطة ، حقيقةٌ خجولة… تنتظر أن يُؤمن بها أحد
----------------------------------------------------------
وختاما عن ذاك الذي يوقظنا من العدم
-------------------------------------------------------------
السؤالُ هو ذلك المنفلت من قبضة الجهل ومنابع الغواية، جوهرُ الحركة البشرية ومحورها الخفي، والبوابة العظمى التي ينفذ منها الوعي إلى سعة الكون ورحاب المعرفة.
هو يقظة الإدراك في لحظة الانعتاق من دركات الجمود، حين يخرج الإنسان من صمته الحجري، كصخرٍ لا يعرف خشوعًا ولا سجودًا، ليشعر بذاته ويستدعي وجوده إلى ساحات الفهم والتأمل.
إن السؤال هو االشرارة الأولى على ميلاد عقل واعٍ يطلب تفسير ذاته وتفكيك ما يحيط بها من أستار وأسرار .
وهو المنهج الذي سار عليه العلم منذ نشأته، والمطّرد الذي نهضت به الفلسفة عبر العصور؛ فما من حقيقة تكشفت، ولا نظرية اكتملت، إلا وكانت بذرتها سؤالًا صغيرًا قرع باب التفكير بإصرار.
السؤالُ هو شمس الأصيل لكل معرفة، والطاقة التي تذيب قشرة الغفلة، وتواصل الحفر في طبقات الشك حتى تبلغ اليقين الثابت والحقيقة المستقرة.
و الريح التي تفتح أبواب التفكير، والمعمل الذي تُصهَر فيه الحكمة حتى تتجلّى نوراا يبدد العتمة ويُهدي البصائر .
وحين يستقر السؤال في نخاع الوجود، يغدو دافعا لا يهدأ، يدفع الإنسان إلى مطاردة المعنى، ويحوّل المعرفة من جمود نظري إلى حكمة فاعلة تهدي خطوات الحياة.
إذ لا قيمة لعلم لا يحسن إدارة تفاصيل العيش، ولا لحقيقةٍ لا تمتد جذورها في تربة الواقع.
وفي سياق المجتمع، يتخذ السؤال هيئة شرارة تشعل نهضة، أو تقيم حضارة فهو محرّك التطوير واللبنة الأولى في عملية التغيير، ووسيلة الشعوب في البحث عن صيغٍ أرقى للحياة،
وهو أيضًا أساسُ الحوار الذي يجمع الأضداد ويصوغ من اختلافها توازنًا ورؤية أكثر اتساعًا واتزانًا .
يبقى السؤال أصل الحركة وبداية الوعي ومنطلق الحكاية كلها؛ تلك التي تُروى دائمًا من كلمة واحدة: لماذا؟
وحين ينتفض السؤال في روح الإنسان، يبدأ حوار خفي بينه وبين الوجود. يصير القلب مرآةً تتكشّف عليها المخاوف والرغبات والدهشة الأولى. يهمس العقل متسائلًا: من أنا؟ ولماذا جئت إلى هنا؟
ما هذا الكون الواسع الذي يدور حولي؟
ولأي غاية تتحرّك النجوم فوق رأسي؟
يطارد الإنسان سرّ الحياة: كيف وُلدت الخلية الأولى؟ و
لماذا تسقط الأشياء إلى الأرض؟
وهل نحن وحدنا في هذا السديم العظيم؟
وحين تستيقظ الأخلاق في داخله يتساءل عن ماهية:
ما الخير وما الشر؟ و
هل يمكن أن يستقيم العدل بين البشر؟
ثم يعود السائل إلى ذاته،
قائلاً: كيف أعرف أن ما أعلمه هو حقّ؟
وما الحقيقة أصلاً؟
هكذا يتوالد السؤال من السؤال، والمعنى من اللغةكشرارة لا تهدأ، وكأن الوعي حين يفتح عينه مرة…
يعجز بعدها عن النوم. فبالسؤال تتحرك الحضارات، وتُهزم الظلمات، وتتشكل الحياة كما نشتهيها.
يظل السؤالُ جوهرا لكل شيء، ومبدأ للدهشة، وبدايةً لحكاية الإنسان مع الكون. فحيثما وُلدت لماذا، وُلدت معها خطوة نحو النور.
ولعلّ السؤال الأول الذي نطقته الملائكة أمام سرّ الخليقة، لم يكن سوى الافتتاح العظيم لرحلة الوعي الإنساني كله.
فمنذ تلك اللحظة، كتب على الإنسان أن يحمل عبءَ الفهم، وأن يمشي في الأرض باحثًا عن الحكمة التي أخفاها الله في داخله قبل أن يهبطه إلى موطن الاختبار.
كان سؤال الملائكة دهشةً أمام كائنٍ قُدّر له أن يخطئ ويتوب، أن يفسد ويُصلح، أن يسفك دمًا… ثم يرفع رأسه إلى السماء يستغفر ويعود إلى الطريق.
ومن حينها صار السؤال ميراث الإنسان الأعظم؛ إذ به تشتعل في صدره جذوة المعرفة، وبه يتجاوز عجزه، ويعيد تشكيل قدره في كل خطوة يخطوها بين نورٍ ونقطة ظلمة. لقد اختار الله لهذا العالم مخلوقًا لا يُسبّح فقط في ملكوته… بل يفكّر أيضًا.
ومذ أودع فيه القلق النبيل، صار السؤال صلاته التي لا تنقطع، وصوته الذي يوقظه دائمًا من العدم.
فمن هو الإنسان إذن؟
ليس هو المتمرّد وحده، لأن التمرّد يفترض وعيًا مكتملَ الإدراك بحدود يروم كسرها. وليس هو المنفلت وحده، لأن الانفلات حركةٌ عمياء تفتقر إلى القصد والوجهة.
الإنسان ـــ في أصله الأول ـــ كائن وُضع بين العدم والمعنى؛ يُوقظ احتمالاته من العتمة، ثم يغامر بها في المجهول بحثًا عن جوهره.
وحين تساءلت الملائكة: «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟البقرة فقد رأت فيه قوة الانفلات: غواية الشهوة، وحدّة السلطة، واستعداد الفناء. لكن الله قال: (إني أعلم ما لا تعلمون)
لأنه نفخ فيه قوة الانعتاق: القلب الذي يهتدي، والحرية التي تختار، والمعرفة التي تضيء دروب الوجود. وهكذا يغدو الإنسان مشروعًا على الدوام؛ يتأرجح بين ظلمة النقص ونور الاكتمال، يحمل بذرة الهدم كما يحمل سرَّ البناء، ويظلّ السؤال بوصلته نحو المعنى الذي خُلق لأجله.
كانت هذه إضاءتي، رغم يقيني أن النصّ لا تحتمله قراءة واحدة، وأنه ينبض بما يفوق كل حصر. أرجو أن تكون قراءتي فياضة، تضيف إلى القاموس الإنساني والأدبي معنىً ولغةً ونبضًا حيًا، لا مجرد صدىٍ على صفيحٍ ساخن.
دمتِ مشرقة ومبدعة، غاليتي، ولتظلّ أقلامنا الفياضة تفوح بعطرها على صفحات الزمن، تصنع من الحروف نورا يضيء العيون والقلوب معًا.

هويده عبدالعزيز

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى