جمعي شايبي - هي وهو لمارك ليفي .

لم يكن بمقدور الممثلة السينمائية الأنجليزية الشهيرة ميليسا بارلو العيش في الأوهام والأكاذيب ، ولا كان بمستطاعها الإستمرار في تمثيل أدوارها في كوميديا سعادة قذرة .
لم تجد لها من حل لإنهاء مأساتها غير الرحيل والإغتراب والهروب من بيئة موبوءة بالنفاق والخديعة والتصنع ، مضحية بشهرتها وبفردوس مستقبلها الفني الموعود ، إذ لم تقبل أن تبقى زوجة مخدوعة ، ولا أن تكون مهانة أمام الناس .
يممت وجهها الصبوح شطر باريس ، دون أن يصحبها زاد أو متاع عدى ( ميا ) إسمها المستعار الذي تقنعت بكنيته وهي تروم نسيان واقع حياتها المأزوم ، باحثة عن ذاتها بعيدا عن خيانات زوجها القاتلة ، ذلك الزوج المنقاد كقشة مع تيارات نزواته الجارفة وعربدته المقززة وانانيته المفرطة وطمعه الفضيع في شهرة تخترق الآفاق وهو يقاسمها أدوار البطولة في أفلامهما الممثلة .
فبدل أن تستعيد ميا زوجها من أحضان النساء بقوة حضورها ، قررت الهجر والرحيل كحل بديل لإستعادته بشوقه إليها ومرارة فقدانها من فرط غيابها الطويل ، بعد أن استقرت في باريس عند صديقتها ديزي التي أضاعت حياتها العاطفية بين ثلاجتها ومطبخها ، سواء في البيت أو في مطعمها لاكلامادا الكائن بمونمارت بباريس .
حيث هناك تخلصت ميا من دور ممثلة سينمائية شهيرة ، وتقمصت دور معاونة ونادلة في مطعم صديقتها ، حالمة بأن تعيد رسم أجمل البدايات .
أما الأمريكي بول بارتون فهو المهندس المعماري الذي تخلى عن مهنته ، وتفرغ للكتابة حيث اصبح أسير سردياته ، ساهرا طوال لياليه لا يسامره غير شخوص نصوصه المختلقين ، إلى أن تمكن من إتمام كتابة مخطوطة أولى رواياته ، التي يعود فضل نشرها لصديقه آرثر وزوجته لورين ، فحققت انتشارا واسعا وشهرة ذائعة الصيت ، حتى باتت تباع كما يباع الخبز ، وغدت قوتا لازما لجمهرة قرائه النهمين .
لقد ألف رواية تقاوم بأحاسيسها المرهفة عالما يحتقر القيم ، عابئا هازئا بأصالة مفاهيمها وقداسة مقاصدها .
وإذ أفرغ كاتبها كل أسراره على صفحاتها ، فإن شهرتها الواسعة وضعته وجها لوجه أمام معاناته من خجله المرضي الذي يسكنه ، لكأنه علة من العلل وسقما من الأسقام المهلكة .
فهاجر هاربا إلى مدينة باريس التي أعجب حد الإفتتان بجسورها وحاناتها وأحيائها التي تفيض بالحياة ، بحجة تحفيز قدراته الإبداعية الخاملة .

1.jpg

وقد كان له هناك أن ألف خمس روايات من بينها تلك التي اشتهرت بكوريا بفضل مترجمته الكورية كيونغ ، التي كان معها على علاقة غرامية لفترات متقطعة كثيرا ما كانت تخونه الكلمات اثناء وصالها في زياراتها القصيرة المتباعدة .
وبعدما سافر وعاد من كوريا رفقة صديقته ميا التي تقاطعت في باريس دروب هروبهما من خيباتهما المؤلمة ، اكتشف أنه كان يعيش طيلة خمس سنوات منقضية على حقوق ملكية كتب لم يؤلفها ، وأن أيون جيونغ هو الإسم الحقيقي لكيونغ التي لم تكن مترجمته ، بل كاتبة الأعمال التي حملت صورته ونشرت بكوريا ، وأنها بسبب الديكتاتورية التي تحكم بلادها إستخدمت إسمه لتروي قصتها ، كما اكتشف اخيرا أن ما كان يربطهما هو مجرد صداقة لا علاقة حب مقدسة .
وإذ كان ممن لا يحتملون العيش على حساب غيرهم فقد أعاد بطريقته كتابة قصة كيونغ ومأساة شعبها المضطهد ، فأتقن بمنتهى الصدق والبراعة إعادة صياغتها ، وأطلع العالم قاطبة على حقيقة مأساتها، فنالت روايته الأخيرة شهرة أكثر ذيوعا من روايته الأولى المبهرة ، وفازت بجائزة ميديسيس للرواية الأجنبية بفرنسا ، تلك البلاد التي ودعها صحبة المرأة الوحيدة التي أحبها ، ميا ، التي انفصلت نهائيا عن زوجها ، لبيدأى من جديد حياتهما وينسيا إلى الأبد.تعبهما ويصنعا بالحب مصيرا رائعا .
حق لكفة المعنى أن ترجح بأوزان الكلمات مهما ثقلت ، وحق لنا من خلال هذه الرواية الماتعة التي تخاطب القلب وتحاور الروح والعاطفة أن ندرك أنه ليس بمستطاع الشهرة والمجد ترميم هشاشتنا ، فذلك دور منوط بالحب ، وأن للشهرة أيضا أن تراكم في أرواحنا الكثير من الخيبات القاسية .
في رواية هي وهو بأجوائها الباريسية الآسرة ، عرفنا كيفما تغدو بعض الصدف أجمل أقدارنا ، وخضنا مع أبطالها رحلة البحث عن الفرص الجديدة دونما يأس في أوقاتنا الضائعة ، وكيفية البحث عن حل لاستعادة الذات وسط دوامة الحياة المدوخة .
علينا أن نخلص صحبة ذواتنا لأن الوحدة ألا نجد أنفسنا ، وكل الغربة ألا يفهمنا غيرنا .
لقد بيع من هذه الرواية الرومانسية الرائعة أكثر من أربعين مليون نسخة وترجمت إلى اكثر من أربعين لغة ، إن ذائقتي لا تشكك في جماليتها وروعتها ، لكني أجزم أن شهرتها من صنيع اللوبيات التي تتقن إلى أبعد الحدود فنون الإشهار والترويج بواسطة أسلحة إعلامها لكل ما من شأنه أن يخدم أيديولوجياتها المتسترة .
حكمي على الترجمة انها رائعة ، وإني أعيب على دار الرمل المصرية بطبعتها التي حرمتنا من ١٦ صفحة مبتورة من الفصل ١٢ وحرمتنا من متابعة مجريات احداثه المبهمة ، إضافة إلى خلط ترقيم صفحاتها ، وهذا لا يشرف دار طبع تسعى للحقاظ على سمعة إسمها وتروم وتسعى لخدمة قرائها .

جمعي شايبي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى