براكسا ، أو مشكلة الحكم ، مسرحية مستوحاة من مسرحية مجلس النساء التي مثلت عام : ٣٩٢ ق. م ، والتي تعود عبقرية تأليفها لأب الكوميديا الإغريقية ، وعملاق عمالقتها وقطب أقطابها الملهمين ، أريستوفان.
وقد كان أبو المسرح العربي الحكيم توفيق الحكيم رحمه الله واحدا من الكثيرين الذين التقطوا فتات المائدة الأريستوفانية الفخمة ، وكلهم يلتمسون العذر في التقصير.
إذ لا أحد منهم تجرأ على أن يقيس قامته مهما تسامقت بقامة العملاق أريستوفان.
وإن كان ثمة من فعل ، فلا حكم لنا على قياسه المعيب ، بغير أنه جرى بين نملة وفيل ، أو بين ذباب يروم بلوغ السحاب ، أو بين حفنة من الثرى عبثا تنازع ثريا في سماءات المجد سطوعها .
إن كيد النساء حقا لعظيم ، ففي أحد مجالسهن المبرمة ذات فجر غابر من تاريخ أثينا العريق ، حبكن مكيدة محكمة بقيادة زعيمتهن براكساجورا ، وبدعوى إنقاذ أثينا من حكم الرجال ، وضع زمام دولتها في يد امرأة ، كما يوضع في يدها زمام بيتها ، إذ انطلت حيلتهن على مجلس أثينا الذي وافق على إعطاء السلطة وتسليمها للنساء ، ووصلت براكسا جورا للحكم بمجرد كلمات .
متخذة من قائد الجيش هيرونيموس عشيقا لها ، ومن الفيلسوف أبقراط مستشارها ، ومن جارتها كاتمة سرها .
كانت براكساجورا طيلة فترة حكمها توزع وعودا يصادم بعضها بعضا ، في فوضى حكم فردي صارخ ، يعوزه العقل والعضد ، إلى أن ثارت عليها أحزاب المعارضة التي ظهرت فجأة كما تظهر البثور في الوجه الجميل ، فانقلب عليها قائد الجيش هيرونيموس ، وأستلم نظام الحكم بعدما قمع تلك المظاهرات .
فلم يعد لأحد في ظل حكمه أن يهرف برأي، ولا أن يفتح له فم بصياح أوهتاف .
إذ كان هيرونيموس لا يرى الجمال إلا في القوة والغطرسة والبأس ، ولا يؤمن بأي حقيقة عدى ما وقع في قبضته وملأ يديه ، فكل مادون ذلك في نظره محض أوهام تافهة ، وكل المجد الذي كان يعنيه هو الظفر والإنتصار .
ولما أرسل جيشه طامحا طامعا في ذلك المجد المروم ، مني بهزيمة مذلة على أيدي المقدونيين ، فأسقط من على سدة الحكم مقهورا بخيباته القاتلة .
وعاد زمام الدولة لزوج عشيقته بلبروس الذي توج ملكا على عرش أثينا .
وإذ لا يحلو العيش لأحمق إلا وسط من شاكله من الحمقى ، فقد اتخذ من صديقه القديم كريميس وزيرا ، واحتفظ بكاتمة السر السابقة أمينة على سره .
فتفشى في أوساط الأثينيين طاعون الجشع والطمع في الثراء على أي طريق ، حتى على حساب الدولة التي تركت لمصيرها بالنهب والحيلة والتدليس، حتى قاربت على السقوط والإنهيار والإفلاس ، ولم يعد لأهلها حكاما ومحكومين من رغبة سوى الإغتناء وتكديس الثروات ، ولم تعد آذانهم تصغي لغير رنين الذهب .
ولم يعد للشعب من ولائم غير أدسم الكلام وأنفخ الخطب .
وفي محاكمة علنية أمام الشعب ، أراد الملك بلبروس وزبانيته من خلالها ذر الرماد في عيون محكوميهم المخدعوين والتخلص من أسرى الملك المحبوسين ، القائد السابق للجيش هيرونيموس والحاكمة السابقة براكساجورا والفيلسوف أبقراط ، حتى يتسنى له ولعصابته إغفال الشعب عن حقيقة ما استشرى من فساد واختلاس ونهب .
غير أن مجرى المحاكمة العلنية سارت على غير مراد الملك وعصابته ، كسفينة تسري على غير اشتهاء الريح .
فانتقم هيرومينوس لكبريائه دفاعا عن كرامته المهدورة ، وإذ نجح الفيلسوف أبقراط في إفاقة الحضور من سباتهم الطويل وكشف ملابسات المكيدة التي طبخت لهم ، ثار الشعب ضد الملك وأسقطه واستعاد حكمه وسلطته المغصوبة .
لقد تعاقب على حكم أثينا من خلال هذا النص المسرحي المدهش ثلاث حكام ، أولهم حكم النساء ممثلا في براكساجورا بما تمثله فترة حكمها من فوضى وضعف ، وتلاها حكم هيرونيموس وما مثله من ديكتاتورية وهمجية وقمع وعنف ، ليأتي حكم بلبروس وعصبته بفساده وأنانيته وقبح خيانته ، إلى أن استعاد الشعب المنتفض سلطته وزمام حكم دولته .
تعلمنا هذه المسرحية الخالدة أن كل مائدة لا تقف إلا على ثلاث سيقان ، وأن مائدة الحكم من المستحيل أن تقوم بغير ثالوث الحرية والقوة والعدل ، وأن هذه المساند الثلاث جميعها من صنيع الحكمة التي تعي مسؤولية الحكم وخطورة أمره.
وأن استعادة الشعب لسدة حكمه السليب لن يكون إلا بالديمقراطية التي تحفظ سيادته ووطنه المصون .
إذا ما قمنا بإسقاط مدلول هذه المسرحية المذهلة على الواقع المأزوم لأنظمة الحكم العربية المهترئة ، فهل لنا حقا أن نعي مفهوم هذا الدرس البليغ ، ونفقه أسباب ضعفنا المقبوح ؟ .
إن حقيقة الأمر بالنسبة لي في مشكلة الحكم أن الحكم لله من قبل ومن بعد ، ذلك الحكم الرباني الذي لا يفضل فيه احد على أحد إلا بالتقوى والعلم والصلاح .
أختم قراءتي المتواضعة بسؤال بسيط مفاده :
لماذا يعترف الفلاسفة لمعشر النساء بكل فضيلة عدى فضيلة العقل ؟.
أرجو من صديقاتي المحترمات وأستاذاتي الفضليات ألا تأخذهن حمية أنوثتهن وألا يغضبن من دعابتي وشقاوتي أيضا ، وأرجو منهن ومن كافةأساتذتي الكرام المحترمين إثراء النقاش بحواراتهم الثقافية الراقية التي تقوم موائدها على مبادئ اللباقة والإخترام والأدب .
جمعي شايبي .
وقد كان أبو المسرح العربي الحكيم توفيق الحكيم رحمه الله واحدا من الكثيرين الذين التقطوا فتات المائدة الأريستوفانية الفخمة ، وكلهم يلتمسون العذر في التقصير.
إذ لا أحد منهم تجرأ على أن يقيس قامته مهما تسامقت بقامة العملاق أريستوفان.
وإن كان ثمة من فعل ، فلا حكم لنا على قياسه المعيب ، بغير أنه جرى بين نملة وفيل ، أو بين ذباب يروم بلوغ السحاب ، أو بين حفنة من الثرى عبثا تنازع ثريا في سماءات المجد سطوعها .
إن كيد النساء حقا لعظيم ، ففي أحد مجالسهن المبرمة ذات فجر غابر من تاريخ أثينا العريق ، حبكن مكيدة محكمة بقيادة زعيمتهن براكساجورا ، وبدعوى إنقاذ أثينا من حكم الرجال ، وضع زمام دولتها في يد امرأة ، كما يوضع في يدها زمام بيتها ، إذ انطلت حيلتهن على مجلس أثينا الذي وافق على إعطاء السلطة وتسليمها للنساء ، ووصلت براكسا جورا للحكم بمجرد كلمات .
متخذة من قائد الجيش هيرونيموس عشيقا لها ، ومن الفيلسوف أبقراط مستشارها ، ومن جارتها كاتمة سرها .
كانت براكساجورا طيلة فترة حكمها توزع وعودا يصادم بعضها بعضا ، في فوضى حكم فردي صارخ ، يعوزه العقل والعضد ، إلى أن ثارت عليها أحزاب المعارضة التي ظهرت فجأة كما تظهر البثور في الوجه الجميل ، فانقلب عليها قائد الجيش هيرونيموس ، وأستلم نظام الحكم بعدما قمع تلك المظاهرات .
فلم يعد لأحد في ظل حكمه أن يهرف برأي، ولا أن يفتح له فم بصياح أوهتاف .
إذ كان هيرونيموس لا يرى الجمال إلا في القوة والغطرسة والبأس ، ولا يؤمن بأي حقيقة عدى ما وقع في قبضته وملأ يديه ، فكل مادون ذلك في نظره محض أوهام تافهة ، وكل المجد الذي كان يعنيه هو الظفر والإنتصار .
ولما أرسل جيشه طامحا طامعا في ذلك المجد المروم ، مني بهزيمة مذلة على أيدي المقدونيين ، فأسقط من على سدة الحكم مقهورا بخيباته القاتلة .
وعاد زمام الدولة لزوج عشيقته بلبروس الذي توج ملكا على عرش أثينا .
وإذ لا يحلو العيش لأحمق إلا وسط من شاكله من الحمقى ، فقد اتخذ من صديقه القديم كريميس وزيرا ، واحتفظ بكاتمة السر السابقة أمينة على سره .
فتفشى في أوساط الأثينيين طاعون الجشع والطمع في الثراء على أي طريق ، حتى على حساب الدولة التي تركت لمصيرها بالنهب والحيلة والتدليس، حتى قاربت على السقوط والإنهيار والإفلاس ، ولم يعد لأهلها حكاما ومحكومين من رغبة سوى الإغتناء وتكديس الثروات ، ولم تعد آذانهم تصغي لغير رنين الذهب .
ولم يعد للشعب من ولائم غير أدسم الكلام وأنفخ الخطب .
وفي محاكمة علنية أمام الشعب ، أراد الملك بلبروس وزبانيته من خلالها ذر الرماد في عيون محكوميهم المخدعوين والتخلص من أسرى الملك المحبوسين ، القائد السابق للجيش هيرونيموس والحاكمة السابقة براكساجورا والفيلسوف أبقراط ، حتى يتسنى له ولعصابته إغفال الشعب عن حقيقة ما استشرى من فساد واختلاس ونهب .
غير أن مجرى المحاكمة العلنية سارت على غير مراد الملك وعصابته ، كسفينة تسري على غير اشتهاء الريح .
فانتقم هيرومينوس لكبريائه دفاعا عن كرامته المهدورة ، وإذ نجح الفيلسوف أبقراط في إفاقة الحضور من سباتهم الطويل وكشف ملابسات المكيدة التي طبخت لهم ، ثار الشعب ضد الملك وأسقطه واستعاد حكمه وسلطته المغصوبة .
لقد تعاقب على حكم أثينا من خلال هذا النص المسرحي المدهش ثلاث حكام ، أولهم حكم النساء ممثلا في براكساجورا بما تمثله فترة حكمها من فوضى وضعف ، وتلاها حكم هيرونيموس وما مثله من ديكتاتورية وهمجية وقمع وعنف ، ليأتي حكم بلبروس وعصبته بفساده وأنانيته وقبح خيانته ، إلى أن استعاد الشعب المنتفض سلطته وزمام حكم دولته .
تعلمنا هذه المسرحية الخالدة أن كل مائدة لا تقف إلا على ثلاث سيقان ، وأن مائدة الحكم من المستحيل أن تقوم بغير ثالوث الحرية والقوة والعدل ، وأن هذه المساند الثلاث جميعها من صنيع الحكمة التي تعي مسؤولية الحكم وخطورة أمره.
وأن استعادة الشعب لسدة حكمه السليب لن يكون إلا بالديمقراطية التي تحفظ سيادته ووطنه المصون .
إذا ما قمنا بإسقاط مدلول هذه المسرحية المذهلة على الواقع المأزوم لأنظمة الحكم العربية المهترئة ، فهل لنا حقا أن نعي مفهوم هذا الدرس البليغ ، ونفقه أسباب ضعفنا المقبوح ؟ .
إن حقيقة الأمر بالنسبة لي في مشكلة الحكم أن الحكم لله من قبل ومن بعد ، ذلك الحكم الرباني الذي لا يفضل فيه احد على أحد إلا بالتقوى والعلم والصلاح .
أختم قراءتي المتواضعة بسؤال بسيط مفاده :
لماذا يعترف الفلاسفة لمعشر النساء بكل فضيلة عدى فضيلة العقل ؟.
أرجو من صديقاتي المحترمات وأستاذاتي الفضليات ألا تأخذهن حمية أنوثتهن وألا يغضبن من دعابتي وشقاوتي أيضا ، وأرجو منهن ومن كافةأساتذتي الكرام المحترمين إثراء النقاش بحواراتهم الثقافية الراقية التي تقوم موائدها على مبادئ اللباقة والإخترام والأدب .
جمعي شايبي .