عبد علي حسن - نص الذكر / نص الانثى... وحدة الأدب وخخصوصية الجندر

* أقام منتدى نازك الملائكة في الاتحاد العام الادباء والكتاب العراقيين مساء الأربعاء 19/11/2025 جلسة للسرد النسوي بعنوان (الوجه والاستلاب في نصوص مختارة من السرد النسوي ) ساهمت فيها اربع قاصات ومن اجيال مختلفة وهن انعام كجه جي ، ميسلون هادي، ولام العطار ، زهراء ناجي ، وقد تم تكليف الباحثة الدكتورة رباب هاشم في ملاحقة قرائية للنصوص فيما أدارت الشاعرة غرام الربيعي الجلسة باقتدار ملحوظ ، وقد أعادت الجلسة للأذهان جدلية نص الذكر / نص الانثى لتشكّل جدلاً لم تشأالسيدة الباحثة أن يثار في الجلسة حيث أشارت قبل أن تبدأ بتقديم ملاحظاتها إلى ( في البدء وحتى لايثار جدل فأنا لا أؤمن بأن يكون هناك ادب رجالي وأدب نسوي ، فالأدب واحد ، لأن الإبداع والوجع والاستلاب الإنساني هو واحد ) ولعل هذه المقدمة من قبل الباحثة قد ادّت إلى نتائج ابتعدت عن موجهات عنوان الجلسة التي اريد لها أن تشتغل في منطقة النقد النسوي والكشف عن موجهات النوع / النسوي العراقي ، إلا أن الباحثة رباب هاشم قد قطعت الطريق أمام تحقيق هذا التوجه عبر تقديم قراءة توصيفية لبنية الوجع والاستلاب في النصوص القصصية دون البحث في الأسباب التي ادّت إلى ظهور هذه البنى ، علما أن جميع شخصيات القصص كانت نسوية تعاني من مخرجات المجتمع الذكوري العراقي وأثره في تخليق بنى الاضطهاد والانتهاك والوجع والاستلاب وهو تجنبت الباحثة الخوض فيه نتيجة لمقدمتها التي أشرنا إليها ، وفيما يلي مساهمتي في مناقشة هذه الجدلية ، عبر التفريق بين نص الانثى ونص الذكر وفق ما انتهت إليه وجهات النظر النقدية التي اكدّت جندرية النوع الإنساني .
.* نص الذكر / نص الأنثى /شرعنة المغايرة
----------------------------------
ظهر النقد النسوي في ستينيات القرن الماضي بعده واحدا من المناهج النقدية والفكرية لما بعد الحداثة ، وبظهوره والتطورات الحاصلة على رؤاه من الجنوسة والجينثوية فقد انفصل هذا النقد عن الرؤية النقدية التي سادت في المناهج لما قبل بعد الحداثة التي تمزج النصوص المعالجة لقضية المرأة سواء كان الكاتب رجل ام امراة تحت مسمى (أدب المرأة) . وبذا فقد تم استقلال النقد النسوي عن هذه النظرة الشمولية ليختص بالنص الذي تنجزه المرأة حصرا ..وعودة الى أصل الثنائية (ذكر/انثى)فقد تمت تسمية هذا النص المنجز من قبل المرأة بنص الانثى .اذ اسهمت الدراسات النسوية وخاصة الدراسات الجينثوية ورائدتها الين شولتز في وضع منهجية خاصة لنقد نص الانثى بغية اكتشاف السمات الانثوية للنص عبر اللغة الخاصة باستخدامات الانثى لها والأساليب والتقنيات البلاغية فضلا عن الكشف عن الفضاء الأنثوي الذي لايستطيع الرجل من التعبير عنه بشكل دقيق مثلما تعيشه المرأة ..ولعل مناطق ارتياد الانثى في المنجز الأدبي او الفني يطوف في اربع مناطق وجدناها محيطة بعالم المرأة ..وهي :
1. علاقة المرأة بالرجل
وهذه العلاقة هي الأكثر حضورًا في النصوص النسوية، لأنها تمثّل حقل الصراع المركزي بين الحرية والهيمنة. هنا تظهر موضوعات:
السلطة، الجسد، العنف الرمزي، الحب المشروط، التفاوض اليومي على الوجود، وحق المرأة في تقرير مصيرها.
تمثّل هذه العلاقة البوابة الأولى التي تفتح من خلالها المرأة صوتها السردي، بوصفها ذاتًا تتحدى الصمت.
2. علاقتها بالمجتمع
وهي علاقة مع بنية أبوية واسعة تُحدد للمرأة مساحات الحركة والمعرفة والعمل ودورها في المجالين العام والخاص.
من خلال هذا المستوى، تُظهر المرأة صراعها مع الأعراف، الرقابة الجماعية، ثقل السمعة، وازدواجية المعايير.
يصبح السرد هنا مرآة لتمثيل صدامها مع مجتمع يريدها وفق نموذج واحد.
3. علاقتها بالمرأة الأخرى
هذا مستوى دقيق ومختلف؛ إذ يكشف أنّ البنية الأبوية لا تفرض علاقة الصراع فقط على المرأة تجاه الرجل، بل حتى تجاه المرأة الأخرى.
تتراوح العلاقة هنا بين التضامن ضد القمع المشترك، وبين التنافس المفروض داخل مساحة ضيقة من السلطة.
تظهر في السرد صور الأم، الأخت، الصديقة، الخصم، أو المرأة التي تستبطن قيم السلطة الذكورية وتمارسها بدورها.
4. علاقتها بنفسها
وهو المستوى الأعمق: علاقة المرأة بذاتها وهويتها وحضورها في العالم.
في هذا المستوى يتجلّى سؤال الوجود:
من أكون؟
كيف أتحرّر من تمثيلات المجتمع؟
كيف أستعيد صوتي الداخلي؟
ولذلك يكتسب هذا المستوى مكانة مركزية في السرد النسوي، لأن الكتابة نفسها تتحول إلى مساحة لاستعادة الذات من هيمنة الخطاب الاجتماعي.
هذا التقسيم الرباعي يمنح السرد النسوي إطارًا تحليليًا يتجاوز التعميمات التقليدية، ويقدّم سياقات دقيقة تُظهر تنوّع تمثيلات المرأة لذاتها والعالم.
ونرى بأن الكشف عن هذه العلاقات هو نتيجة لوضع المراة في المجتمعات البطرياركية (الأبوية)
التي تضع المراة في موضع التابع في ثنائية (الذكر/الانثى) لذلك اهتمت حركات التحرر الوطني والعالمي بالمرأة بشكل عام وبما تنجزه ثقافيا منذ روزا لوكسمبورغ وموجهات الفكر الماركسي وتطوره حتى أصبح نقدا ذو منظومة مستقلة تتقصى سمات الانثى في النص الابداعي ..فصار هذا النقد النسوي يعنى بالنص الابداعي الذي تنجزه الانثى تحديدا ويمكن تسميته بالنقد الانثوي احتكاما بالجنوسة والتأكيد على حنسية المراة في ثنائية الذكر/الانثى التي ألغتها المنهجية الفكرية والفلسفية لمابعد الحداثة والغاء التمييز الثقافي بين الذكر والانثى واعطاء الأحقية في التعبير للمرأة كما للرجل والتأكيد على ان الفارق انما هو فارق ثقافي تكرسه البنية الاجتماعية والفكرية للمجتمع القائم على دعامات السلطة الذكورية والبطرياركية .
أما المنجز الذي ينجزه الرجل وهو يعالج قضية من قضايا المرأة فأنه يدور في محورين ..
الاول يتم وفق تقنية القناع وفيه يتقنع الرجل بقناع المرأة ليتحدث وكأنه امراة باستخدام ضمير المتكلم.
الثاني معالجة وضع معين للمرأة وفق ضمير الشخص الثالث .
وفي كلا المحورين فان ماينجزه الرجل من نص يعالج فيه قضايا المراة انما هو نص المرأة ..وفيه يتضمن وجهة نظر الرجل في هذه القضية او تلك .
وقد ساد في الدراسات الادبية والنقدية هذا الاتجاه مثل ..المراة في قصص.... المرأة في شعر....
لذا أرى من المناسب التمييز بين نص المرأة الذي يكتبه الرجل ونص الانثى الذي تنجزه وتكتبه المرأة تحديدا .. وقد ذكرت هذا المفهوم بالتفصيل التنظيري في كتابي النقدي الثالث(سرد الانثى) الصادر عن المركز الثقافي للطباعة والنشر 2015 .
ومن الأمثلة التي تؤكد هذه المغايرة والاختلاف :--
الروائية الجزائرية ٱسيا جبار في (نساء الجزائر)
الروائية العراقية لطفية الدليمي في (سيدات زحل)
الروائية التركية أليف شافاق في (قواعد العشق الاربعون)
الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة .
وغيرهن الكثير من المبدعات في الادب الأنثوي العربي والعالمي مايؤكد على ماذهبنا إليه من وجود تباين واختلاف بين الكتابة الذكورية والكتابة الأنثوية من حيث اللغة والأسلوب والقضايا التي يعالجها النص .
إن هذا الجدل يؤكد أنّ السرد النسوي ليس ظاهرة شكلية أو موجة عابرة، بل خطاب يعيد النظر في علاقة المرأة بذاتها ومحيطها، ويكشف عن مستويات من القهر والمقاومة لا تظهر غالبًا في سرد الرجل ، ومع ذلك يبقى الأدب في جوهره مشروعًا جماليًا يتجاوز الحدود الهوياتية.
وهكذا يصبح التفريق بين سرد الذكروسرد الانثى مسألة قراءة لا تقويم ، وأداة فهم لا حكم ومدخلًا لتحليل التجربة الإنسانية في تعددها وتنوعها، لا بوابة لخلق هوّة بين الأدباء والأديبات .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى