الحِجاج في خدمة الرواية
قراءة في كتاب "حبكات وشخصيات: المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية" لمصطفى رجوان
محمد الشهري*
إذا أردنا رسم صورة علمية تقريبية للباحث الدكتور مصطفى رجوان، فيمكنُ القولُ إنّهُ واحدٌ من الباحثين الشباب الذين يتميزون بسمات بحثية خاصة. أولها أنّ خطّهُ البحثي يتّصلُ منذُ سنة 2019 التي نشر فيها كتاب "الرواية والحجاج"، وهو في الأصل رسالةُ ماجستير، وتوالَت بعدها الأعمال البحثية دونَ انقطاع. وثانيها، هو تنوّعُ مشروعه البحثيّ بين الكتب والمقالات العلمية والكتب الجماعية التي ينسّقها ويشرف عليها بالاشتراك مع باحثين آخرين، وكتب فيها باحثون بارزون ومجموعةٌ من الشباب من المغرب وخارجه. وثالثها، هو تلك البؤرة التي تشدُّ اهتمامه، إذ تنصبُّ دراساته على تحليل النصوص والخطابات خاصّة من خلال المقاربة البلاغية وضمنها المقاربة البلاغية الحجاجية. ورابعها، هو قدرته على استيعاب مجموعة من الأنواع والخطابات: الشعر قديمه وحديثه من خلال دراسته لشعرية جان كوهن وتطبيق لسانيات النص المستمدة منه على الشعر العربي الحديث، ودراسته التي عُنيت بدراسة الحجاج في الشعر العربي القديم خاصة قصيدة "بانت سعاد"، والسّرد العربي قديمه وحديثه، وتقديمه عملين عن كتاب "البيان والتبيين" لأبي عثمان الجاحظ. وخامسها، تأطير مشروعه البحثي ضمن مشاريع أصغر ممتدة، منها سلسلة السرديات البلاغية التي يشرف عليها بمعية الباحث عادل المجداوي، ونشرت لحدود الآن كتابين فرديين له ولعادل المجداوي فضلاً عن كتابين جماعيين مهمين.
ينتمي كتاب "حبكات وشخصيات: المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية"، أولاً إلى سلسلة السرديات البلاغية، التي تصدر عن دار كنوز المعرفة بعمّان، التي بيّن الباحث عادل المجداوي فيها معالم السرديات البلاغية أو المقاربة البلاغية للسرد في الكتاب الأول من السلسلة، أما كتاب "بلاغة التواصل السردي: نحو سرديات بلاغية للرواية العربية" الصادر سنة 2023، فقد ضم مجموعة من الأعمال المهمة النظرية والتطبيقية، وكذلك مجموعة من الترجمات التي يتعرفها القارئ من خلال السلسلة لأول مرة، والكتاب الجماعي "بلاغة التواصل السرديّ" الصادر سنة 2024، والكتاب الجماعي "السرديات البيئية" الصادر سنة 2025، الذي عرّف القارئ العربي على تخصص جديد في السرديات ما بعد الكلاسيكية. وينتمي كذلك إلى مجموعة من الأعمال التي وضعت المقاربة البلاغية في خدمة تحليل السرد العربي، إلى جانب كتاب "نعيش لنحكي: بلاغة التخييل في كليلة ودمنة" الصادر سنة 2023، و"بلاغة السرد في قصص القرآن: تنظير وإنجاز في السرديات البلاغية" الصادر سنة 2022، و"بلاغة السرد: الحكاية المركبة في كتاب البيان والتبيين" الصادر سنة 2023، فضلاً عن دراسات أخرى تجمعُ بين النظرية والتطبيق. وينتمي كذلك إلى مجموعة من الأعمال سخّرت المقاربة الحجاجية لإبراز أدبية الأدب وإغنائه برافد تحليلي جديد، أبرزُها كتاب "الحجاج والتواصل في الشعر العربي القديم" الصادر سنة 2024. فكيفَ استثمر الباحث مصطفى رجوان هذه الخبرة الطويلة في قراءة البلاغة العربية؟
يجهرُ الباحث منذُ مقدمة دراسته بتبني تساؤل القارئ العام، وأغلب الباحثين المختصين في السرديات، عن مدى ضرورة دراسة الحجاج في الرواية وجدواهُ، ويضعهم أمام إشكالية بحثية، أو تحدّ بحثيّ، هو اختبار إمكان نظرية الحجاج الإسهام في تحليل الرّواية وإبراز المزيد من إمكاناتها التّخييلية والجمالية والفكرية والقبض على تأويلات جديدة فيها. ولا شكّ أن هذا التساؤل مشروع، فنظرية الحجاج مسخّرةٌ في مظانها الأصلية لدراسة الخطابات التداوُلية مثل الخطابة والمناظرة والمرافعة والمقال الصحافي، لكنّ مجاورتها مع أنواع الأدب يثيرُ الارتياب والتشكيك في نفوس الباحثين غير المختصين في المقاربة البلاغية. فكيفَ صاغ الباحث بيداغوجيا تبديد الشكوك والإقناع بجدوى المقاربة البلاغية الحجاجية؟
انطلق الباحث، بعد المقدمة، بعرض أهم اتجاهات الأعمال التي ناقشت الحجاج في الرواية العربية، وصنّفها، وبين مشاكلها وثغراتها، وبيّن أيضاً أفكارها المفيدة. بعد ذلك قدّم الباحث عرضاً متميزاً للمقاربة البلاغية للسرد والرواية، لأن المقاربة البلاغية مبحثٌ واقعٌ ضمنها ولا يمكن فهم الخاص العامّ، في مظانها ابتداء من نقاش أفلاطون وأرسطو، مروراً بمرحلة بلاغة التخييل مع واين بوث وسيمور شاتمان، وصولاً إلى السرديات البلاغية مع جيمس فيلان وبيتر رابينوفيتش. ولا ننسى جهد الباحث عادل المجداوي الكبير في هذا الصدد في الكتاب الأول من سلسلة "السرديات البلاغية". ثم انتقل الباحث إلى بسط معالم المقاربة الحجاجية، وحدّد ما سيعتمده من نظرية الحجاج وما سيميطه انسجاماً مع طبيعة الرواية. وفي الفصل الثالث استقرأ البحث علاقة الحجاج بالسرد منذُ أرسطو، واستخلص من تراثنا البلاغي بعض مبادئ حازم القرطاجني في توظيف الحجاج الأرسطي في خدمة الشعر، وصولاً إلى تقريب الحجاج والجنس الروائي. وفي الفصل الخامس تعرّض إلى إشكالية مهمة وضرورية في مقاربة الحجاج الروائي هي إشكالية اشتغال الحجاج في ظلّ تعدد شبكة التواصل في الرواية، فهناك تواصل المؤلف الضمني وقارئه الضمني، وتواصل السارد والمسرود له، وتواصل الشخصيات.
وقد أفضت المناقشات السابقة، وخدمة الحجاج التاريخية للسرد، وخدمة السرد للحجاج إلى وجود مدخلين لدراسة الرواية، هما: الحجاج في الرواية والحجاج بالرواية في النوع الذي يعرف برواية الأطروحة. إضافة إلى مدخل آخر هو "البعد الحجاجي" الناتج عن ظهور مفهوم البعد الحجاجي الذي ظهر في فترة الانفتاح على القارئ واعتبار مشاركته في صناعة شعرية العمل الأدب.
يحتجُّ الباحث لمقاربته البلاغية بأن الحجاج ليسَ إسقاطاً منه أو إقحاماً له في عالم الرواية، وإنما دراسته نابعةٌ من وجود بنيات حجاجية بدرجات متفاوتة في الروايات. فقد اهتم الشعريون، خاصة في فرنسا، بأنماط أخرى مثل الوصف والحوار، لكنهم لم يهتموا كثيراً بالبنيات الحجاجية. ويرى الباحث أن الحجاج الروائي وإن كان واقعاً ضمن تواصلات تخييلية بين السارد والمسرود له من جهة والشخصيات من جهة أخرى، إلا أن المؤلفين يستعملونه مورداً للتواصل مع قرائهم والتأثير فيهم وإخبارهم وبناء عوالمهم التخييلية وإغنائها فكرياً. ويحتجُّ كذلك بأن مجموعة من الروايات استعملت تاريخياً في سبيل الإقناع بأيديولوجية المؤلف والدفاع عن مجموعة من القضايا، وليس أدل على ذلك من كتاب "رواية الأطروحة" الشهير لسوزان سليمان. وقد وضح الباحث أساليب الإقناع في هذا النوع الفرعي من الرواية، وتشكّل الحجج فيها، بما لا يتعارض مع طبيعتها التخييلية. بينما خصص الفصل النظري الأخير لبسط معالم مفهوم البعد الحجاجي وإبراز أهميته في تأويل الرواية العربية.
يلاحظُ قارئ كتاب "حبكات وشخصيات" الحضور الكبير للروايات المحللة والمستشهد بها، وقد بلغت خمسة وعشرين واحدة من أبرز الأعمال الروائية العربية، وغنى دراسته بالدراسات المهمة التي جاءت في مواضعها الدقيقة لتوضيح نقط الدراسة وإشكالاتها.
أما القسم التطبيقي فقد خصّصه الباحث لتحليل ستّ روايات عربية موزعة على المداخل الثلاث الممكنة التي اقترحها الباحث، ومتنوعة في اتجاهاتها فهناك الرواية السياسية والرواية النسوية والرواية الحضارية والرواية الشّطارية والرواية الواقعية والرواية البيئية. وقد أبان التحليل عن قدرة المقاربة البلاغية الحجاجية على كشف دور الحجاج في بناء الرواية، وعن جماليات وتأويلات جديدة فيها، وأن حضوره فيها ليسَ زائدةً نصية بقدر ما هو مورد من الموارد التي قد يلجأُ إليها مؤلفو الرواية بكثافة في سبيل تشييد عوالمهم الروائية وإغنائها فكرياً وفتحها على التأويل وإشراك القراء فيها تخييليّاً وجمالياً وفكريّاً.
لقد خاض الباحث الدكتور مصطفى رجوان غمار بحث وعر المسالك ومليئ بالإشكالات، لكنه أنتج، بالمقابل، بحثاً نوعيّاً، ومرجعاً مهما أغنى المكتبة العربية، ومن شأنه توجيه دراسات الرواية والسرد عامة، وإفادتها، وإثارة قضايا جديدة في مجال البحث الروائي الذي ظلّ يعيشُ في السنوات الأخيرة أزمة التكرار وطغيان المباحث البنيوية.
باحث في البلاغة وتحليل الخطاب, المغرب
قراءة في كتاب "حبكات وشخصيات: المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية" لمصطفى رجوان
محمد الشهري*
إذا أردنا رسم صورة علمية تقريبية للباحث الدكتور مصطفى رجوان، فيمكنُ القولُ إنّهُ واحدٌ من الباحثين الشباب الذين يتميزون بسمات بحثية خاصة. أولها أنّ خطّهُ البحثي يتّصلُ منذُ سنة 2019 التي نشر فيها كتاب "الرواية والحجاج"، وهو في الأصل رسالةُ ماجستير، وتوالَت بعدها الأعمال البحثية دونَ انقطاع. وثانيها، هو تنوّعُ مشروعه البحثيّ بين الكتب والمقالات العلمية والكتب الجماعية التي ينسّقها ويشرف عليها بالاشتراك مع باحثين آخرين، وكتب فيها باحثون بارزون ومجموعةٌ من الشباب من المغرب وخارجه. وثالثها، هو تلك البؤرة التي تشدُّ اهتمامه، إذ تنصبُّ دراساته على تحليل النصوص والخطابات خاصّة من خلال المقاربة البلاغية وضمنها المقاربة البلاغية الحجاجية. ورابعها، هو قدرته على استيعاب مجموعة من الأنواع والخطابات: الشعر قديمه وحديثه من خلال دراسته لشعرية جان كوهن وتطبيق لسانيات النص المستمدة منه على الشعر العربي الحديث، ودراسته التي عُنيت بدراسة الحجاج في الشعر العربي القديم خاصة قصيدة "بانت سعاد"، والسّرد العربي قديمه وحديثه، وتقديمه عملين عن كتاب "البيان والتبيين" لأبي عثمان الجاحظ. وخامسها، تأطير مشروعه البحثي ضمن مشاريع أصغر ممتدة، منها سلسلة السرديات البلاغية التي يشرف عليها بمعية الباحث عادل المجداوي، ونشرت لحدود الآن كتابين فرديين له ولعادل المجداوي فضلاً عن كتابين جماعيين مهمين.
ينتمي كتاب "حبكات وشخصيات: المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية"، أولاً إلى سلسلة السرديات البلاغية، التي تصدر عن دار كنوز المعرفة بعمّان، التي بيّن الباحث عادل المجداوي فيها معالم السرديات البلاغية أو المقاربة البلاغية للسرد في الكتاب الأول من السلسلة، أما كتاب "بلاغة التواصل السردي: نحو سرديات بلاغية للرواية العربية" الصادر سنة 2023، فقد ضم مجموعة من الأعمال المهمة النظرية والتطبيقية، وكذلك مجموعة من الترجمات التي يتعرفها القارئ من خلال السلسلة لأول مرة، والكتاب الجماعي "بلاغة التواصل السرديّ" الصادر سنة 2024، والكتاب الجماعي "السرديات البيئية" الصادر سنة 2025، الذي عرّف القارئ العربي على تخصص جديد في السرديات ما بعد الكلاسيكية. وينتمي كذلك إلى مجموعة من الأعمال التي وضعت المقاربة البلاغية في خدمة تحليل السرد العربي، إلى جانب كتاب "نعيش لنحكي: بلاغة التخييل في كليلة ودمنة" الصادر سنة 2023، و"بلاغة السرد في قصص القرآن: تنظير وإنجاز في السرديات البلاغية" الصادر سنة 2022، و"بلاغة السرد: الحكاية المركبة في كتاب البيان والتبيين" الصادر سنة 2023، فضلاً عن دراسات أخرى تجمعُ بين النظرية والتطبيق. وينتمي كذلك إلى مجموعة من الأعمال سخّرت المقاربة الحجاجية لإبراز أدبية الأدب وإغنائه برافد تحليلي جديد، أبرزُها كتاب "الحجاج والتواصل في الشعر العربي القديم" الصادر سنة 2024. فكيفَ استثمر الباحث مصطفى رجوان هذه الخبرة الطويلة في قراءة البلاغة العربية؟
يجهرُ الباحث منذُ مقدمة دراسته بتبني تساؤل القارئ العام، وأغلب الباحثين المختصين في السرديات، عن مدى ضرورة دراسة الحجاج في الرواية وجدواهُ، ويضعهم أمام إشكالية بحثية، أو تحدّ بحثيّ، هو اختبار إمكان نظرية الحجاج الإسهام في تحليل الرّواية وإبراز المزيد من إمكاناتها التّخييلية والجمالية والفكرية والقبض على تأويلات جديدة فيها. ولا شكّ أن هذا التساؤل مشروع، فنظرية الحجاج مسخّرةٌ في مظانها الأصلية لدراسة الخطابات التداوُلية مثل الخطابة والمناظرة والمرافعة والمقال الصحافي، لكنّ مجاورتها مع أنواع الأدب يثيرُ الارتياب والتشكيك في نفوس الباحثين غير المختصين في المقاربة البلاغية. فكيفَ صاغ الباحث بيداغوجيا تبديد الشكوك والإقناع بجدوى المقاربة البلاغية الحجاجية؟
انطلق الباحث، بعد المقدمة، بعرض أهم اتجاهات الأعمال التي ناقشت الحجاج في الرواية العربية، وصنّفها، وبين مشاكلها وثغراتها، وبيّن أيضاً أفكارها المفيدة. بعد ذلك قدّم الباحث عرضاً متميزاً للمقاربة البلاغية للسرد والرواية، لأن المقاربة البلاغية مبحثٌ واقعٌ ضمنها ولا يمكن فهم الخاص العامّ، في مظانها ابتداء من نقاش أفلاطون وأرسطو، مروراً بمرحلة بلاغة التخييل مع واين بوث وسيمور شاتمان، وصولاً إلى السرديات البلاغية مع جيمس فيلان وبيتر رابينوفيتش. ولا ننسى جهد الباحث عادل المجداوي الكبير في هذا الصدد في الكتاب الأول من سلسلة "السرديات البلاغية". ثم انتقل الباحث إلى بسط معالم المقاربة الحجاجية، وحدّد ما سيعتمده من نظرية الحجاج وما سيميطه انسجاماً مع طبيعة الرواية. وفي الفصل الثالث استقرأ البحث علاقة الحجاج بالسرد منذُ أرسطو، واستخلص من تراثنا البلاغي بعض مبادئ حازم القرطاجني في توظيف الحجاج الأرسطي في خدمة الشعر، وصولاً إلى تقريب الحجاج والجنس الروائي. وفي الفصل الخامس تعرّض إلى إشكالية مهمة وضرورية في مقاربة الحجاج الروائي هي إشكالية اشتغال الحجاج في ظلّ تعدد شبكة التواصل في الرواية، فهناك تواصل المؤلف الضمني وقارئه الضمني، وتواصل السارد والمسرود له، وتواصل الشخصيات.
وقد أفضت المناقشات السابقة، وخدمة الحجاج التاريخية للسرد، وخدمة السرد للحجاج إلى وجود مدخلين لدراسة الرواية، هما: الحجاج في الرواية والحجاج بالرواية في النوع الذي يعرف برواية الأطروحة. إضافة إلى مدخل آخر هو "البعد الحجاجي" الناتج عن ظهور مفهوم البعد الحجاجي الذي ظهر في فترة الانفتاح على القارئ واعتبار مشاركته في صناعة شعرية العمل الأدب.
يحتجُّ الباحث لمقاربته البلاغية بأن الحجاج ليسَ إسقاطاً منه أو إقحاماً له في عالم الرواية، وإنما دراسته نابعةٌ من وجود بنيات حجاجية بدرجات متفاوتة في الروايات. فقد اهتم الشعريون، خاصة في فرنسا، بأنماط أخرى مثل الوصف والحوار، لكنهم لم يهتموا كثيراً بالبنيات الحجاجية. ويرى الباحث أن الحجاج الروائي وإن كان واقعاً ضمن تواصلات تخييلية بين السارد والمسرود له من جهة والشخصيات من جهة أخرى، إلا أن المؤلفين يستعملونه مورداً للتواصل مع قرائهم والتأثير فيهم وإخبارهم وبناء عوالمهم التخييلية وإغنائها فكرياً. ويحتجُّ كذلك بأن مجموعة من الروايات استعملت تاريخياً في سبيل الإقناع بأيديولوجية المؤلف والدفاع عن مجموعة من القضايا، وليس أدل على ذلك من كتاب "رواية الأطروحة" الشهير لسوزان سليمان. وقد وضح الباحث أساليب الإقناع في هذا النوع الفرعي من الرواية، وتشكّل الحجج فيها، بما لا يتعارض مع طبيعتها التخييلية. بينما خصص الفصل النظري الأخير لبسط معالم مفهوم البعد الحجاجي وإبراز أهميته في تأويل الرواية العربية.
يلاحظُ قارئ كتاب "حبكات وشخصيات" الحضور الكبير للروايات المحللة والمستشهد بها، وقد بلغت خمسة وعشرين واحدة من أبرز الأعمال الروائية العربية، وغنى دراسته بالدراسات المهمة التي جاءت في مواضعها الدقيقة لتوضيح نقط الدراسة وإشكالاتها.
أما القسم التطبيقي فقد خصّصه الباحث لتحليل ستّ روايات عربية موزعة على المداخل الثلاث الممكنة التي اقترحها الباحث، ومتنوعة في اتجاهاتها فهناك الرواية السياسية والرواية النسوية والرواية الحضارية والرواية الشّطارية والرواية الواقعية والرواية البيئية. وقد أبان التحليل عن قدرة المقاربة البلاغية الحجاجية على كشف دور الحجاج في بناء الرواية، وعن جماليات وتأويلات جديدة فيها، وأن حضوره فيها ليسَ زائدةً نصية بقدر ما هو مورد من الموارد التي قد يلجأُ إليها مؤلفو الرواية بكثافة في سبيل تشييد عوالمهم الروائية وإغنائها فكرياً وفتحها على التأويل وإشراك القراء فيها تخييليّاً وجمالياً وفكريّاً.
لقد خاض الباحث الدكتور مصطفى رجوان غمار بحث وعر المسالك ومليئ بالإشكالات، لكنه أنتج، بالمقابل، بحثاً نوعيّاً، ومرجعاً مهما أغنى المكتبة العربية، ومن شأنه توجيه دراسات الرواية والسرد عامة، وإفادتها، وإثارة قضايا جديدة في مجال البحث الروائي الذي ظلّ يعيشُ في السنوات الأخيرة أزمة التكرار وطغيان المباحث البنيوية.
باحث في البلاغة وتحليل الخطاب, المغرب