عبدالواسع طه محمد السقاف - أولُ من كتب قصيدةً في الشعر العربي

حقيقةُ الأمر أنَّ الشعرَ العربيَّ أقدمُ من أن يُنسَبَ إلى شاعرٍ واحدٍ بعينه، وكان في بداياته شفهيًا يتناقله الناس قبل التدوين بقرون. ولا يوجد “أولُ شاعرٍ” متفَقٌ عليه، لكنَّ تراثَ الأدب العربي يذكر عددًا من الرواد الأوائل الذين يُنسَب إليهم وضعُ اللبنات الأولى للشعر الجاهلي. ويروي العربُ أسماءً أسطوريةً مثل عديّ بن ربيعة (المهلهل)، الذي عدَّه بعضُهم أوّلَ من “هذّب الشعر”، غير أنّ هذا أمرٌ تراثيٌّ لا دليلَ قطعيًّا عليه.
ويرى كثيرٌ من النقاد أن امرأ القيس بن حجر الكندي، ويُسمّى أيضًا الملكَ الضِّليل، هو أوّلُ من وقف على الأطلال، وأوّلُ من بكى ديار الأحبة، وأوّلُ من قصّ القصص في الشعر العربي. وليس المرادُ أنّه أولُ من قال الشعر، بل إنّه أولُ من أكمل صورةَ القصيدة الجاهلية بطورها المعروف: الطلل ← الغزل ← وصف الرحلة ← الفخر أو القتال.
وجديرٌ بالذكر أنَّ الشعر الجاهليَّ الموقوفَ على أسماء محددة في كتب التراث هو شعرٌ محفوظٌ بالرواية، وأنَّ هناك ضياعًا هائلًا يجعل الحكمَ على الأوليات التاريخية أمرًا متعذّرًا.
وهؤلاء الشعراء الجاهليون ليسوا الأوائلَ تاريخيًا، لكنَّهم أقدمُ من وصلت أشعارُهم متماسكةً إلينا (والتواريخُ قرينةُ كلِّ اسمٍ تقديريةٌ؛ لأن تواريخ ميلادهم ووفاتهم غيرُ قطعيةٍ إلا نادرًا):
• عدي بن ربيعة (الزير سالم) 440–500م: من أقدمِ من عُرفوا بالشعر في عصر حرب البسوس.
• عدي بن زيد العبادي 500–540م: شاعرٌ جاهليٌّ مبكر، كان شاعرًا في زمن ملوك المناذرة، وكان معاصرًا لامرئ القيس زمنيًا، وقيل أصغرُ منه قليلًا في بعض الروايات.
• امرؤ القيس بن حجر الكندي 500–540م: يُعدّ رائدَ بناء القصيدة الجاهلية ونضجها الفني، ومعلّقته من أقدم القصائد المكتملة الهيكل التي وصلت إلينا.
• طرفة بن العبد 543–569م: من شعراء المعلقات، وُلِد بعد امرئ القيس بقليل.
• زهير بن أبي سلمى 520–609م: من شعراء المعلقات، ومن حكماء الشعر الجاهلي.
• النابغة الذبياني 535–604م: من شعراء المعلقات وشاعر الملوك، عاش في أواخر الجاهلية.
• عنترة بن شداد 525–615م: من شعراء المعلقات، وفارسٌ وشاعرٌ من الطبقة الاحقة.
ومما وصل منسوبًا إلى الزير سالم—وإن كان كثير من شعره يخالطه الأسطورة —هذا الرثاء البديع الذي قاله عند مقتل أخيه كليب (وتأمل جمال الصورة وبديع وسلاسة التعبير وقوة العاطفة وصدق المشاعر):
أَهاجَ قَذاءَ عَينِيَ الإِذِّكارُ
هُدُوّاً فَالدُموعُ لَها اِنحِدارُ
وَصارَ اللَيلُ مُشتَمِلاً عَلَينا
كَأَنَّ اللَيلَ لَيسَ لَهُ نَهارُ
وَبِتُّ أُراقِبُ الجَوزاءَ حَتّى
تَقارَبَ مِن أَوائِلِها اِنحِدارُ
أُصَرِّفُ مُقلَتَيَّ في إِثرِ قَومٍ
تَبايَنَتِ البِلادُ بِهِم فَغاروا
وَأَبكي وَالنُجومُ مُطَلِّعاتٌ
كَأَن لَم تَحوِها عَنّي البِحارُ
عَلى مَن لَو نُعيتُ وَكانَ حَيّاً
لَقادَ الخَيلَ يَحجُبُها الغُبارُ
دَعَوتُكَ يا كُلَيبُ فَلَم تُجِبني
وَكَيفَ يُجيبُني البَلَدُ القِفارُ
أَجِبني يا كُلَيبُ خَلاكَ ذَمُّ
ضَنيناتُ النُفوسِ لَها مَزارُ
أَجِبني يا كُلَيبُ خَلاكَ ذَمُّ
لَقَد فُجِعَت بِفارِسِها نِزارُ
سَقاكَ الغَيثُ إِنَّكَ كُنتَ غَيثاً
وَيُسراً حينَ يُلتَمَسُ اليَسارُ
أَبَت عَينايَ بَعدَكَ أَن تَكُفّا
كَأَنَّ غَضا القَتادِ لَها شِفارُ
وَإِنَّكَ كُنتَ تَحلُمُ عَن رِجالٍ
وَتَعفو عَنهُمُ وَلَكَ اِقتِدارُ
وَتَمنَعُ أَن يَمَسَّهُمُ لِسانٌ
مَخافَةَ مَن يُجيرُ وَلا يُجارُ
وَكُنتُ أَعُدُّ قُربي مِنكَ رِبحاً
إِذا ما عَدَّتِ الرِبحَ التِجارُ
فَلا تَبعَد فَكُلٌّ سَوفَ يَلقى
شَعوباً يَستَديرُ بِها المَدارُ
يَعيشُ المَرءُ عِندَ بَني أَبيهِ
وَيوشِكُ أَن يَصيرَ بِحَيثُ صاروا
أَرى طولَ الحَياةِ وَقَد تَوَلّى
كَما قَد يُسلَبُ الشَيءُ المُعارُ
كَاَنّي إِذ نَعى النّاعي كُلَيباً
تَطايَرَ بَينَ جَنبَيَّ الشَرارُ
فَدُرتُ وَقَد عَشِيَّ بَصَري عَلَيهِ
كَما دارَت بِشارِبِها العُقارُ
سَأَلتُ الحَيَّ أَينَ دَفَنتُموهُ
فَقالوا لي بِسَفحِ الحَيِّ دارُ
فَسِرتُ إِلَيهِ مِن بَلَدي حَثيثاً
وَطارَ النَومُ وَاِمتَنَعَ القَرارُ
وَحادَت ناقَتي عَن ظِلِّ قَبرٍ
ثَوى فيهِ المَكارِمُ وَالفَخارُ
لَدى أَوطانِ أَروَعَ لَم يَشِنهُ
وَلَم يَحدُث لَهُ في الناسِ عارُ
أَتَغدوا يا كُلَيبُ مَعي إِذا ما
جَبانُ القَومِ أَنجاهُ الفِرارُ
أَتَغدوا يا كُلَيبُ مَعي إِذا ما
حُلوقُ القَومِ يَشحَذُها الشِفارُ
أَقولُ لِتَغلِبٍ وَالعِزُّ فيها
أَثيروها لِذَلِكُمُ اِنتِصارُ
تَتابَعَ إِخوَتي وَمَضوا لِأَمرٍ
عَلَيهِ تَتابَعَ القَومُ الحِسارُ
خُذِ العَهدَ الأَكيدَ عَلَيَّ عُمري
بِتَركي كُلَّ ما حَوَتِ الدِيارُ
وَهَجري الغانِياتِ وَشُربَ كَأسٍ
وَلُبسي جُبَّةً لا تُستَعارُ
وَلَستُ بِخالِعٍ دِرعي وَسَيفي
إِلى أَن يَخلَعَ اللَيلَ النَهارُ
وَإِلّا أَن تَبيدَ سَراةُ بَكرٍ
فَلا يَبقى لَها أَبَداً أَثارُ
الخلاصة: إنَّ البحث عن “أول شاعر” بحثٌ تراثيٌّ لا تاريخيٌّ؛ لأن تاريخ الشعر أبعدُ من أن يُحصَر في شخص، وأقدمُ من أن يُضبَط ببداية محدَّدة؛ فالعرب — للأسف الشديد — لم يكونوا يدونون ويوثّقون تراثهم حتى صدر الإسلام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى