عبدالعزيز كوكاس - حديقة الموتى....

"أجلس القرفصاء أمام القبر الذي يبدو صاحبه حديث عهد بالإقامة بين التراب، فيما نظرات أبي تفترسني. فأسدل قُبَّ الجلباب على رأسي وأقبض بيد مرتعشة على الشاهدة الحجرية، ثم أشرع في تلاوة الحزب الذي أحفظني أبي إياه بمشقة، حتى صرت أردده كالببغاء: النعيم والجنة، والوسواس الخناس، والموت والعذاب والملائكة... وغيرها ألفاظ كانت تبدو خفيفة على لساني ثقيلة على فهمي، وظلت معانيها منحصرة بين الجدران المتهدمة لحديقة الموتى، فهم وحدهم المعنيون بها. أقصد هؤلاء الموتى داخل فصولهم الدراسية التي أعياني إعمال المخيلة في تصور شكلها. كان يخيل إليَّ أن الموتى عندما يجن الليل، يقرع الجرس، كما في المدرسة عندما يزف موعد الاستراحة، فينهضون من قبورهم ثم ينفضون عنهم التراب، ويتسابقون ويجرون في هرج ومرج ليلعبوا في جنات النعيم، ليرفهوا عن أنفسهم ومن العذاب الذي يلاقونه في ظلمات القبر الأبدية. وخيل لي أن نكير ومنكير لهما وجه معلمنا الأقرع بكرشه المتدلية كالحامل، وبذلك السوط البلاستيكي الذي كثيرا ما ألهب جسدي."
وأبي يقول بإصرار:
إن أخطأت فإن الله سيعذبك بالنار!
وأنا لا أريد أن أخطئ عمددا ولا سهوا، ثم ما لي والعذاب الذي تجرني إليه مغضوبا، فأنت من يلبسني هذا الجلباب المترهل ويدخل قدمي النحيفة في هذا الحذاء الضخم لأبدو فقيهًا محترمًا: "فبأي آلاء ربكما تكذبان، سنفرغ لكما أيها الثَّقَلان". يُناديني الناس ذوو الأفئدة المكلومة لأقرأ على قبور موتاهم، "فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان نضَّاختان". يجف حلقي وأخشى أن يتلعثَم لساني، فأعرض نفسي لعذابات لا متناهية: "فبأي آلاء ربكما تكذبان". عذاب والدي الذي يترقب النقود، وهو على بُعد بضعة أمتار مني، وعذاب أهل الميت عندما يكتشفون انتحالي لشخصية الفقيه، وعذاب الله الذي أخبرني به أبي، فهو يمهل ولا يهمل: "فبأي آلاء ربكما تكذبان..."
في البداية كان الأمر مجرد لعبة بالنسبة لي، لعبة مُسَلّية، أجمل ما فيها ذلك التين المجفف الذي أزْدردُهُ في غفلة عن عينك الحارسة دون الالتفات إلى تلك الدُّوَيْدَات الصغيرة البيضاء برؤوسها الحمراء والبنية والتي كلما أحسست بمغص في معدتي ظنَنْتها كبُرت وتناسلت داخل بطني فأصبحت جيشا عرمرما كافيا لإبَادَتي، ثم تلك القروش التي ما أن أمْسكها حتى تهرعُ لتسلبني إياها. وما عدا ذلك فإن الأمر غدا مُحرِجا ومُملا، خاصة عندما اكتَسَحَتْني ذات يوم عينا تلميذ يَدْرُس معي في القسم، فَنَقَل خبري إلى المدرسة وأصبحت مسْخرة بين الأطفال الذين كنت أتحكم في رقابهم قَبلئذ.
"فبأي آلاء ربكما تكذبان"، يوسف يمثل فقيهًا، يوسف يلبس حذاء بَّا القرقوري، "فبأي آلاء ربكما تكذبان"، يوسف يرتدي جلباب بَّا خيي، "فبأي آلاء ربكما تكذبان..."
أنت لا يُعنيك هذا الأمر قطُّ، أعرف ذلك تمامًا، أعرف حق المعرفة أنك تقبضُ الدراهم وتَشتري بها قنينة خمر، وتَقعد في البيت "تُهدرز". وعندما أقول لك أريد دفترا، ترغي وتُزبد، وتَسُبني بخُبث: "يلعن فرج أمك الق... التي خَلَّفت لي عتروسًا، بغلًا، حمارًا."!
هو أنا الحمار الذي سيقودك إلى حديقة الموتى، ويقرأ فوق قبرك "فبأي آلاء ربكما تكذبان"، هو أنا البغل الذي سيخرجُ على بقية عمرك، والعتروس الذي "سيُصَفِّيها" لك، هل تفهم؟!
وإذا لم تفهم الآن، فإن الزمان كفيل بأن يُفهمك إن شاء الله، وإذا كنت بحاجة إلى توضيح، فالمعلم سيشرح لك ما في التلاوة. هل تعرف قصة العتروس الذي خَرَج على ذريَّة بكاملها، وعندما أراد صاحبه أن يتخلص منه، قَذف به في البئر فعلق قرنه بقب جلبابه فهلكا معًا... سترى! ما ذنبي إذا كنت حمارًا لا أفهم كما تقول، فكم تصارعت معك أمي وتضرعت أمامك.
لا تحمل يوسف إلى المقبرة، رجاء يرحم والديك.
وعندما كنت تصفع خدَّها وترفسها كالبغل، كانت تتشبَّث بتلابيبي، وتقول:
يوسف يا وليدي، لا تقرأ شاهدة المقبرة.
لماذا يا أمي؟!
راها تَتْكلَّخْ على القْرايَة وتُعمي البصر..
لم يكن يوسف يفهم شيئا عن أسرار تلك اللعبة المعقدة، كأن هناك قوة غاشمة عمياء تدفعه إلى مسالك موجعة... وسلام على المرسلين آمين.
الله يخلف آسيدي.
حاول أن يفك الحبل الذي شُدَّ به سرواله، فلم يحس إلا ويد أبيه تمسك بتلابيبه، فقد انقض عليه في لمح البصر وأخذ يضغط على فم يوسف بكفه الخشن ليبصق النقود التي حاول إخفاءها عنه.


مجلة أبركان الثقافية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى