مصطفى فودة - قراءة وتحليل"حين يغيب العالم" مجموعة قصصية للكاتبة فاطمة الشريف بقلم مصطفى فودة

يثير عنوان المجموعة القصصية فضول القارئ وتساؤله عن دلالته، فهى جملة ملتبسة الدلالة تحمل معنى الشرط وبها محذوف فى حاجة إلى استدعائه، وهى تقنية سردية متروك للقارئ مشاركته بتأويله وتفسيره حسب تصوره وثقافته، ولكنها تدلل على أننا أمام مجموعة بها كثير من الغموض الفنى الجميل على ما سنرى، فكلمة (حين) ظرف زمان تعنى الزمن أو الوقت وتستخدم بمعنى عندما، وغياب العالم قد تحمل دلالة غياب الحب أو الحبيب أو الرفيق أو الزوج أو البراءة، ويمكن تأويل المحذوف بالتعاسة والحزن والاضطراب، يعقب العنوان إهداء "إليه حيث يكون" أيضًا هى عبارة ملتبسة الدلالة فقد تشير إلى دلالة الحب أو الحبيب حيث يكون، كذلك التصدير عبارة لطاغور"إننى أنتظر الحب وحده، لأهب نفسى، أخيرًا بين يديه" وهذا التصدير يعزز قراءتى عن دلالة العنوان والإهداء إلى الحب أو الحبيب ، وعنوان المجموعة من عنوان القصة التاسعة عشرة (قبل الأخيرة) "حين يغيب العالم لحظة" وهى عن طفل فى الثامنة من عمره يعانى من هوس بالجنس ودلالة عنوان القصة عن لحظة النشوة التى شعر بها حين اقترب من فتاة كان يلعب معها "هذه المرة المرة الأولى التى شعرت فيها بنشوة حقيقية حين يغيب العالم لحظة"ص100 ، ويثورتساؤل هنا هل دلالة عنوان القصة يقيد دلالة عنوان المجموعة إذا اتخذتها عنوانًا لها ؟
فى رأيّ أن دلالة عنوان المجموعة أكثر اتساعا وشمولية وتعبيرا عن باقى قصص المجموعة من عنوان القصة المنفردة ، فعنوان المجموعة أصبح أحد عتباتها ومتأثرة بباقى عتباتها من غلاف وإهداء وتصدير وكذلك الروح العامة لقصصها وكلها مغاير لما اقتصرت عليه دلالة عنوان القصة قبل الأخيرة والتى حُددت بكلمة (لحظة).
تتكون المجموعة من عشرين قصة قصيرة تقع فى مائة واثنتى عشرة صفحة يربط بينها الشعور بالوحدة والتعاسة والحزن (1)، تبدا المجموعة بقصة وجود الإنسان فى رحم أمه قبل ميلاده بعنوان (موجة لا تعود للبحر) "مكورعلى نفسه فى رحم أمه"ص9 فالرحم يشبه البحر حيث يحيط بالجنين الماء من جميع الجهات، وبالقصة نزعة وجودية حزينة فى عبارات مثل لا جدوى الحياة، عبثية الحياة، الحياة تضيق بك، تخرج صارخًا عارًيا، تفتح عينيك أخيرًا على الحياة، وفى قصة "إشارات تلوح لى" تقوم على التخييل أو الحلم عن قصة حب بين الساردة وبين عمر أخى زوجها الذى يغيب بشخصه واسمه فى القصة، وقد يكون عمر معادلا موضوعيا للحبيب، وربما تحمل دلالة زواج البنت خاصة فى صعيد مصر أو فى الأرياف بزوج لا تعرفه أو تراه أو تكرهه ومن هنا تبدو شبحية شخص الزوج وحبها المتخيل أو فى الحلم لشخص آخر اسمه عمر.
بالمجموعة قصص ذات حمولة ثقافية كبيرة حيث استدعت الكاتبة بعض الشخصيات الشهيرة من المفكرين والفنانين من ثقافات مختلفة بحمولتهم الفكرية والفنية وأقامت معهم حوارا بديعا ذكرت فيه أكثر ما يميزها من أقوال أو أفعال، مثل قصة "رأسى أكبر من جسدى" استدعت الساردة فيها زرادشت(2) وأقامت معه حوارًا عن تعظيم الحرية ونبذ الخوف والإعتماد على النفس مثل "ألم تعلمى أن الخوف هو القيد الحقيقى للإنسان"، تحرروا منى ولا تتبعونى، كونوا أنفسكم"، أؤمن بكل شئ يستحق المغامرة"،"إننى ذلك الذى يجب عليه دوما أن يتجاوز نفسه"، كذلك استدعت الساردة الفنان "فان جوخ" فى "قصة عتمة ونور" وحذاءه الشهير المهترئ والذى صوره فى عدة لوحات وكذلك لوحاته المقهى الليلى والبيت الاصفر" (3) وبالقصة مقولات حكمية مثل "إذا ضللت الطريق اتبع قلبك"ص40 و"الحياة منحة عظيمة لابد أن يقدرها الإنسان"ص43 ، وفى قصة "الفراشة النائمة" حوار متخيل بين مؤلف رواية وبين إحدى شخصياتها والتى تتمرد عليه وتعترض على دورها فى الرواية وتريد حياة غير الذى اختارها لها فى الرواية وتجادله بأنه لايعرف شيئا عن المراة.
تناولت بعض قصص المجموعة حياة العزلة والوحدة واضطراب الشخصية وأزماتها، فى قصة "يختفى خلف التفاصيل" يحتفل السارد وحده بعيد ميلاده الأربعين بمزيد من الوحدة والتعاسة وبها احتفاء كبير بالمرايا والتى لها دلالة على ذات السارد ووعيه حيث يستدعى مراحل عمره المختلفة وهو رضيع ثم فى الحضانة ثم فى الحرم الجامعى، وقد عبر السارد بضمير المذكر ولكن الحس الأنثوى ومظاهر الأنوثة ظاهرة للعيان، مثل الارتباط بالمرآة وشدة الخجل واحمرار الوجه والانزعاج من مرور سنوات العمر مع الوحدة وتحسس الجسد وتفحصه " يزعجنى إحصاء عدد السنوات، أمام مرآتى تحسست بشرتى شفتى،رقبتى، ..تحسست جسدى البكر، أتفحصه" ص34 وهى عبارات وتصرفات أنثوية بامتياز، وفى قصة "بين يديه" يعانى السارد من اضطراب فى الشخصية لانقسام ذاته إلى شخص آخر يشبهه "أحدق فى ملامحه كان يشبهنى كثيرًا" وتنتهى القصة باطلاق رصاصة فى قلبه (نفسه)، والسارد بالقصة بضمير المذكرأيضا وكان أنسب لها ضمير المؤنث حيث يظهر بها الحس الأنثوى، وفى قصة أيوب تناولت قصة شاب تجاوز الثلاثين يعانى من الاضطراب فى حفل الاقتران بعروسه حيث تتداخل المشاهد بين انتظاره للعروس بحفل الزفاف وشروده وارتجاف قلبه عند وصوله لمنزل الزوجية وتنتهى بنهاية مفتوحة "ضممتها بكل قوتى ولا أعرف ماذا حدث بعد ذلك"ص62
كما تناولت بعض القصص مشكلات المرأة الاجتماعية مثل انكسارها فى قصة "الجرح الذى يصدر صوتًا" فى ليلتها الأولى مع زوجها عندما لا توجد إشارة إلى بكارتها فيلجأ زوجها للطبيبة بصحبة زوجته حيث تؤكد له أن زوجته بكر نظرًا لنوع غشائها الذى لايُرى أثر الدماء فى ليلته الاولى، وتستعيد الطبيبة ذكرى خطيبها السابق الذى أراد أن يرى كل جزء من جسدها وما شعرت به من إهانة فأنهت علاقتها به، وفى قصة "رجل" حوار أراه متخيلا بين الساردة ورجل يجمع دموعها التى تسقط منها على الأرض وهى تميل إلى الفانتازيا ولها دلالة على الرجل الذى تتمناه الساردة والذى يحمل همومها وأحزانها، كذلك فى قصة "وردة بيضاء" تعشق الساردة اللون الأبيض فى الوردة البيضاء والشيكولاتة البيضاء والرجل ذى الشعر الأبيض وفستان الزفاف الأبيض والسرير مفروش بالأبيض والورقة البيضاء التى تركها الرجل بجانبها مكتوب عليها "كونى بخير يا حبيبتى"، كذلك تناولت بعض القصص العلاقات والتعليقات والرسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعى مثل قصة "وااااو"، و"رسائلهم" .
اللغة والحوار والسرد :
كانت اللغة بالقصص بالعربية الفصحى اليسيرة سردا وحوارًا وقد خلت القصص من اللهجة العامية، وقد شغل الحوار مساحة كبيرة من القصص وقد أعطى السارد للشخصيات مساحة للتعبير عن نفسها بصوتها وثقافتها مثل الحوار مع زرادشت فى قصة "رأسى أكبر من جسدى" ومثل الفنان فان جوخ فى قصة عتمة ونور، ومثل الحوار البديع بين مؤلف رواية وإحدى بطلاته فى قصة الفراشة النائمة ص63 ، وقد اتسمت اللغة بالشعرية فى بعض المواضع وبالتعبيرية فى مواضع أخرى، ومثال شعرية اللغة "نسمات الهواء تمس أطرافى، ضباب مختلط بالأشياء، استسلمت للسكون، واختفت الرؤية تماما"ص39 ، "الرقص يحث على الانتشاء، يجعلنا أكثر رقة، طير يحلق بلا قيود، يطلق عنان الروح، لنتخلص من سلطة الجسد"ص62، ومثل " .. ردا خاليا من الفرح، ردا خاليا من الألوان التى تنبعث من الكلمات، وخاليا من الضوء الذى يضئ الروح، كان ردا هادئا وبلا موسيقى..الرسائل التى لها إيقاع تتحول إلى طيور، تجعل لقلبى جناحين، تطيرلقلب المرسل له.." ص87 ومثال تعبيرية اللغة "أنظر إلى وجه المرأة. ساكن، شاحب، ملامحها عميقة، جسدها مثقل على بطنها المكورة، وملابسها الفضفاضة"ص45 .
وقد غلب التعبير بضمير المتكلم المفرد (الأنا) المشارك فى أكثر شخصيات القصة حيث كان الشخصية الرئيسية، والذى عبر (ضميرالأنا) عن الحميمية السردية وتعرية الذات والتوغل فى أعماق الشخصية فى أكثر قصص المجموعة، وبدرجة أقل جاء ضمير الغائب والمخاطب، فقد عبر السارد بضمير المخاطب بالقصة الأولى كلها "موجة لا تعود للبحر"والتى بلغت أربع صفحات حيث أتاح للسارد مخاطبة وعيه "تذكر عندما ذهبت إلى شاطئ البحر..."ص9 ، كذلك اتسم السرد بالمشهدية والوصف والانتقال من مشهد إلى آخر عن طريق قطع المشاهد، وهى تقنيات سينمائية فى الأساس تأثر بها السرد فى كثير من القصص، وأحسنت الكاتبة توظيفها وعلى سبيل المثال"كان الظلام فى الغرفة يشبه الظلام الذى رأيته لأول مرة وزوجتى تستلقى على ظهرها"ص101 وهى أجواء سينمائية بامتياز، ومن التقنيات البديعة أنسنة الأشياء مثل أنسنة فستان الزفاف"شعرت بالخزى عندما مر الليل وأنا ملقى على شماعة بجانب التسريحة، كل شئ خلق ليمارس دوره، فمن الأفضل أن ترتدينى أو تتركنى لامرأة أخرى تقدرنى هذه الليلة التى تتمناها كل فتاة"ص96 .
استطاعت الكاتبة أن تقدم لنا مجموعة قصصية بديعة تميزت بالإجادة وبتقنيات سردية حديثة وبلغة أدبية وجمالية راقية وأثبتت أنها صاحبة موهبة كبيرة .
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الهوامش :
(1) المجموعة القصصية صادرة عن الهيئة المصرية للكتاب سلسلة إبداعات قصصية وتقع فى مائة واثنتى عشرة صفحة وفائزة بجائزة الدولة التشجيعية عام 1924، والكاتبة من مواليد محافظة أسيوط وسبق لها صدور ثلاث مجموعات قصصية وكتاب نصوص نثرية .
(2) زرادشت مفكرورجل دين فارسى ومؤسس الديانة الزرادشتية ، وقد أرادت الكاتبة مقولاته الفكرية التى تدعو إلى الحرية والاعتماد على النفس.
(3) البيت الأصفرهى لوحة لمسكن فان جوخ حيث يعكس اللون الأصفرالزاهى للمبنى وقد شغف فان جوخ بالألوان والضوء اللذين استخدمهما لإضفاء شعور بالتفاؤل والدفء .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى