إبراهيم محمود - مقابلة مع سابر سبيل

الاسم؟
-هممم.
النسَب؟
-قيد البحث
لماذا أنت سابر سبيل؟
-لأن لا سبيل يحرجني أكثر من التلاعب بصراطه، ولا صراط يوتّرني أكثر من التمويه على سبيله.
أنت تتلاعب بالكلمات؟
لكنك لست عابر سبيل؟
-نعم، أنا ثابت في مكاني وأتحرك، لئلا أبقى رهينة المكان الواحد.
من أين أنت؟
-من مكان أشده إليه، إلى مكان يشدني إليه.
في أي زمان؟
-الزمان الذي أحاول إيجاده بنفسي.
-اللغة في ذاتها لعب، والكفؤ من يمتلك مهارة اللعب بها.
ماذا يعني السبيل لديك إذا؟
-هو أن يكون أفق رؤية بناء على رؤيا، بذلك، فإن كل ما يقوله وتقوم به مرتبط بسبيل معين.
هلّا حددت تاريخ ميلادك
-ليس لي ميلاد يستحق الذكْر لألحق به بغيري، فأي تاريخ جدير بالتسمية لئلا أخسر بحثاً عن ميلادي!
ألست تعيش حياة؟
-إذا سمّيتها كغيري، فأين أنا، وإذا سمّيتها كما أرى، فكيف لغيري أن يدرك حقيقة ما أقول؟
أيمكنك أن تسمّي أباك؟
-ماذا يضيف أبي إلي، لأنه حتى اسمي الشخصي لا يعنيني بشيء خارجاً، إلا كعلامة وصْل.
هذا تعال ٍ؟
-أرتقاء الشجرة وتفرعها بأغصانها لا يعني تعاليها على جذعها.
لماذا تلجأ إلى المجاز؟
-أعطني عبارة واحدة، ليس للمجاز فيها حضور!
كيف كانت طفولتك؟
-ليس هناك من طفولة محددة، وأنا أتحدث عما يجعلني مختلفاً. ولاداتي لا تتوقف. وفي كل كتابة أحاول أن أعيش طفولة من نوع مختلف، لأن الطفل وحده دون غيره يستطيع إظهار أنه خارج القوالب دون تقديم الدليل!
ألا تنظر وراءك وأنت بهذا العمر؟
-ورائي أمامي وداخل فيه. المهزوم وحده يلتفت إلى الوراء، ومن يريد الآتي، يهذب وراءه تجاوباً معه .
إذاً ما العمر؟
-حلْم ذي الإرادة الذي يصبح حقيقة، ويقظة الكسول الذي لا يصحو أبداً، وكوابيس من يخشى ظله في الحياة.
هل أنت تحلم؟
-ثمة دائماً ما يبقى يقظاً داخلي. إذا نام قلبي، بقي عقلي يقظاً، وإذا استرخى عقلي، بقي قلبي يقظاً، وعند اللزوم، كما هي متطلبات الكتابة، يكون الاثنان بكامل طاقتهما.
ألا تتعب؟
-تعبُ المنتج استراحة واستعداد للخطوة التالية، وليس استهواء.
وبالنسبة لدوام العمل؟
-بالنسبة للكاتب الفعلي، يعيش خارج الدوام، دون ذلك، كيف يستولد زمنه الخاص، وحياته الخاصة!
كيف تنظر إلى الساعة؟
-لا أعطي اهتماماً للساعة، إلا في حالات رسمية وخاصة جداً. إنها تستلب الإنسان وحدته ونهريته!
أنت تقرأ كثيراً؟
-وحدها القراءة تحرر المرء من عرَضيته.ألد أعداء القراءة هم أولئك الذين لا يريدون مشاهدة صورتهم الفعلية في مرآة ذاتهم .
بالمناسبة، كيف تنظر إلى المرآة؟
-ليس في مقدور أي كان أن يعرف كيف تكون مرآتي، كما الحال مع أي كاتب أو فنان فعلي.المرآة التي نرى فيها وجوهنا، أشبه بالجلد الذي يغلّفنا. الداخلية هي الاختبار المستمر للجهود التي نبذلها عملياً.
والكتابة؟
صنعة الذين يؤرخون لحياة الآخرين الذين يستغرقون في نومهم الطويل وهم أيقاظ .
كأنك تكره النوم؟
-لا أكرهه ولا أحبّه، لا يعرف حقيقة النوم، إلا من لا يريد أن يغادر الحياة دون بصمة وعليها اسمها الشخصي.
هل أنت راض عن نفسك؟
-كأن بيننا حروباً. الذين قسّموا النفس خصوم الإنسان ويؤلبون بعضهم على البعض الآخر.
كأنك تسمّي أشخاصاً أو أكثر؟
-أن تسمّي قتلٌ للغة. دع الآخرين يقرأونك ويقلقون تجاه ما ترمي إليه. لعل ذلك يحررهم من بعض خمودهم.
هل فكَّرت في النفس، وما تكون؟
-شهيتي لها وشهيتي لي حين أسبح في نهر طويل وعريض وعميق معاً ، وفيها أختبر مدى إرادتي في البقاء.
أي إنسان أنت؟
-لا بل أريد أن أكون إنساناً. كم نحن بعيدون عن هذا الذي نشده إلى السماء، وهو غاطس في الوحل الدبق!
أأنت مشروع إنسان؟
-ليس لدي تفكير حسابي حول ذلك. إنما هو هندسي: كيف يمكنني أن أهذب نفسي بالحياة في عمقها.
أتبحث عن التمايز؟
-التمايز ، أسيء إليه كثيراً. من ينشد التمايز يخرج عن القطعية. دون التمايز لاتقوم ثقافة أو حضارة.
والدين؟
-أريد أن أرى ما يحيط بي، ودفع الآخرين في أن ينظروا عالياً، تعتيم على حقيقة، وابتزاز للمندفعين إلى ذلك.
أتقلل من دور الدين؟
-أنظر إلى جذوره في تربة الواقع،وماذا تثمر شجرته، وفي ظلها تكون البشرية جمعاء. أتوقف هنا!
والحيوان؟
-شريكنا في الحياة. لكم أسأنا إليه. نحن مديونون له دون استثناء. نتعلم منه، وليس العكس، نسخّره فيما نريد ونرغب، وهو ليس كذلك." يحيوِن " بعضنا بعضاً تعالياً عليه، وفي ذلك تشويه للحياة.
والنبات؟
-الخروج إلى النباتي، والتعمق في دراسته خروج إلى الآخر، إلى الحياة بأعظم معانيها.
تتحدث عن " الخردة " كثيراً؟
-فيها كامل الحكمة، إنها الشاهدة الصارخة والبليغة على الذين لا يريدون أن يلتفتوا إلى ما صنعته أيديهم.
أنت مقل في الكلام؟
أن يكون باب بيتك صغيراً ويسمح لك بالدخول والروج، وبيتك واسع من الداخل، إثراء.لا أكثر كلاماً من مجتمعاتنا التي نعيش فيها، انظر أي بؤس تعيش. أكثر من يعيشون فيها بيوتهم منزوعة الأبواب.
كيف تنظر إلى الخطأ؟
الخطأ منبوذ ومسلوب المعنى الحقيقي. لهذا تجد في مجتمعاتنا حضوراً كبيراً من الأفراد، وهم منسوخون. من يتعلم جرّاء خطأ هو الناجي الوحيد في الحياة. تلك هي العلامة الفارقة للمجتمعات المنفتحة.
إلى أين أنت ماض؟
-ليس من طريق أسلكه، إنما أتحرك هنا وهناك، لئلا أنحصر في مسار محدد.
هل لديك أصدقاء؟
-قليلون جداً . إنهم مكتومو القيد في السجل المجتمعي المعلوم. لهذا يجري التعامل معاً في صمت .
والندم؟
-الندم، خلاف الخطأ. في الخطأ نكتشف ما يجب علينا تفاديه، وفي الندم نكتشف ما نعجز عن مواجهته وتسميته.
والسعادة؟
-لا أريد التصريح بحقيقة السعادة منها.أقول فقط: السعيد هو من يضيف مختلفاً دون أن يلوّح باسمه، ليضيف أكثر.
أنت متشائم؟
-من يقول عن أنه متشائم، يعني أنه يعرف ما يكونه التفاؤل، كلاهما مطلوب. إنما السر في كيفية التوازن بينهما.
والحقيقة؟
-إنها الصيدلية التي تكون تقابل" فارماكون: فارماسي" أي السم والعقار". هناك من يرتعب من سماعها، كما هي الصيدلية ظناً منه أنها السم. وهناك من يراها عقاراً/ دواء، ليس لأنه مريض، إنما للفائدة القائمة. نحن بحاجة إلى الربط بين الاثنين: إذ إننا نتسمم يومياً في أقوالنا وأفعالنا، وعلينا أن نعرف علم النقائض.
الإنسا ذئب لأخيه الإنسان؟
-يا لسخف هذه العبارة! الأكثر شراسة في الوجود دون كل الكائنات هو الإنسان حين يقبِل على ليس على قتل أخيه، أو جماعة معينة، أو محاولة إبادة شعب بالكامل. أي حيوان " ضار ٍ" كما يقال يفعل ذلك؟
أتكره السياسة؟
-ليس هناك من ليس سياسياً. إذا كان في إيقاظ الآخرين، ولو باستفزازهم، ما هو سياسي، فسمّني السياسي كما تحب!
أتزهد في الحياة؟
-لدي رغبة كامل في أن ألتهم الحياة، حباً فيها. أن أنتمي إليها. ما عدا ذلك، معدتي صغيرة. أن أنام وبي بعض من الجوع، أفضل بكثير من أن أنام ومعدتي تجلب لي كووبيس وأبعد.
هل لديك معلّم في الحياة؟
-الحياة نفسها. وأرى جانباً مما يعلّمني من أصغر كائن إلى أبعده. ليس لدي عدو لأناصبه العداء. أما حين يسمّي سواي عدواً فهذا شأنه. إنها رغبته في التمايز ولو في الجانب الخطأ من الحياة.
تستعين بالنهر كثيراً؟
-أكثر مما تتصور. لا أروع من يكون أحدنا في مثال النهر، منبعه الحية، ومصبه الحياة نفسها، حيث الموت ليس هو المصب، كما هي علاقتنا بما عاشوا قبلنا. ثمة خلود في تقدير كهذا..
هل حاولت أن تضع بداية لما تقوم به؟
-البداية كلمة افتراضية، والجميل هو أن تترك دائماً فراغاً للحركة، كما هي فكرة " الوجيبة " لبيتك ".
أنت متعلق بالمرأة كثيراً؟
-أكثر مما تتصور. كلّي اعتقاد أن معرفة المرأة تقود إلى معرفة الحياة، وأعظم سر للخالق متجذر فيها. إنها لغز المفكر والفيلسوف، وإلهام الشاعر والفنان، وشاغلة السياسي. أي استثناء للحياة دونها؟
هل لديك حكمة معينة؟
-البلهاء وحدهم يتمسكون بالحكم ويرددونها، ليوحوا على أنهم حكماء. دع النهر يجري، لئلا تستنقع.
هل من قول آخر؟
-أدع ذلك للآخر، أريد أن أمتلىء بالحياة، وهذا مستحيل، وهذا يجعلني أكثر انشغالاً باللاتناهي!
فإذا؟
-فإذاً، أنا سابر سبيل.. دعني إذاً أغتسل بالنور لأخفف من ثْقِل عتمتي قبل فوات الأوان..!


1.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى