عائشة أبو ليل - ما لا يموت...

جلس يوسف بين الركام، والمدينة تتنفس فوقه بصوت ثقيل كصدر مثقل بالألم . في يده اليمنى دمية قماش مهترئة، وفي اليسرى كتاب مدرسي أكلت أطرافه النار. ضمّهما إلى صدره كما لو كان يحمي آخر ما تبقّى من عالم يتهاوى. الهواء مشبع برائحة الغبار والرصاص المحترق، وصوت الطائرات يقطع الصمت كصفير يتردد بين الجدران المثقوبة.

لم يعد هناك بيت، ولا نافذة تطل على البحر. الأب ترك معطفه معلّقًا قبل أن يغيب، والأم رحلت مع الجدار الأخير حين سقط. بقي يوسف وحده، يتنفس غبارًا ممزوجًا بملح البحر ورائحة الإسمنت المحترق، كل نفس يوقظه إلى واقع مرّ . شعور الفقد اختلط بخوفه، لكنه أحس بقوة غريبة تدفعه للمضي .

أغمض عينيه قليلًا، وحين فتحهما لمح زهرة حمراء صغيرة تشقّ الخراب. اقترب هامسًا: «هل أنتِ معي؟». لم تتحرك، لكن داخله سمع صوتًا خافتًا: «أنا هنا… لا تخف». ارتجف قلبه، لكنه شعر بأن الحياة ما زالت تنبض في الأماكن الصامتة.

كان أحمد، المصوّر الصحفي، يزحف بين الأنقاض، كاميرته تتدلّى على صدره كقلب إضافي، يلتقط الحياة في لحظات الموت. لمح يوسف جالسًا، يعانق دميته وكتابه، فابتسم وقال بصوت واهن: «تمسّك بهما». لم تكتمل الكلمة؛ انفجار قريب هز الأرض، ارتجّت الحجارة وسقطت على جانبه، واستقرت الكاميرا على حجر، عدستها شاخصة نحو السماء المفتوحة، كأنها تراقب الكون بعين ثابتة.

يوسف لم يصرخ. فقط ضمّ دميته بقوة، وفتح كتابه على صفحة نصفها متفحّم. وسط السواد كانت هناك جملة مكتوبة بخط غريب: «سنعود». لم يعرف من كتبها — أبوه، البحر، أم الكتاب نفسه. لكنه شعر أن الكلمات تضيء قلبه مثل نجوم بعيدة، كأنها نبضات حياة صغيرة لا يمكن للقصف أن يمحوها.

الليل هبط ببطء، والظلال تسلّقت الجدران المثقوبة. تخيّل يوسف الأطفال الغائبين يلعبون بينها. رفع دميته عاليًا كأنها تلوّح لهم. التفت إلى الزهرة، فرأى بتلاتها ترتجف تحت الريح، لكنها لم تنحنِ، صامدة وسط الدمار.

جلس على حافة الركام، وغاص في أفكاره: «هل سأمشي وحدي؟ هل من يسمع صمتي؟». كانت الدمية تنظر إليه بصمت، والكتاب مفتوح أمامه، وكأنهما صديقان صامدان في وجه الخراب. بدأ يحكي لهما، بصوت داخلي، كل ما شعر به: الخوف، الوحدة، الحزن، والأمل.

مع الفجر، حين خف هدير الطائرات، خرج بخطوات حذرة. في يد دميته، وفي الأخرى كتابه، وعلى ظهره معطف أبيه. مر بالكاميرا التي تركها أحمد، رفعها قليلًا، ثم أعادها إلى مكانها، كأنها شاهد صامتاً لا يجوز نقله. كل خطوة كانت ثقيلة، وصدى الركام تحت قدميه كقلب ينبض ببطء.

وصل إلى الشاطئ. البحر مظلم، والأفق محاصر بسفن غريبة. جلس على الرمل، الكتاب فوق ركبتيه، والدمية بين ذراعيه. البحر كان يهمس كقصيدة ناقصة، لكنه هذه المرة شعر أنه يفهمها. تلاعبت الأمواج بأصابع الرمال، تجرح، تمسح، وتعيد البناء، تمامًا كما كان يحاول هو.

همس: «سأمشي… سأمشي معكِ». لم يكن يخاطب أحدًا بعينه؛ ربما الدمية، ربما الكتاب، ربما الزهرة التي تركها خلفه. وربما الحياة نفسها التي لم تمت بعد، رغم كل شيء. تذكر صوت أحمد، والضحك الذي بقي في الهواء قبل الانفجار، وعد الصمت الذي ظل شاهدًا.

جلس قليلًا، وأخذ نفسًا عميقًا، يشعر بكل الريح على وجهه، بكل الأمواج التي تتلاطم. ثم نهض، وحمل أشياءه الثلاثة كوصايا صغيرة، ومضى يمشي بين الركام. لم يعرف إن كان هو من يحملها، أم أنها هي التي تحمله. كل خطوة كانت تقول بصوت لا يُسمع: «نحن هنا… وسنظل هنا». كل خطوة كانت تضيف لحظة حياة جديدة وسط الخراب ، وكلما تقدّم، شعر بأن صمته يروي حكاية أكبر من ذاته، حكاية وطن لم يزل ينتظر العودة.

وهكذا، ظل يمشي، والسماء تتفتح تدريجيًا، والبحر يهمس، والركام يتنفس، والدنيا كلها تراقبه بصمت .



عائشة أبو ليل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى