عبدالرحيم التدلاوي - بعض تقنيات الكتابة في رواية "الحفرة"

صدرت الرواية عن مطبعة الحمامة في طبعتها الأولى سنة 2023 وتمتد على مساحة نصية تقدر ب223 صفحة وتشتمل على 39 فصلا ولكل فصل عنوان.
وقد حصلت عل الجائزة الرابعة لمسابقة مكتبة سلمى في السرد لعام 2021. وهي الجهة التي تكفلت بالنشر.
**
وأنت تقرأ رواية «الحفرة» للمبدع الطاهر لكنيزي، سينهض لديك سؤال مفاده: هل يمكن للمبدع أن يتخلّص من تأثير سردية «ألف ليلة وليلة»؛ هذه السردية العالمية التي طبعت، وبقوة، الرواية الإنسانية شرقًا وغربًا؟
الأكيد أن المبدع العربي تُمارس عليه الليالي سطوتها وقوة تأثيرها، ولا يمكنه الانفلات من حضورها؛ فهي تشكّل خلفيته المعرفية، وقلب سرده النابض، بشكل واعٍ أو غير واعٍ. فحضورها قد توغّل في كل مفاصل كتاباته، وحتى في أحاديثه اليومية.
إن تقنية «احكِ لي حكاية وإلا قتلتك» تُستثمر في الرواية العربية بعامة، والمغربية بخاصة، ومنها روايتُنا «الحفرة». غير أنها هنا لا تُستعاد في بعدها المرتبط حرفيًا بالقتل والحياة، وإن كان للموت والقتل حضورٌ في العمل، ولكن بمعنى تخليد الحدث عبر سرده.
وهو ما نجده جليًّا في فصل «المذبوحة» ص 48، الذي سبقه فصل يسعى فيه علي المتشوق—وهو أهم شخصية في الرواية—إلى معرفة القصة من فم بوشعيب. فقد قام هذا الأخير بمهمة إزالة الغموض عن حادثة الذبح، بسرد أحداثها لتملأ فصلًا كاملًا، وكأنها حكاية مستقلة من مجموع حكايات الرواية، إلى جانب حكاية شخصية علي نفسه، وحكاية سيمحمد الخارج عن القانون، وغيرها من الحكايات التي تتقاطع في نسيج العمل.
نخلص من هذا إلى أن «ألف ليلة وليلة» تشكّل عمود السرد العربي، ضمنًا وعلانية، ورواية «الحفرة» خير دليل على ذلك. ويمكن إضافة رواية «ألف ليلة وليلتان» للمبدع هاني الراهب حيث تميزت بكونها استلهاماً وتحديثاً لشخصيات وحكايات "ألف ليلة وليلة" التقليدية؛ وتعد مثالًا آخر، إلى جانب رواية نجيب محفوظ «الليالي»، وغيرها من الأعمال العربية وغير العربية المتأثرة بهذه السردية العريقة. واسألوا بورخيس عن هذا الموضوع؛ فله من الحجج ما يقنع ويدهش.
فهل ينطوي فصل المذبوحة على ما يدلّ على نفاذ الليالي في الرواية غير ما سلف؟
البيّن أن السارد في هذا الفصل هو بوشعيب، وهو ذكر لا كما في الليالي، والموجَّه إليه الخطاب في الرواية هو عليّ، وخارج الرواية كل قارئ محتمل يتساءل عن سبب إقدام جلول على قتل زوجته مريم وابنيه منها.
وقبل الخوض في هذا الأمر تجدر الإشارة إلى التوالد الحكائي كما في الليالي، رغم أنّ السارد في هذا الفصل رجل. وأطراف الصراع فيه هما مريم وجلّول. يقوم هذا الأخير بنحر مريم لا لخيانتها كما فعل شهريار، بل فعل ذلك لبخلها كما تصوّره هو، وهو المنفِق بلا حسيب ولا رقيب إلى أن أفلس. ولم تقم مريم بإبعاد التهديد عنها بسرد الحكايات أو بأي وسيلة أخرى، بل ظلّت مُصرّة على عدم إعطاء زوجها نقودًا يصرفها على نزواته؛ وامتد قتله ليشمل ابنيها منه دون أن يمسّ ابنيها الآخرين من زوجها السابق.

Messenger_creation_70F14CBB-E300-4CBE-8499-B27CB4E28314.jpeg

وهنا تحضر نقطة التقاء مع الليالي في جانبها المصادِر: قطع نسله من مريم، وبذلك وضع حدًّا لتوالد الحكايات التي ترتبط به. ثم إن إقدامه على الانتحار يُعدّ تعزيزًا لهذا البعد وتزكية له؛ وكان ذلك بعد أن أكله الندم، فجاءت نصيحة صديقه بإلقاء نفسه في البئر فرصةً لتحقيق الخلاص. ولْنلاحظ قيمة الماء في هذا الفعل: إنه هروب من العدالة الإنسانية إلى العدالة الإلهية بغية الحصول على المغفرة عبر منطق التطهّر بالماء، وكأن الماء هنا بوابة عبور من ثقل الأرض إلى رحابة الغفران.
وليس من الضروري أن تسير الرواية حذو النعل بالنعل مع الليالي؛ لكنها تستثمر بعض تقنياتها، مثل القصة الإطار التي تخرج من رحمها باقي القصص، واعتماد مبدأ "احكِ لي قصة"، وغيرها من الآليات السردية التي تسمح بتوالد الحكايات وتكثيف علاقة النص بنَسَبه الحكائي القديم.
لم يكن قتل مريم فلتة في الرواية ولا يتيمة دهرها بل كان القتل طعاما فعليا والدليل قيام شامة بقتل ابنتها دون قصة درءا للعار بعد سقطة الابنة في غرام مصطفي كبير العمال؛ ودخولها في مغامرة شبقية قادت إلي حملها؛ فأشربتها امها خليطا من الأعشاب وبعد ان برز البطن قامت بضربه ولكمه حتى يسقط لكن ذلك لم يقد إلا إلي فقدانها للوعي فموتها. ولم تصل الحكاية إلى اذن أخيها سيمحمد إلا من خلال البنت التي سلبته لبه فرفضت غرامياته وعرت المستور فقرر الانتقام من مصطفى غير أن برنامجه السردي لم ينجح لان مصطفي دخل السجن.
كما ترد قصة فاطمة بت حمو التي ضحك عليها حبيبها عزيز فتركها حاملا وهرب فلم تجد غير الانتحار سبيلا. ص 35.
ولم يكن هذا العنف سوى الوجه الآخر للصمت المطبق الذي يلف القرية، صمت يتكلم بلغة النظرات الثقيلة والإيماءات المقتضبة. فالجريمتان لم تحدثا في فراغ، بل كانتا ثمرةً مسمومة لشجرة الخوف والوصاية على الأجساد والأعراض. حتى سيمحمد، الذي حمل راية الانتقام، كان في الحقيقة أسيراً لهذا المنطق ذاته، فحين كشفت له الحبيبة المستور، لم يغضب للجريمة بل غضب لأن "عار" العائلة أصبح مكشوفاً.
وها هي العجلة تدور: الخوف من العار يولد الجريمة، والجريمة تخلق عاراً جديداً، والعار الجديد يطلب المزيد من الجرائم. إنها حلقة مفرغة لا تكسرها إلا جثث الضحايا. وحتى عندما حاول القدر أن يتدخل بإدخال مصطفى السجن، لم يكن ذلك كافياً لوقف هذه الآلة، فالثأر المعلق في نفس سيمحمد بقي كجمرة تحت الرماد، تنتظر لحظة الاندلاع.
وهكذا تتحول الرواية من مجرد سرد لأحداث مأساوية إلى مرآة تعكس تشريحاً دقيقاً للمجتمع، حيث يصبح "الشرف" سلاحاً يشهره الجميع في وجه الجميع، ويصير القتل - لا الحب - هو اللغة المشتركة التي يتفاهم بها الناس.
تعمد الرواية إلى اعتماد آليتين جماليتين لتخفيف منسوب القتامة الذي يهيمن على عالمها السردي، بفعل القتل المتكرر الذي كاد يغرق الرواية في بحر من الدم؛ قتل شامة لابنتها وقتل إسماعيل لليلى وقتل علي للعرف وخرق الاخلاق؛ والغالب ان القتل له ارتباط بالخيانة والغدر.. وهاتان الآليتان هما الروما


.............٨

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى