لا يظهر من الشارع استحداث في مسالة قبول الاخبار وانه جرى وفق العرف على قبولها او رفضها، ومن المعلوم ان العرف بعيد جدا عن الوضع الخاص وانما هو يسير وفق جريان الامور ببساطة وسذاجة من دون تقنيين، وان الوجدان هو الحاكم الاول والاخير. بمعنى اخر ان تلك الاحكام المختلفة في الشريعة بخصوص المخبرين ليست استحداثات وانما صور مبينة لما هو وجداني وعرفي، والوجداني والعرفي وان كان لا يعرف القوانين والقواعد الا انه ايضا لا يعتمد الوضع الخاص والتخصيصات. ولذلك نقول يجب تفسير جميع الاحكام الشرعية بخصوص المخبرين - بل والادلة- تفسيرا وجدانيا عرفيا، وكل ما لا شاهد له ولا مصدق يكون ظنا وان كان مشهورا. والعرف يميز بقوة بين المعارف العرفية العامة والمعارف العرفية الخاصة التي تكون في العلوم التخصصية. فالمعارف العلمية التخصصية في علم معين هي معارف عرفية الا انها خاصة ومعتمدة على تجريب واستقراء وبحوث، ولها درجة عالية من التفوق من جهة الثبات والحقيقة. لذلك اذا كان نظر الى شيء واحد واختلف العرف العام مع العرف العلمي الخاص وجب تقديم العرف العلمي الخاص، ولهذه القاعدة تطبيقات فقهية كثيرة وخصوصا في علمي الفلك والطب. والشرع بإقراره العرف فانه يعتمد العرف العام والعرف الخاص، وعندما يكون هناك عرف خاص متيسر وجب اعتماده فان فقد اعتمد العرف العام، ولاجل ان الواقعية والحقيقية والموضوعية اقوى في العرف الخاص يكون محمودا شرعا ان تكون الامة اكثر معرفة بالمعارف العلمية الطبيعية والانسانية. ولا بد من الاشارة ان العلم (أي البحثي) اذا لم يعتمد التجريب والاستقراء فانه لا اعتبار بنتائجه، كما هو حال بعض العلوم الاستنباطية، لذلك لا بد من اقامة تلك العلوم على التجريب والاستقراء وخصوصا علم اصول الفقه لانه يتناول امورا انسانية تخص الحجة واللغة. ومع ان علم اصول الفقه يهتم ويبحث (الخبر والمخبر) الا انه بعيد الاستدلال الاستقرائي التجريبي. ومن هنا يكون من الصعب القول بوجود معارف علمية خاصة بالاخبار، فيكون المعتمد فيها الاستقراء والتجريب على العرف العقلائي والوجدان الانساني.
وانا اذا رجعنا الى وجدانا والعرف العقلائي العام نجدهم يميزون بين المعارف (النوعية) العامة والمعارف (التخصصية) الخاصة. وفي المعارف العقلائية النوعية العامة تكون الاستجابة بالاستجابة العقلائية الاستحسانية العامة التي تقدم ذكرها، ويكتفى فيها بـ (الاعتماد السكوني) لاجل التعامل من باب الوظيفية والنفعية ولا تعكس اية معرفة، ولا بد من التاكيد ان التعامل العقلائي العام تعامل نفعي والاستجابة فيه واسعة وغير مقننة. اما في المعارف التخصصية (العلمية) فالعرف العقلائي لا يعتمد الا الحقيقة العلمية، والاستجابة فيه هي الاستجابة العلمية والاعتماد هو الاعتماد العلمي، ولاجل ذلك فان العرف والوجدان يقدم الحقائق العلمية بخصوص شيء على المعارف العامة. ولذلك لا تكون هناك مقارنة بين المعارف العرفية التخصصية والمعارف العرفية العامة.
واذا رجعنا الى وجداننا فان العرف يتدرج في الاستجابة للخبر حتى يصل (عتبة التقنين) التي تستوجب استجابة مقننة محددة تفرضها النفعية والوظيفية العقلائية. ويمكن فهم الامر بان الاستجابة العقلائية العامة تبدأ بمساحة واسعة من حرية الاختيار في الاستجابة، واذا فرضنا ان الاستجابة لها وجهان عمليان، وكل منها تجري عليه الاحكام الخمسة، يكون لدينا عشرة خيارات، فتكون لاستجابة مجوزة لهذه الخيارات العشرة، ولو تقدمت الاستجابة في (خط الحذر العقلائي) بسبب معطيات اكثر خصوصية وقيودا فان تلك الخيارات تقل، لكن يبقى التجويز وحرية الاستجابة مستمر ما دام نافعا وعمليا حتى يصل عدد الخيارات الى عدد قليل يكون من النفعية والوظيفية تحديد الاستجابة بدقة وبقانون وبحقيقة علمية تقنن الاستجابة هي (عتبة التقنين).
ومن هنا فالأمور التي يتعامل معها الانسان امور تستوجب معارف علمية مقننة وامور لا تستوجب ذلك بل يكتفى فيها بالمعارف العقلائية العامة. ومن الامور التي تستوجب معارف علمية مقننة هي (الاعتقادات) والمعارف الدينية والاحكام الشرعية، كما هو حال معارف العلوم الضرورية لحياة الانسان وصحته وسلامته. والاعتقادات الصحيحة تقع ضمن نظام الحذر لاجل سلامته وجدانا وعرفا، بمعنى اخر ان (نظام الحذر) له وجهان وجه مادي ووجه فكري، والاول لاجل السلامة الفيزيائية ومن علومه الفيزياء والطب، والثاني لاجل السلامة الفكرية ومن علومه الدين والشريعة والتاريخ والسياسة والحكم والقضاء. فان تلك المعارف الفكرية تؤثر بشكل كبير على السلامة الفردية والاجتماعية. فالدافع الأساسي للعلم والبحث العلمي هو سلامة الانسان فكريا وفيزيائيا. واما فيما لا يمس سلامة الانسان فان العقلاء يكتفون بالمعارف العقلائية العامة والاستجابة غير المقننة الحرة التي تشتمل على مجموعة احتمالات (الاستجابة الاحتمالية) غير المقننة. ومنها حالات الاخبار عن الاحوال الشخصية واخبار الوكلاء والمبعوثين ونحوها. ولا ريب ان هذه الحالات لها اختلاف من حيث الحذر والتعلق بالمخبر نفسه او غيره، لذلك تتراوح المساحة المسموح بها من حرية الخيارات، فكلما تعلق الامر بالنفس ازدادات حرية الفعل والخيارات حتى تصل الى حد كفاية الاقرار الشخصي (خبر الشخص نفسه) من دون اعتبار لاي شرط اخر، وكلما تعلق الامر بالاخر قلت حرية الفعل حتى تصل الى اشتراط مجموعة من المخبرين كما في حالة اثبات الزنا على شخص فانه يتطلب اربعة شهداء، وهكذا الحال صعودا ونزولا، فكلما تعلق الامر بالغير وزاد خطره (ووجوب الحذر) قلت مساحة الفعل والخيارات المتاحة للاخبار واشكال، وكلما ازدادت مساحة الامن (وعدم الحذر) ازادات مساحة حرية الفعل وعدد الخيارات. وهذا ما يمكن ان نسميه (قانون الحذر والامن)
قانون الحذر والامن: كلما ازداد الحذر قل عدد الخيارات ووجبت الاستجابة المقننة (العرفية العلمية الخاصة) وكلما ازداد الامن ازداد عدد الخيارات وجازت الاستجابة غير المقننة (العرفية العقلائية العامة).
قانون العتبة العلمية: اذا بلغ الحذر حدا تصبح معه الاستجابة غير المقننة غير وظيفية وغير نافعة فان الوجدان والعرف العقلائي يوجب الاستجابة المقننة (العلمية).
والعلاقة بين الاستجابتين طولية تطورية وليس تباينا، فالاستجابة العلمية المقننة مرحلة متقدمة من الاستجابة العقلائية وليست خلافها وعكسها.
ومما تقدم يظهر ان الاحكام الشرعية ليس فيها استحداث وانما هو بيان دقيق وواقعي لمعارف عرفية عقلائية ووجدانية، وتعكس قوانين وقواعد سلوكية بشرية عامة. والكشف عن البعد الوجداني والعرفي لمعارف الشريعة (وجدانية الشريعة) يقرب الدين الى النفوس المبتعدة والمعارضة للدين ويدعوها الى التأمل لاكتشاف التوافق العالي بين النفس البشرية والمعارف الشرعية وانها ليست شيئا مفروضا عليها.
وانا اذا رجعنا الى وجدانا والعرف العقلائي العام نجدهم يميزون بين المعارف (النوعية) العامة والمعارف (التخصصية) الخاصة. وفي المعارف العقلائية النوعية العامة تكون الاستجابة بالاستجابة العقلائية الاستحسانية العامة التي تقدم ذكرها، ويكتفى فيها بـ (الاعتماد السكوني) لاجل التعامل من باب الوظيفية والنفعية ولا تعكس اية معرفة، ولا بد من التاكيد ان التعامل العقلائي العام تعامل نفعي والاستجابة فيه واسعة وغير مقننة. اما في المعارف التخصصية (العلمية) فالعرف العقلائي لا يعتمد الا الحقيقة العلمية، والاستجابة فيه هي الاستجابة العلمية والاعتماد هو الاعتماد العلمي، ولاجل ذلك فان العرف والوجدان يقدم الحقائق العلمية بخصوص شيء على المعارف العامة. ولذلك لا تكون هناك مقارنة بين المعارف العرفية التخصصية والمعارف العرفية العامة.
واذا رجعنا الى وجداننا فان العرف يتدرج في الاستجابة للخبر حتى يصل (عتبة التقنين) التي تستوجب استجابة مقننة محددة تفرضها النفعية والوظيفية العقلائية. ويمكن فهم الامر بان الاستجابة العقلائية العامة تبدأ بمساحة واسعة من حرية الاختيار في الاستجابة، واذا فرضنا ان الاستجابة لها وجهان عمليان، وكل منها تجري عليه الاحكام الخمسة، يكون لدينا عشرة خيارات، فتكون لاستجابة مجوزة لهذه الخيارات العشرة، ولو تقدمت الاستجابة في (خط الحذر العقلائي) بسبب معطيات اكثر خصوصية وقيودا فان تلك الخيارات تقل، لكن يبقى التجويز وحرية الاستجابة مستمر ما دام نافعا وعمليا حتى يصل عدد الخيارات الى عدد قليل يكون من النفعية والوظيفية تحديد الاستجابة بدقة وبقانون وبحقيقة علمية تقنن الاستجابة هي (عتبة التقنين).
ومن هنا فالأمور التي يتعامل معها الانسان امور تستوجب معارف علمية مقننة وامور لا تستوجب ذلك بل يكتفى فيها بالمعارف العقلائية العامة. ومن الامور التي تستوجب معارف علمية مقننة هي (الاعتقادات) والمعارف الدينية والاحكام الشرعية، كما هو حال معارف العلوم الضرورية لحياة الانسان وصحته وسلامته. والاعتقادات الصحيحة تقع ضمن نظام الحذر لاجل سلامته وجدانا وعرفا، بمعنى اخر ان (نظام الحذر) له وجهان وجه مادي ووجه فكري، والاول لاجل السلامة الفيزيائية ومن علومه الفيزياء والطب، والثاني لاجل السلامة الفكرية ومن علومه الدين والشريعة والتاريخ والسياسة والحكم والقضاء. فان تلك المعارف الفكرية تؤثر بشكل كبير على السلامة الفردية والاجتماعية. فالدافع الأساسي للعلم والبحث العلمي هو سلامة الانسان فكريا وفيزيائيا. واما فيما لا يمس سلامة الانسان فان العقلاء يكتفون بالمعارف العقلائية العامة والاستجابة غير المقننة الحرة التي تشتمل على مجموعة احتمالات (الاستجابة الاحتمالية) غير المقننة. ومنها حالات الاخبار عن الاحوال الشخصية واخبار الوكلاء والمبعوثين ونحوها. ولا ريب ان هذه الحالات لها اختلاف من حيث الحذر والتعلق بالمخبر نفسه او غيره، لذلك تتراوح المساحة المسموح بها من حرية الخيارات، فكلما تعلق الامر بالنفس ازدادات حرية الفعل والخيارات حتى تصل الى حد كفاية الاقرار الشخصي (خبر الشخص نفسه) من دون اعتبار لاي شرط اخر، وكلما تعلق الامر بالاخر قلت حرية الفعل حتى تصل الى اشتراط مجموعة من المخبرين كما في حالة اثبات الزنا على شخص فانه يتطلب اربعة شهداء، وهكذا الحال صعودا ونزولا، فكلما تعلق الامر بالغير وزاد خطره (ووجوب الحذر) قلت مساحة الفعل والخيارات المتاحة للاخبار واشكال، وكلما ازدادت مساحة الامن (وعدم الحذر) ازادات مساحة حرية الفعل وعدد الخيارات. وهذا ما يمكن ان نسميه (قانون الحذر والامن)
قانون الحذر والامن: كلما ازداد الحذر قل عدد الخيارات ووجبت الاستجابة المقننة (العرفية العلمية الخاصة) وكلما ازداد الامن ازداد عدد الخيارات وجازت الاستجابة غير المقننة (العرفية العقلائية العامة).
قانون العتبة العلمية: اذا بلغ الحذر حدا تصبح معه الاستجابة غير المقننة غير وظيفية وغير نافعة فان الوجدان والعرف العقلائي يوجب الاستجابة المقننة (العلمية).
والعلاقة بين الاستجابتين طولية تطورية وليس تباينا، فالاستجابة العلمية المقننة مرحلة متقدمة من الاستجابة العقلائية وليست خلافها وعكسها.
ومما تقدم يظهر ان الاحكام الشرعية ليس فيها استحداث وانما هو بيان دقيق وواقعي لمعارف عرفية عقلائية ووجدانية، وتعكس قوانين وقواعد سلوكية بشرية عامة. والكشف عن البعد الوجداني والعرفي لمعارف الشريعة (وجدانية الشريعة) يقرب الدين الى النفوس المبتعدة والمعارضة للدين ويدعوها الى التأمل لاكتشاف التوافق العالي بين النفس البشرية والمعارف الشرعية وانها ليست شيئا مفروضا عليها.