عبدالرحيم التدلاوي - تيمة القهر وتشكيلها في المجموعة "غواية الأبواب"" القصصية: تتجاوز «غواية الأبواب»

لعلي لفتة سعيد حدود المجموعات القصصية العادية؛ فنحن أمام بناء سردي متماسك يتوحد في جوهره، لكنه يتشظى في مقاطعه، محكوماً بأنساق نفسية وثقافية مشتركة. في هذا العالم، لا يمثل الباب عتبة عبور بريئة، بل يغدو مركزاً دلالياً كثيفاً تنصهر فيه السلطة مع الخوف والرغبة، ليصبح مقياساً لقابلية الكائن المعاصر للانقياد ضمن شروط بنيوية مُقنّعة. هذا النسيج السردي العميق هو الذي يبرر القول بأن مقامات المجموعة تُمثل انتصاراً للكان بالدرجة الأولى، وتمجيداً لتراجيديا حضوره وغيابه على السواء. إنها ترفيع للجمال في أبهى صوره، للصمت العميق المترع بأسراره وهباته الموعودة، تحديداً عبر تفكيكها الجذري للسلط المفاهيمية والنظرية التي تسعى لتشييء الوجود. هذا الأدب يقف سدّاً منيعاً ضد الخطابات المنفرة التي تسعى إلى تذويب الكائن وتغييبه باسم وهم الحضارة أو سطوة العقل الزائف، مُفصحاً بذلك عن الصرخة الرمزية الهادرة في حنجرة قصص المجموعة. 1
يتجذر النسق المركزي للقصص الأولى، كـ «باب الهمع»، في منطق الخوف بوصفه القوة التي تنظم الرؤية والسلوك، فالحدث لا ينبع من واقع ملموس، بل يتشكل عبر تعدد تأويلاته المتوترة، مما يكشف عن هيمنة الأنساق الأيديولوجية على الوعي الجمعي؛ هذا التفسير المتعدد لا يشي بانفتاح دلالي، بل يعكس انغلاق كل شخصية داخل هابيتوسها المسبق، وهو ما يتقاطع مع "أزمة التمايز" التي تحدث عنها روني جيرار. هذا الانسداد لا يظل حبيس النفسي، وانما يتجسد في فضاء العيش ذاته؛ ففي قصة «باب الزقاق»، يتحول الباب إلى تجسيد مكاني للقمع الاجتماعي والطبقي؛ فالزقاق، بوصفه فضاءً ضيقاً ومُحكماً، يُغلق على سكانه ليُنشئ هابيتوساً من الاستسلام متأصلاً في الجغرافيا، مما يُعمّق الإحساس بالعجز الكلي. أما في قصص الحرب، فتتجسد حالة العنف غير المتمايز، حيث تتحول الحرب إلى قوة شاملة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويصبح الدخول إليها استجابة محاكاتية لحالة عامة من الهلع. وفي هذا السياق، يأتي القول المنسوب إلى أدولف هتلر، والموضوع كنص موازٍ ومفتتح للمجموعة، ليؤكد الإطار الدلالي للعنف الذي لا تملك الشخصيات تجاهه رفاهية عدم الدخول.
وفي منحنى آخر من القمع، تتجلى الأبواب كواجهات للسلطة الغامضة؛ ففي قصة «باب الرئيس»، يتحول الباب إلى مركز سياسي ورمزي يستمد قوته من الغموض والترقب، دون الحاجة إلى حضور الرئيس نفسه. هذا الباب لا يُفتح إلا بإرادة عليا، مما يُحوّل البشر أمامه إلى كائنات مُنتظرة، في استسلام يجسد آليات القمع التي تسعى إلى تغييب الكائن عبر رمز صامت لكنه هائل، وهي صورة مكثفة لما يُنتجه المقدس الزائف. في القصص الوسطى، كـ «باب الآلهة»، تتعقد البنية النسقية ليتحوّل الباب من أداة خوف إلى إغواء معرفي. السارد هنا لا يُساق قسراً، بل يدخل مدفوعاً برغبة الاكتشاف في عالم غرائبي، وهي رغبة لا تنبع من وعي حر، بل من هابيتوس مثقل بالمقدس. هذا البحث عن الباب الأوسع يمثل استدراجاً، حيث تتحول المعرفة الموعودة إلى فخ، ويصبح المقدس تنظيماً جديداً للفوضى؛ فالسرد يكشف أن المقدس ليس نقيضاً للمدنّس، بل هو صيغة مؤجلة للعنف أو سلطة رقابية تُعيد تسمية القهر "قدراً".
ويُعد التكرار الدلالي لكلمة "باب" في العناوين إجراءً إيقاعياً يضاعف من دراما الانتظار واليأس، حيث أن الأبواب المتعددة لا تمثل محاولات عبور ناجحة بقدر ما تمثل تأجيلاً متواصلاً للحقيقة وتكثيفاً لهزيمة وجودية واحدة. السرد يوظف التجريب في الشكل، معتمداً على تفكيك خطية الزمن وتداخل الحلم واليقظة، وهو ما يمثل انعكاساً مباشراً لتشظي وعي الشخصيات التي عجزت عن فهم واقعها المأزوم. أما في القصص الأخيرة، وخصوصاً «باب الجدب»، فيبلغ النسق ذروة الانسداد، حيث يتحول الباب إلى جدار داخلي يُعبر عن العقم الوجودي. فالشخصية تُترك وحيدة داخل فراغ خانق، وتُستبطن الأزمة بالكامل، لتصبح الذات نفسها كبش فداء صامتا، يضحى به دون طقس، وهو ما يجعل الجدب أكثر قسوة من العنف الصريح، إذ أنه جدب للمعنى والرسالة والقدرة على التواصل. يتجاوز الفشل هنا بعده الأخلاقي والفردي، ليصير معبرا عن فشل بنيوي؛ فالأبواب لا تغلق بفعل خارجي بقدر ما هي غير قادرة على أن تفتح لأن المقدس الزائف قد انهار، مخلفا وراءه فراغا وجوديا فظيعا.
وبناء عليه، فإن «غواية الأبواب» قد حققت تماسكها العميق بكتابتها سرديا لحظة ما بعد المقدس الجيراري، وتؤكد أن الجامع بين شخصياتها هو أنها تتحرك داخل دائرة واحدة تنتهي بخسارة اليقين، وتكشف بذلك عن وهم العبور في عالم تحكمه أنساق ترفض منح الكائن سوى الغواية والانسداد.

**
1_ إيقاعات الكائن، رشيد المومني، منشورات بيت الشعر في المغرب، الطبعة الألى سنة 2016، الصفحة 7.
يمكن العودة إلى كتاب: ا لعنف والمقدس، ترجمه إلى العربية: د. فدوى خضر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى