عائشة أبو ليل - ظلال أرجوان...

كانت تقول: لو كنتُ حجرًا لما آذاني أحد. لكنها كانت كشجرة، لها قلب نابض في الجذع، وعروق تتنفس تحت التراب.
قبل أيام استيقظت أرجوان دون أن يوقظها أحد. لا العصافير غردت، ولا النسيم مرّ من عندها ليصافح وجنتيها. شيء ما سقط من دفء قلبها بغفلة، وعيناها غريبتان تتفتحان على مداهما أو تضيقان تحت وطأة القلق والخوف.

لم تكن تعلم أرجوان أن الوردة التي وضعتها في شعرها ذلك الصباح ستكون آخر ما تبقّى لها من ذاكرتها السليمة. ارتدت زيّها المزركش الذي يليق برشاقة جسدها، وأسدلت على جبينها منديلاً مَقصبًا يشبه البلاد، وعلّقت إكسسوارًا لامعًا أضاف لهيئتها رونقًا. دخلت القاعة بخطى شامخة، كما تدخل الأشجار أول الربيع، مليئة بالاحتمالات. عانقت الحاضرين بتلويحة يديها المنهكتين وابتسامة مبطنة بالقلق والألم. ضبطت دقات قلبها على إيقاع أنفاسها، وأفرغت شحناتها المتراكمة بشهيق عميق يعيد لها توازنها.

وقفت في المنتصف، وارتسمت على شفتيها ابتسامة وهمية، مزاجها حلم وأنين مكتوم. دوّى التصفيق في مسامعها، ولاحقتها العيون التي تحصي جراحها، لكن خلف تلك الأضواء كانت تُحاك مكيدة خفية. بعض الحاضرين، ممن ضاقت بهم نجاحاتها الصغيرة، أطلقوا كلمات مشوّهة، وأشاعوا حكايات مغلوطة. تحوّل التصفيق إلى طعنات مبطّنة، والابتسامات إلى سكاكين صامتة.

أحاطوا بها كأغصان يابسة تحجب عن زهرة هواءها وضوءها. اتهموها بالهشاشة والجنون، وتناقلوا ما دُبّر كأن الريح تحمل أوراقًا ميّتة. هناك، أمام عينيها، انهار حلمها الذي نسجته لسنوات، وأدركت أن المكيدة سلبت منها لحظة كانت تظنها بدايةً للفرح، فإذا بها تتحوّل إلى جرح طويل الأمد.

جمد الدم في عروقها كاعتقال مفاجئ طوّقها بسلاسل الدهشة والحيرة. كان عرضًا مسرحيًا أدّت فيه أرجوان دور الطائر المبتهج، لكن السماء فوقها كانت مثقلة بالوجع، والأرض تحتها تزدحم بالوشاية.

خرجت راكضة، تمشي بلا وجهة، وكأن قدميها تعرفان أكثر منها. كان ظلها أطول منها بكثير، حتى بدا وكأنها تمشي بجانب شبح يشبه حياتها التي لم تُعش بعد. خلعت زيّها كما يخلع الميت كفنه الأخير، بلا صوت ولا دموع.

ارتمت في أحضان الطبيعة لترمّم ما تبقّى بها من نور، وتصنع من العتمة موقدًا. انفطر قلبها وتلاشى في أحشائها، ولم يبقَ سوى نبضات باهتة تجلجل في صدرها كنواح مكلوم.

تعثرت بجذع وحيد بلا أغصان، جلست، أسندت ظهرها إليه، واحتضنت ركبتيها. غلبها الصمت، والأفكار تتلاحق في رأسها كدوامة. لم تجد ما تُفصح عنه سوى أن تخاطب الجذع قائلة:
ــ قل لي، هل يوجعك أن ترى أغصانك وهي تنكسر؟
ــ أم أنك اعتدت على الفقد حتى صار جزءًا منك؟

رحلت إلى دواخلها، وتاهت بتقلباتها النفسية، واصطدمت بتيار الذكريات. كانت الدنيا كأرجوحة تطيح بها من جهة إلى أخرى. فتحت عينيها حين بدأت الشمس تستلقي على سرير الغروب، والنجوم الصغيرة تدخل ظلمة السماء. عندها أدركت أن ساعات مرّت وهي غارقة في تساؤلاتها التي لم تجد لها أجوبة.

رفعت رأسها، فرأت يدين تمتدان إليها وصوتًا متعبًا يقول:
ــ أين أنتِ؟ قلقت عليكِ.

كان كريم، صديقها الوحيد، الذي يفهمها من نظراتها دون أن تتكلم. جلس بقربها وقال:
ــ أنت قوية يا أرجوان. واجهت الحياة وجابهت العواصف. البشر لا ينصتون دائمًا لهواجسنا، وبعضهم يتقن المكائد أكثر مما يتقن الحب. لكن صدقيني، في داخلك جذور لا يمكن لأحد أن يقتلعها.

انفجرت عيناها بالدموع، وأجهشت بالبكاء. ضمّها كريم بين ذراعيه، يربت على كتفيها وهو يهمس:
ــ الصبر يا أرجوان. الصبر ليس ضعفًا، بل قوّة تعرف أن لكل عاصفة نهاية.
ــ لكنني تعبت يا كريم... خانني الحلم، وأُطفئ في داخلي ما كان يشبه الضوء.
ــ الحلم لا يخون، نحن من نمنحه لغير أهله. أما الله، فلا يخذل من يلجأ إليه. الإنسان السعيد هو من يحمل الله في أعماقه، حتى حين يشتدّ الألم.
ــ وكيف أستعيد نفسي؟
ــ بالكتابة، بالبوح، بالعودة إلى ما يشبهكِ. أنتِ شجرة يا أرجوان، وإن قُطعت أغصانكِ، فالجذور ما زالت حية، تنتظر الربيع.

ابتسمت رغم دموعها. أحست أن قلبها ما زال قادرًا على النبض، ولو ببطء.

مرّت شهور، وأرجوان ما زالت تتصارع مع الحدث الذي لا يغادر رأسها. تتشابه أيامها، وتطول ساعاتها بين شروق الشمس وغروبها. وظلّ كريم الرفيق لظلها، يحمل ثقل مزاجها، ويُسكّن من روعها كلما تمرد لسانها على الحياة. وفي الليل، كانت تجالس ورقتها البيضاء، تكتب عليها كلمات مبعثرة، فيزدحم السطر بضجيج نفسها، ثم تستسلم للمكيدة البعيدة.
بينما كريم قابع في مكانه .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى