ــ الترجمة الإيطالية لرواية "الشوك والقرنفل" شبهت "السنوار" بـ "جيفارا"
ــ والترجمة الروسية أطلقت عليه "جيفارا المسلم"، ووصفته بأنه "جنرال الأبطال"
ــ الترجمة التركية نَفَذت منذ أول يوم
ــ والترجمة الكردية توالت طبعاتها
ــ تصدرت رواية السنوار أعلى المبيعات في طبعاتها بمختلف الدول العربية
ــ موقع "أمازون" توقف عن بيع الرواية بسبب شكوى إسرائيلية
ــ وجامعات عربية يتقدم طلاب منها برسائل ماجستير حولها.
ــ كان يصنع الكنافة للمسجونين من بقايا الخبز.
ــ ويسير حافيا في سجن عسقلان كي يلمس أرض الأجداد التي تم تهجيرهم منها.
ــ العام الذي صدرت فيه روايته هو العام نفسه الذي تم فيه إجراء جراحة له بسبب خرّاج في المخ.
ــ كاتب إسرائيلي يربط بين السنوار في "الشوك والقرنفل" و"نجيب محفوظ" في "الباقي من الزمن ساعة".
ــ وجه الشبه بين "الحرب والسلام" لـ "تولستوي"، و"الشوك والقرنفل" لـ "السنوار".
ــ من مشهد البداية في رواية يحيى السنوار "المطر ينهمر غزيرا فيغرق تلك البيوت البسيطة في مخيم الشاطئ للاجئين".
ــ "الهوس الأمني" عند السنوار على طريقة "شكسبير" في "هاملت": "أقسو لكي أكون رحيما".
بينما إهتمت العديد من الكتابات بالمشهد الأخير في رواية "الشوك والقرنفل" التي كتبها الشهيد "يحيى السنوار"، ذلك المشهد الذي يستشهد فيه البطل، إلا أن مشهد البداية الذي يتضمن إستيقاظ الراوي في طفولته بسبب دخول مياه الأمطار إلى مكان نومهم، هو من وجهة نظري جدير جدا بالتوقف معه، خاصة مع صعوبة صور أطفال غزة حين تغمر المياه فراشهم بسبب أمطار الشتاء.
إنما قبل التوقف مع ذلك المشهد وإيحاءاته يبدو رصد التفاعل مع الرواية عالميا وعربيا أمر يستحق التسجيل، بما يتضمنه هذا الرصد من الإشارة إلى حالتي أنا كقارئة في تفاعلي مع الرواية وكاتب الرواية بكل مكانته، وأجواء كتابته للرواية.
فرواية "الشوك والقرنفل" للشهيد "يحيى السنوار" تم ترجمتها إلى لغات عديدة، وتصدرت المبيعات.
كأن خيال صاحب "طوفان الأقصى" قد استشرف المستقبل، ورأى طوفان الرأي العام العالمي "من المحيط إلى المحيط" يحتضن فلسطين.
حيث أنه بعد أن أهدى روايته "الشوك والقرنفل" إلى "من تعلقت قلوبهم بأرض الإسراء والمعراج". محددا أن هؤلاء الذين تعلقت قلوبهم بأرض فلسطين وأهداهم الرواية هم "من المحيط إلى الخليج"، أي هم العرب. إذا به يستدرك فلا يقصر الإهداء على الأشقاء من المحيط إلى الخليج، إنما يضيف قائلا: "بل من المحيط إلى المحيط". وكأن خياله قد رأى أحرار العالم اليوم وتعلقهم بفلسطين تنطق به شوارع كل الدنيا "من المحيط إلى المحيط".
وكأن السنوار قد تخيل أن روايته "الشوك والقرنفل" ستجذب القراء للتعرف على ما كتبه قائد "طوفان الأقصى"، خاصة بعد استشهاده، فترك عملا يساهم في توصيل حقيقة المقاومة إلى الرأي العام العالمي، والتعريف بحكاية القضية الفلسطينية، وتصحيح السردية الإسرائيلية التي تصور الفلسطينيين بأنهم يعتدون على إسرائيل، دون إشارة في تلك السردية الإسرائيلية إلى أن الصهاينة هم الذين بدأوا الإعتداء أولا على أرض الفلسطينيين وأرواحهم ووطنهم.
أول هذه الطبعات المترجمة للرواية كانت إلى اللغة الإيطالية في ديسمبر2024 عن دار "لا لوتشي" في "ميلانو". بمقدمة للطبعة كتبها المؤرخ الإيطالي المتخصص في التاريخ الإسلامي "ماركو دي برانكو"، قال فيها أن يحيى السنوار شخصية ملهمة، وأن إبداعه الفكري أمر هام للمهتمين بفهم تاريخ النضال الفلسطيني.
كما وصفه في المقدمة بالثائر الكوبي الشهير "تشي جيفارا"، وأنه يتشابه معه في أن شخصيته مؤثرة في الوجدان الإنساني المقاوم.
ولم يكتف المؤرخ "ماركو دي برانكو" بكتابة مقدمة رواية يحيى السنوار بل دعا إلى تقديمها في جامعة "لا سابينزا" الإيطالية مما أثار ضجة كبرى من اليهود في إيطاليا.
كذلك دار جدل كبير حول الرواية عند ظهور ناشرها الإيطالي "دافيدي بيكاردو" ضيفا على برنامج إذاعي شهير في إيطاليا هو "لا زنزارا"، فعندما قام الإعلامي "ديفيد بارينزو" بتوجيه اتهام للناشر بأنه "يروج للإرهاب"، إذا بالناشر يرد بأن "السنوار" لا يقل تأثيره عن "جيفارا"، وانطلق في رده على المذيع مما ذكره المؤرخ "دي برانكو" حول أن رواية "السنوار" تعتبر وثيقة تاريخية أساسية من شأنها أن تفيد المؤرخين في المستقبل لكتابة التاريخ الفلسطيني.
أما باللغة الإنجليزية فقد صدرت ترجمتها في نسخة إلكترونية من شركة "تاسك"، وبعدها صارت متاحة بالطلب ورقيا.
صدرت أيضا طبعة مترجمة للرواية إلى الروسية، وترتب عليها ضجيجا كبيرا، حيث خرجت الترجمة الروسية بغلاف يتصدره علم فلسطين مرفرفا في يد أحد المقاومين وسط نيران ودخان وأعداد أخرى من المقاومين.
ولم تكتف دار النشر بهذا الغلاف الموحي، بل تم تغيير عنوان الرواية ليصبح العنوان هو: "كيف نهزم إسرائيل: أشواك وورود الشرق الأوسط".
وإذا بصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية تنشر تقريرا مطولا عن الرواية الروسية التي صدرت عن دار "رودينا الروسية للنشر".
وقد تصدرت كلمات التقرير الإشارة إلى أن المقدمة الروسية للرواية قد وصفت السنوار بأنه "تشي جيفارا المسلم"، وأنه "أحد أبرز القادة العسكريين العرب في القرن الـ21″، باعتباره قد هندس عملية "طوفان الأقصى" وقاد جهود الدفاع عن غزة بين عامي 2023 و2024. وأن المقدمة قد وصفته أيضا بأنه "جنرال الأحرار". ثم توالت بعد ذلك تقارير في صحف إسرائيلية أخرى غاضبة من غلاف ومن عنوان ومن مقدمة الطبعة الروسية لرواية السنوار.
ثم وصل الأمر إلى قيام منظمة “بتزالمو (NGO) الإسرائيلية بالتقدم بشكوى إلى أمازون تتضمن الزعم بأن رواية "الشوك والقرنفل" قد زرعت بذور عملية "طوفان الأقصى" التي شنتها حماس ضد إسرائيل في السابع من أكتوبر 1923. وتوقف موقع "أمازون" عن بيع الرواية في إبريل 2024. بعد أن كانت الرواية متاحا شراؤها عبر الموقع منذ ديسمبر 1923.
لكن ظلت الرواية تحقق أعلى المبيعات في المكتبات والمعارض، مع صدورها مترجمة بلغات أخرى.
فبمجرد ترجمتها إلى "التركية" نفدت طبعتها منذ اليوم الأول، وتقرر إصدار طبعة جديدة في اليوم التالي.
كما تم ترجمتها إلى اللغة "الكردية"، فكانت الأعلى مبيعا في معرض "السليمانية" الدولي للكتاب في إقليم كردستان العراق، وكذلك الأعلى مبيعا في الموصل.
وإذا كانت الرواية المترجمة قد حققت أعلى المبيعات فقد كان هذا أيضا هو حال مبيعات الرواية باللغة العربية.
فقد حققت الرواية الأعلى مبيعا في معرض إدلب للكتاب بسوريا في سبتمبر 2024.
وأيضا حققت الرواية الأعلى مبيعا في معرض الأردن للكتاب في أكتوبر2024 .
والأعلى مبيعا في معرض الكويت للكتاب.
في معرض الجزائر للكتاب في نوفمبر 2024 لم تكن فقط الأعلى مبيعا، بل لقد نفذت الرواية.
ومن ناحية أخرى شهدت الجزائر إحتفاء بالرواية من الناحية الأكاديمية، حيث قامت الطالبة "وئام بوعكوش" بالتقدم للحصول على الماجستير في اللغة والأدب العربي برسالة حملت عنوان "الأنساق الثقافية في رواية الشوك والقرنفل ليحيى السنوار".
كما تم التقدم للحصول على درجة الماجستير برسالة أخرى حملت عنوان "ملامح الشخصية في رواية الشوك والقرنفل ليحيى السنوار"، وذلك في قسم اللغة والأدب العربي بكلية الآداب واللغات.
وأيضا تقدمت الطالبة "كرير سرين"، و"بودمر إيمان" برسالة حملت عنوان "الصراع في رواية الشوك ووالقرنفل: دراسة سسيولوجية".
وبعد الجزائر وجدنا طلبة في اليمن يقومون بترجمة الرواية إلى اللغة الإنجليزية والتقدم بالترجمة كمشروع للتخرج في كلية العلوم الإنسانية بجامعة "الناصر".
وإذا كان جزء من الإنشغال بالرواية عربيا قد تجلى بشكل أكاديمي في الجامعات، فإن الإنشغال برواية السنوار في إسرائيل قد ظهر واضحا في صحفهم التي أضافت إلى عرض الرواية والتعليق عليها تقديم قائمة بكل ما أصدره السنوار من كتب خلال فترة سجنه، بل وتوضيح لما قرأه من كتب وهو خلف القضبان.
ومن أهم هذه الكتابات الإسرائيلية مقال على موقع صحيفة "معاريف" للكاتب الإسرائيلي "جاكي خوجي" المختص بالشئون العربية في إذاعة الجيش الإسرائيلي.
وفيه بعد أن وصف السنوار بأنه: العدو اللدود لإسرائيل، نجده يتحدث حول أن السنوار يجيد الترجمة، وأنه كاتب غزير الإنتاج.
حيث أوضح أن السنوار قد كتب خمسة كتب خلال الأعوام الـ 23 التي قضاها في سجون إسرائيل.
ثم ذكر بالتفصيل كيف أن كتابين من تلك الكتب قد قام السنوار بترجمتهما إلى العربية من اللغة العبرية التي تعلمها داخل السجن.
الكتاب الأول بعنوان "القادم لقتلك استبق واقتله "، لرئيس الشاباك السابق "يعقوب بيري".
والكتاب الثاني لخليفته "كرمي جيلون" بعنوان "الشاباك بين الانقسامات".
واضح مما ذكره الكاتب الإسرائيلي أن السنوار قد حرص على ألا تكون الـ 23 عاما التي قضاها في السجن سنواتا ضائعة من العمر، فقد تعلم لغة العدو، ثم لم يكتف بالقراءة بلغتهم، إنما قام بترجمة بعضا مما قرأ لكي يعرف غيره من الفلسطينيين أمورا هامة تتعلق بالعدو.
ونلاحظ أن عناوين تلك الكتب تشير إلى اهتمامه بالتعرف على نقاط ضعف العدو وأجهزته الأمنية بحيث تكون مواجهته بعد ذلك منطلقة من فهم شخصيته، وهو ما يتم التعبير عنه بـ "إعرف عدوك".
نعود إلى مقال الكاتب الإسرائيلي فنعرف أن السنوار مثلما كتب وهو في داخل السجن كتابين عن العدو، فقد كتب في مقابلهم كتابين حول السنوات الأولى لـ "حماس".
أما آخر أعماله التي كتبها في السجن فهو رواية "الشوك والقرنفل"، التي استغرق في كتابتها وهو داخل السجن مدة طويلة هي 15 عاما. حيث أتم كتابتها عام 2004.
وبوصول الكاتب الإسرائيلي "جاكي خوجي" إلى رواية الشوك والقرنفل في مقاله الطويل نجده يتحدث بالتفصيل عن كل شخصية في الرواية وعن مختلف الأحداث فيها وربطها بوقائع حقيقية.
ويستوقفني رأي لهذا الكاتب الإسرائيلي يتضمن أن السنوار قد استوحى إطار "الشوك والقرنفل" من الكاتب الكبير نجيب محفوظ، في روايته "الباقي من الزمن ساعة" باعتبار أن نجيب محفوظ قد قدم فيها قصة عائلة في القاهرة منذ ثلاثينيات القرن الماضي حتى بداية عملية السلام مع إسرائيل. وأن البيت في كل من الروايتين يمثل نموذجاً للمجتمع، وأن كل فرد من أفراد الأسرة يمثل حركة سياسية أو جماعة اجتماعية.
وإذا كان الكاتب الإسرائيلي "جاكي خوجي" قد رصد ما كتبه السنوار داخل سجنه وحلل بالتفصيل الأحداث وشخصيات روايته "الشوك والقرنفل"، فإن الكاتب نفسه عبر مقال آخر له قد اهتم بما قرأه ودرسه السنوار خلف القضبان، فسجل بالتفصيل موضوعات دورات دراسية حصل عليها السنوار داخل السجن في فترة كانت خلالها سلطات السجون الإسرائيلية تسمح للسجناء بالتعلم عن بعد.
فنعرف من هذا المقال أن السنوار الذي يجيد اللغة العربية التي تخصص في دراستها بالجامعة الإسلامية في غزة، والذي أجاد اللغة العبرية، قد اهتم أيضا بتطوير علاقته باللغة الإنجليزية فحصل على دورة في اللغة الإنجليزية.
من جانب آخر نتعرف عبر المقال على قراءات السنوار داخل السجن من خلال إلتحاقه بـ 15 دورة في قسمي العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية.
ومن أهم هذه الموضوعات التي درسها:
ــ دورة في التاريخ عن تاريخ القدس، من بداياتها في العصر التوراتي ـ على حد تعبير الكاتب الإسرائيلي ـ مرورا بمكانتها في زمن الحشمونيين، تحت حكم روما وبيزنطة، الدولة العباسية، العثمانيين، وصولا إلى فترة الانتداب البريطاني.
ــ دورة في قسم التاريخ عن فترة "المشناة" و"التلمود"، وعن "التوراة" الشفوية.
ــ دورة تمهيدية في تاريخ اليهود، تشمل تاريخ اليهود في فترة الإمبراطورية الفارسية واليونانية، اضطهادات أنطيوخوس، روما، وتأسيس سلالة الحشمونيين.
ــ دورة تاريخية عن المحرقة تتضمن خلفيات صعود النازيين، وأحوال يهود أوروبا قبل الحرب العالمية، وخطة الإبادة وكيف تم تنفيذها.
ــ دورة حول تاريخ الحركة الصهيونية من 1881-1914.
ــ دورة عن الحكومة والسياسة في إسرائيل.
ــ دورة حول تاريخ الشرق الأوسط.
ما يبهرني في المعلومات التي نقلها الكاتب الإسرائيلي حول دراسات أو قراءات السنوار في السجن هو ليس فقط عدد الدورات، إنما موضوعاتها التي توضح حرصه على تطوير معلوماته التي من الممكن أن تساعده في الإعداد لأمر يخطط له.
وإذا كنا قد عرفنا ما كتبه السنوار وما كان يقرأه داخل السجن عن طريق الإسرائيليين، فإننا نستطيع أن نتعرف على بقية ما كان يفعله داخل السجن على لسان سجناء تصادف أن رافقوه خلف القضبان، حيث أدلى بعضهم بشهاداتهم عبر حوارات على موقع يوتيوب، وهي شهادات تقرب لنا الأجواء التي كان يختطف فيها السنوار الوقت كي يكتب فصول روايته "الشوك والقرنفل" على مدى 15 عاما.
ففي "بودكاست" "تقارب" لـ "أحمد البيقاوي" نعرف من "شادي الشرفا" الخبير في الشئون الإسرائيلية والقائد في الجبهة الشعبية الذي خرج من السجن بعد20 عاما كيف تمكن السنوار من تنظيم حماس داخل السجون وضبط علاقة مسجوني حماس مع القرارت التي تصدر من التنظيم خارج السجن، وكيف أن ما يطلقون عليه "الهوس الأمني" عنده كان مستمرا معه داخل السجن، فالمعروف أن سبب دخوله السجن هو قيامه بقتل فلسطينيين عملاء للإحتلال، وأنه قد أسس في حماس جهاز "مجد" الأمني.
يستوقفني تعبير "الهوس الأمني" عند السنوار الذي كرره "شادي الشرفا" مثل الكثيرين فيطل من ذاكرتي تعبير "شكسبير" في "هاملت"، "أقسو لكي أكون رحيما"، فلقد كان ما يطلقونه عليه من الهوس الأمني والتخلص من العملاء الذين يقومون بتوصيل تحركات المقاومة للعدو سببا في نجاح المقاومة في "طوفان الأقصى" يوم السابع من أكتوبر، حيث تفاجأ العدو تماما بما جرى، وقد كان التخلص من العملاء عاملا هاما في عدم تسريب الخطة أو موعدها إلى العدو.
وأعود إلى شهادة "شادي الشرفا"، وبالطبع هو لا يشترك تنظيميا مع السنوار في حماس، مما يزيد من أهمية كلماته التالية حيث نسمع على لسانه قوله أن السنوار هو أكثر إنسان قد رآه في حياته "منتجا"، وأنه كانت عنده المبادرة دائما، ولديه قدرة على اتحاذ القرار، وكذلك على تنفيذ القرار الذي اتخذه، كما ذكر عنه أنه لم يكن يحاول الحصول على مكاسب خاصة، لدرجة انه من الممكن القول أنه كان زاهدا، فهو يتمتع بطهارة اليد، ولا يبحث عن مكاسب شخصية.
واستمرارا في التعرف على الأجواء التي كتب فيها السنوار روايته "الشوك والقرنفل" نعرف من "شادي الشرفا" أن السنوار كان منتظما جدا في المواعيد فيكون في أول طابور الركض صباحا، ثم يمارس تمارين رياضية مع مجموعة من المسجونين. وأنه كانت لديه القدرة على الإستماع للآخرين، ليس مجرد مستمع، إنما يصغي، ويناقش، ومن الممكن أن يتراجع من أجل أن يستجيب لرأي مفيد ذكره الطرف الآخر.
وأنه كان يتنقل بكفاءة مابين العمل السياسي والإجتماعي وينجز في العديد من الأمور التي لا صلة بينها، فينتقل من تصحيح اللغة العربية للأسرى الذين يكتبون أعمالا أدبية في السجن، إلى كتابة دفتر يتضمن طبخات السجن، من حيث المكونات وخطوات الإعداد. بل إنه كان يجمع بقايا الخبز من المساجين ويبشرها لتصبح رفيعة فيعمل منها كنافة لكل المساجين وعددهم 54 سجينا.
وقد كان الموقد المسموح به في السجن هو مجرد سخان صغير يطلقون عليه "البلاطة" لا يكفي إلا لعمل قطعة كنافة واحدة في "طاسة"، مع ذلك كان يقوم بتسوية كل قطعة منفردة، مما يترتب عليه أن يستغرق هذا منه وقتا ومجهودا، مع ذلك كان يقوم بهذا العمل بحب وإتقان.
وعلى الرغم من جمال هذا الوصف للمجهود الذي يقوم به السنوار من أجل تجهيز الكنافة للمساجين، فإن ما وراء إستمتاعه بهذا الجهد يتضح أكثر عبر حديث الكاتب الموريتاني "د إبراهيم الدويري" مع "خير الدين الجابري" في "جسر بودكاست" حول كتابه الذي يعده عن يحيى السنوار، حيث تحدث حول أن السنوار كان يقوم بإعداد الكنافة للمساجين كجزء من عبادة "الإطعام، وأن العبادات التي كان يحرص السنوار عليها في السجن كانت متعددة. لذلك فإن يومه كان يبدأ قبل الفجر بساعتين أو بثلاث ساعات يقضيها في صلاة قيام الليل، وصولا إلى صلاة الفجر وقراءة الأوراد، وعندما تشرق الشمس يصلي صلاة الإشراق.
ولقد أطلق السجناء على الزنزانة التي كان السنوار يقيم فيها "غرفة مكة" من كثرة التعبد وكثرة الذكر والإستغفار.
كما كان يحرص على الصدقة حيث يضع في الخزانة أموالا لمن هو محتاجا.
ويحرص أيضا على عبادة "جبر الخواطر"، فكان يستمع ويقدم النصائح، خاصة أنه كان يقدم محاضرات تثقيفية عن القضية الفلسطينية، كما كان يقوم بتدريس كل من اللغة العربية والعبرية للسجناء، باعتبار أن العربية هي تخصصه الجامعي، وأن العبرية قد تعلمها مع بدايات سجنه.
ويعتبر "د إبراهيم الدويري" أن اتساع رقعة تعامل السنوار مع المسجونين قد أتاح له أن يعرف فلسطين أكثر، حيث قابل في السجن معتقلين من مختلف أنحاء الوطن.
ووسط هذه الإهتمامات العديدة خلف القضبان كان السنوار يكتب روايته "الشوك والقرنفل".
ولقد استغرق مني تقصي تلك الأجواء التي كان يكتب فيها السنوار روايته داخل السجن مساحة كبيرة.
ربما أردت منها أن يستحضر القارئ أن كاتبها لم يكن في ظروف عادية.
وربما أردت منها أن أعطل نفسي عن قراءة الرواية التي لم أبدا في قراءتها بعد.
فقد اختبأت طويلا من قراءة رواية "الشوك والقرنفل" للقائد "يحيى السنوار".
إختباء العاشق حين يستصغر ما يجهزه للحبيب من إحتفال.
وتردد المريد حين يحتار تجاه ما يستحقه الشيخ من إحتفاء.
وتذبذب المهاجر تجاه ما يستطيع أن يوفره للغريب من اصطفاء.
إختبأت طويلا.
وكلما قرأت حول الرواية وملامح للإنشغال بها من العدو والصديق، كلما ازدادت مشاعري المتناقضة.
لهفة، وتردد.
إختباء، مع رغبة في الإرتواء.
إختبأت هيبة من لقاء كلمات تمت كتابتها خلف جدران سجن إسرائيلي بقلم أسير فلسطيني محكوم عليه بأربعة مؤبدات، وأن يحيى السنوار صاحب هذا القلم قد خرج من السجن بفضل الله، بعد أن قام شقيقه الأصغر "محمد" مع فلسطينيين آخرين بالتخطيط وتنفيذ أسر جندي إسرائيلي صار شهيرا هو "شاليط"، وفي مقابل أن تسترده إسرائيل خرج حوالي الألف أسير فلسطيني من سجون الاحتلال، وكان من بينهم يحيى السنوار الذي صار بعد ذلك قائدا مغوارا مع "محمد الضيف" في طوفان الأقصى، ثم ما حدث بعد ذلك صار معروفا للعالم كله.
شعرت بهيبة على طريقة الكاتب الكبير "أحمد بهجت" في كتابه الرائع "بحار الحب عند الصوفية"، عندما ذكر بإجلال رد "أحمد بن حنبل" على الذين كانوا يواسونه ويحاولون تهوين قسوة السجن عليه خلال فترة سجنه قائلا: "أنا جنتي في صدري". بما يعني أن شعوره هو أنه ليس سجينا، بل هو في الجنة، لأن جنته في صدره.
وعلى طريق "إبن حنبل" ذكر الكاتب اللبناني "نبيه عواضة" الذي كان مسجونا مع السنوار في سجن "عسقلان" أن السنوار كان يحب أن يكرر أنه إذا كانت "خان يونس" هي مسقط رأسه، إلا أن "عسقلان" هي مسقط رأس عائلته التي أضطروا للنزوح منها إلى غزة عام 1948، في إشارة منه إلى ما يثيره وجوده في سجن "عسقلان" من مشاعر الوجود في المدينة التي تم إرغام أهله على النزوح منها. وربما كان السنوار مشغولا بعسقلان من جانب آخر إنطلاقا من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكر أن "أفضل رباطكم عسقلان".
وقد بلغ تعلق السنوار بعسقلان إلى درجة السير حافي القدمين، وهو ما ذكره "نبيل عواضة" زميله في سجن عسقلان، مشيرا إلى ان السنوار كان يلعب تنس الطاولة في السجن حافي القدمين، ويأتي تفسير السنوار لمشيته بلا حذاء بأنها تمثل رغبته في أن تلامس قدماه أرض عسقلان قائلا: "أنا لست في السجن، أنا على أرضي. أنا حر هنا، في بلدي".
ولأن حكاية مشهد الحفاء قد وقع خلال ممارسته للرياضة، فمن المهم الإشارة إلى أن السنوار لم يكتف بالقراءة والتعلم وكتابة الكتب داخل السجن، إنما كان حريصا في الوقت ذاته على ممارسة الرياضة، فهو سجين نعم، إنما مثل "أحمد بن حنبل" أن جنة الإنسان في صدره، يجدد حياته وقدراته حتى وهو خلف القضبان.
السنوار محب للرياضة وكان لفترة أمينا للجنة الرياضية في الكلية، كما كان محبا للأدب والفنون والمسرح فكان في فترة أخرى أمينا للجنة الفنية بالكلية واشترك مع "محمد الضيف" في تقديم أعمالا مسرحية، فهما من الشخصيات التي يضيف حب الأدب والفن إليهما تنشيط الخيال الذي كان عاملا مهما على طريق الوصول إلى "طوفان الأقصى".
نعود إلى الكاتب الكبير "أحمد بهجت" فنجده قبل أن يذكر بقية المواقف المتعلقة بقوة الإيمان التي اختارها من التاريخ الإسلامي يعلق بطرب على كلمات "أحمد بن حنبل"، وكأنه يطل على المشهد من بعيد قائلا: "ترتفع أمواج البحر، رغم اننا لم نزل على الشاطئ"، ثم يضيف بطريقة من يتحدث مع نفسه: "صعب. الدخول على القوم صعب".
وأنا اليوم مثل "أحمد بهجت" أنظر إلى ما كتبه يحيى السنوار الزاهد المقاوم من أجل نصرة الحق على طريقة المجاهدين المسلمين القدامى وأقول لنفسي وكأنني أنظر إلى الأمواج العالية: صعب. الدخول على القوم صعب.
ومع صعوبة دخولي إلى الصفحات المزهوة بقلم "السنوار". طال وقوفي على الباب، باب الرواية أو غلافها. أخذت أطل عليه طويلا.
أنظر إلى الغلاف الأصلي للرواية عند صدورها عام 2004 ، وهو العام نفسه الذي كان يشكو فيه السنوار من فقدان التوازن ومن آلام في الرقبة، وتمكن الطبيب الإسرائيلي "يوفال بيتون" من تشخيص السجين 7333335، وهو رقم السنوار في السجن، على طريقة رقم السجين "جان فالجان" وهو 5024901 الشهير في رواية "البؤساء" لـ "فيكتور هوجو". وقد روى الطبيب عبر "نيويورك تايمز" أن تشخيصه لحالته قد أعقبه إجراء جراحة عاجلة له، تم خلالها استئصال "خرّاج" في المخ.
ولقد كتب الله له الحياة بالتخلص من "الخرّاج"، كما كتب الله لروايته الخروج إلى النور عقب أن تم تهريبها من السجن بينما السنوار كان مايزال أسيرا، فحرص ناشرها على أن يسبق إسم السنوار صفته في ذلك الوقت وهي أنه "أسير".
الغلاف الذي أحسن مصممه إختيار صورة كبيرة للمؤلف يحيى السنوار لتتصدر الغلاف وهو يرتدي لون الصفاء الأبيض، ومن خلفه سماء ليست صافية، لا ينظر إليها، إنما ينظر إلى بعيد، بعينين تختطفان من ينظر إلى الغلاف بنظراتهما التي تبدو كأنهما تتطلعان بشغف نحو المستقبل.
وحاجبين بتقطيبة إصرار مخلوط بالأسى.
وشفتين تستعير غموض ابتسامة لوحة "الجيوكندا" لـ "ليوناردو دافنشي" حيث ليس من السهل تحديد ما إذا كانت شروعا في الوصول إلى بسمة، أم هي محاولة حزينة للإبتسام.
لكن زهرة القرنفل بلونها الأحمر وهي تستقبل من يطل على الغلاف تكفي لترجيح أن بسمة السنوار تعبر عن شروع في الوصول إلى بهجة.
أحببت هذا الغلاف الأصلي المختلف عن غلاف طبعات عربية وأجنبية عديدة بعد ذلك.
وبعد أن عشت مع تصميم الغلاف، إستمر وقوفي على باب الغلاف، وترددي في الدخول إلى الصفحات، فأطلت التأمل في العنوان.
إنه كلمتان.
الأولى لها ملمس مؤلم هي "الشوك".
والثانية توحي باسترجاع جمال الرائحة: "القرنفل".
بكل ما يبعث به جمال عبير الزهور من رغبة في استعادة البهجة التي يحققها، وبكل ما يتسبب فيه الجمع بين قسوة الشوك، وجمال القرنفل من تضاد.
وبكل ما يتداخل فيه منطوق "الشوك" مع منطوق "الشوق".
تخيلت أن السنوار ربما كان قد اعتاد أن تقع عيناه على الأسلاك الشائكة التي تحصن سلطات الاحتلال بها أسوار سجونها التي قام بمحاولتين للهرب منها، لكن تم إحباط المحاولتين، وفي كل مرة كان يتم نقله إلى سجن آخر، فتطل عليه الأسلاك الشائكة من جديد عبر الأسوار وعبر سقف الساحة التي يتم إخراج المساجين إليها فيما يسمى "الفورة"، دون أن تتمكن الأسلاك ولا السنوات أن تسمح لعينيه بسرقة ما يحتفظ به وجدانه من جمال مشهد حقول القرنفل في "خان يونس" مسقط رأسه بوسط قطاع غزة الذي اشتهر بزراعة الورود، وخاصة القرنفل، الذي تضيف رائحته العطرة النفاذة المزيد من الإستمتاع بالبهجة التي تتدفق من اللون الجذاب.
ثم، لم تعد عندي حجة للبقاء أكثر من هذا على باب الرواية.
حان الوقت لكي أعانق ما كنت منه قد اختبأت، وأن أسبح مع خيال السنوار، فـ "الخيال" هو أحد أهم ما كان يمتلكه السنوار، ذلك الخيال الذي قام بعمل مزيج منه مع الحقيقة فكتب على الورق من وراء القضبان "الشوك والقرنفل".
وهو "الخيال" أيضا الذي قام بعمل مزيج منه مع الواقع فتخيل سيناريو "طوفان الأقصى"، لكنه في هذه المرة وبعد خروجه من الزنزانة لم يكتبه على ورق في رواية، إنما شيد ما تخيله فوق أرض الواقع عبر مشاهد حقيقية لم يتخيلها أحد من قبل لأبطال يقتحمون أسوار الاحتلال التي تفصل غزة عن بقية أرض فلسطين المحتلة.
كما حلق بخياله في السماء عبر مشاهد لم يتخيلها أحد من قبل لإنزال جوي عبر طائرات شراعية داخل المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة.
ونفذه تحت الأرض في مجاهل أنفاق تم نقل الأسرى الإسرائيليين إليها لإخفائهم عن أعين العدو بين دهاليزها من أجل استخدامهم كورقة ضغط لإخراج المعتقلين الفلسطينيين الذين عانى من قبل مثلهم في سجون العدو.
وإذا كان زملاء الزنزانة الذين كانوا معه خلف القضبان هم الذين بمشيئة الله كان لهم الفضل في أن يخرج إلى النور خياله الذي صاغه على الورق تحت عنوان "الشوك والقرنفل".
فإن الرجال الأحرار معه داخل الأنفاق تحت قيادة "محمد الضيف" قائد كتائب "القسام" هم الذين بتوفيق من الله سبحانه كان لهم الفضل في أن يخرج إلى النور خياله الذي صاغه تحت عنوان "طوفان الأقصى".
وها أنا الآن بعد أن تابعت خياله وهو يتمشى على الأرض منذ اندلاع "طوفان الأقصى"، أتابع خياله المنقول إلى الورق في "الشوك والقرنفل".
وإذا بالشوق والترقب يجعلني ألتهم صفحات الرواية.
فقد اصطفيت الإندماج، أو اصطفاني الإندماج مع ما كتبه السنوار. تلك الكتابة التي تشبه تطريز الحالة الفلسطينية المقاومة بدأب أنامل المرأة الفلسطينية التي تمسك بالإبرة مع الخيوط الملونة، فإذا بعيوننا تعانق رواية مليئة بالتفاصيل والجمال كالثوب الفلسطيني بتفاصيله الغنية، عبر أسرة هي صورة من الوطن، وأفراد أسرة هم انعكاس للتيارات السياسية في الوطن.
كل هذا بأسلوب سلس يأخذ القارئ من صفحة إلى أخرى بانسيابية، مهما انشغل فضول القارئ بربط شخصيات الرواية بأشخاص حقيقيين عرفناهم في الحقيقة.
فصحيح أن السنوار قد ذكر منذ مقدمة الرواية أنها ليست قصته الشخصية ولا قصة شخص بعينه. لكنه في الوقت ذاته قد اعترف أن أحداثها حقيقية تخص هذا الفلسطيني أو ذاك، وأن دور الخيال فيها هو تحويل تلك الاحداث إلى رواية تدور حول أشخاص محددين.
وبالفعل فقد روى زملاء للسنوار في السجن أنه كان مهتما بأن تتضمن روايته حقائق من السردية الفلسطينية وحكايات بطولات وعذابات حقيقية في قالب روائي. وقد صاغ كل هذا ببراعة تجعل القارئ يعرف ما جرى منذ هزيمة العرب في عام 1967، وصولا إلى انتفاضة الأقصى الفلسطينية في عام 2000.
الأمر الذي لمسته خلال قراءة الرواية، وجعلني أدرك أحد أسباب إقبال الكثير من الأجانب الذين تم ترجمة الرواية إلى لغتهم على قراءتها. هو ان الرواية عبر "الحدوتة" ترصد حال مجتمع لم يكن هؤلاء الأجانب يعرفون شيئا عنه.
فنجد عبر الرواية أثر تغيرات الحرب والإحتلال على أبطال الرواية، مثلما أقبل القراء ـ إذا جاز التشبيه ـ على قراءة "الحرب والسلام" لـ "تولستوي" التي تدور أحداثها في روسيا خلال حملات "نابليون بونابرت"، و"ذهب مع الريح" للكاتبة الأمريكية "مارجريت ميتشل" التي تدور أحداثها خلال الحرب الأهلية الأمريكية، و ثلاثية نجيب محفوظ وما تتضمنه مع حدوتة الأجيال من ملامح لثورة مصر عام 1919 وما بعدها. وغيرها من الروايات عبر العالم التي تثري فيها خلفية الواقع السياسي الأعمال الروائية وتحفظ للأجيال سيرة إنعكاس الأحوال السياسية والحروب على حياة الناس.
اللافت للنظر أن السنوار قد شيد تلك السيرة عبر صياغة فخمة وسلسة في الوقت ذاته، وعبر ارتباط بالطبيعة تشارك بروحها في الأحداث منذ السطر الأول.
فنجده ينسج مشهد البداية قائلا: " شتاء 1967 كان ثقيلا، يرفض الرحيل، ويزاحم الربيع". بكل ما توحي به مزاحمة الشتاء للربيع من إيحاء بتعثر تفتح زهور الربيع، وما يوحي به هذا من تعثر ما ينتظره الناس من إشراق وتفاؤل.
وللمزيد من توضيح تعثر الإشراق نقرأ هذه الجملة التي أعقبت الجملة الأولى حيث يصف مزاحمة الشتاء للربيع بقوله أن "الربيع يحاول الإطلال بشمسه الدافئة، فيدافعه الشتاء بغيوم تتلبد في السماء".
إنها كلمات تتناسب مع ما حمله عام 1967 بعد ذلك من هزيمة مروعة للعرب على يد إسرائيل.
ويحمل السطر الذي يعقب هذا الوصف ما يجعلنا نعرف المكان الذي تبدأ فيه أحداث الرواية، فنقرأ: "وإذا بالمطر ينهمر غزيرا من السماء فيغرق تلك البيوت البسيطة في (مخيم الشاطئ) للاجئين بمدينة غزة".
ثم يرسم صورة تفصيلية تفسر المقصود بغرق البيوت المتواضعة ويشهد على أوجاع في حياة سكان المخيم.
حيث كتب على لسان الراوي: "مرات عديدة استيقظت ليلا على أيدي أمي تزيحني جانبا وتضع على فراشها إلى جواري تماما "طنجرة" الألمونيوم أو صحن الفخار الكبير لتسقط فيه قطرات الماء التي تتسرب من التشقق في سقف القرميد الذي يغطي تلك الغرفة الصغيرة. طنجرة هنا، وصحن من الفخار هناك، وإناء ثالث في مكان آخر".
ويكمل وصف مشهد يبدو وكأنه قد عانى منه بالفعل هو شخصيا في طفولته، ولا يغيب عن ذاكرته قائلا: "أحاول في كل مرة النوم. فأفلح أحيانا، ثم أستيقظ على صوت قطرات الماء وهي ترتطم بما تجمع من مياه في ذلك الإناء بصورة منتظمة. وعندما يمتلئ الوعاء أو يشارف على الإمتلاء يصبح رذاذ الماء يتراشق عليه مع كل قطرة، فتهب أمي لتضع وعاء جديدا مكان الذي امتلأ وتخرج لتسكبه خارج الغرفة".
وبعد هذا المشهد الداخلي في البيت المتواضع، يخرج بعدسة كلماته إلى مشهد خارجي يحيط بمنطقة البيت، بدأه أيضا مثل مشهد بداية الرواية بالطبيعة التي يدور فيها المشهد الذي بدأه بما يجعلنا نعرف عمر البطل في ذلك الوقت، حيث كتب: "كنت في الخامسة من عمري" وبسرعة انتقل إلى رصد أحوال الطبيعة بإيحاءاتها قائلا: "تحاول شمس الربيع أن تحتل مكانها الطبيعي لتزيل آثار هجوم الشتاء. يأخذني أخي محمد إبن السابعة بيدي ونسير في طرقات المخيم إلى أطرافه حيث يرابط معسكر للجيش المصري".
وعبر هذه اللقطات الأولى عرفنا علاقة جنود الجيش المصري الطيبة بالمخيم وأطفاله عندما كان قطاع غزة تحت الإشراف المصري قبل الاحتلال الإسرائيلي في حرب 1967 ، حيث يعطيهم الجندي كالمعتاد قطع من الحلوى ويتحدث معهم بمودة.
بعد فترة وجد الطفل بطل الرواية أن الأب والأهل يقومون بحفر خندق من حول البيت.
ثم نرى الصغير غير مستوعب لما يجري من حوله، ولا للسبب الذي جعل الجندي المصري بعد ان كان يرحب بالصغار، إذا به يأمرهم بالابتعاد عن الخطر.
ثم إذا بالأسرة تترك النوم في البيت ويلجأون للخندق الذي حفروه، مع صوت الأم تصيح محذرة الطفل وأخوته عند محاولتهم مغادرة الحفرة: "يا اولاد الدنيا حرب".
ولم يكن الطفل يدرك في تلك اللحظة معنى الحرب، إنما إرتبطت في ذهنه بالضيق وأصوات الإنفجارات، وما أعقب ذلك من تعرفه على أمر جديد إسمه "حظر التجول" الذي تكرر فرضه من قوات الاحتلال، فلا يخرجون من بيوتهم. وصولا إلى تجربة إنكسار فرحته وفرحة الأسرة بعودة أخوه من مصر وقد حصل على بكالوريوس كلية الهندسة، وإذا بقوات الامن تقتحم بيتهم ولا يعرفون سبب إعتقالهم له، حيث ظل في اختفاء قسري لا يتمكنون من معرفة مكانه، إلى أن تم تحويله للمحاكمة بتهمة الإنضمام لحركة "فتح"، وعرف الراوي الصغير وجع زيارة المعتقلين من خلف الأسلاك بلا أحضان ولا قبلات وآهات أمه وغيرها من الأمهات.
ويتوالى انعكاس كل الوقائع السياسية على أحوال الأسرة.
كبار السن مثلي سيجدون أن السنوار قد أيقظ من وجدانهم أحداثا ووقائعا تجعل ذاكرتهم تلهث بسبب انتباههم إلى أننا جيل قد عاش تحولات هائلة، فهو يأخذنا من الهزيمة في حرب 1967 إلى الفرحة بحرب 6 أكتوبر عام 1973، وارتفاع صيحات فرحة الناس في شوارع فلسطين المحتلة وهم يعرفون أخبار العبور عبر المذياع و"صوت العرب" من القاهرة. إلى أن أعلنت القوات الإسرائيلية حظر التجول على الفلسطينيين فدخلوا تلك الليلة بيوتهم وهم يحلمون بوصول جيوش العرب وأنها ستكون آخر ليلة يمنعهم فيها العدو من التجول.
والشعور بالفخر والعزة لهزيمة إسرائيل على الرغم من أن احتلالها لفلسطين ظل مستمرا.
إلى أن كانت صدمة معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. واتفاقية أوسلو، ومرورا بالحرب الأهلية في لبنان، وانتفاضة الحجارة، ووصولا إلى الإنتفاضة الثانية أو انتفاضة الأقصى.
وبين هذه المحطات الكبرى أعاد معركة "الكرامة" إلى الذاكرة، وقبل الوصول إلى صدام الأردن مع الفلسطينيين المقاومين على أرضها إعترف على لسان أحد الشخصيات أن بعض الفدائيين كانوا يتصرفون بدون مراعاة مشاعر الناس هناك. ثم بعد أحداث "أيلول" الدامية في الأردن يرصد انتقال المقاومة إلى لبنان.
كما سجل انتقال قوات التحرير الشعبية في غزة إلى حركة "فتح"، وأنصف دورها في المقاومة في تلك الفترة كما تحدث عن الدور الهام للجبهة الشعبية.
واهتم بالشيخ أحمد، ومن الواضح أنه الشيخ "أحمد ياسين"، ومن خلاله وآخرين رصد ملامح من بدايات التيار الإسلامي.
ووثق للعديد من العمليات خلال الإنتفاضة الأولى والثانية، وطرق إعداد المتفجرات والقذائف بالوسائل البسيطة المتاحة.
مع ملاحظة أن المعلومات كلها تظهر بانسيابية عبر الحدوتة الجذابة، وعبر المشاهد المكتوبة بطريقة سينمائية ، في سيناريو وحوار من السهل أن يجذب جيل الشباب الذي لم يشهد تلك الأحداث، وأن يجذب كذلك الأجانب بما تتضمنه من حصيلة هائلة لمراحل تاريخية هامة.
فهي رواية معرفية تتمتع بأسلوب جميل في صياغة المعلومات التاريخية المتعلقة بما جرى في فلسطين، دون أن يستغرق في المعلومات، ودون أن تطغى المعلومات على سير الأحداث، بل هي تنساب بتلقائية.
إنما بشكل عام فإن قارئ "الشوك والقرنفل" للسنوار لن يجد نفسه مثل قارئ رائعة "الحرب والسلام" لتولستوي في صحبة أثرياء، خلفيتهم وقائع حملات نابليون بونابرت في روسيا، بل سيجد نفسه يتابع زخم الأحداث عبر رواية "يحيى السنوار" في صحبة أسرة فلسطينية متواضعة بمخيمات غزة للاجئين.
أسرة حين زارهم أحد الضيوف حاملا معه كيس من التفاح، فإذا بهذه الفاكهة تتطلب من الراوي أن يتذكر أن تلك كانت المرة الثالثة في حياته التي يأكل فيها التفاح.
أسرة حين يذهب إبنهم إلى مدرسة تتبع وكالة غوث اللاجئين "الأونروا" التي تقدم وجبة طعام للتلاميذ فإنه يجد نفسه حريصا على أن يحتفظ في جيبه بقطعة من "الكفتة" يحفظها داخل كيس من أجل تقديمها إلى إبن عمه العزيز كي يسعد مثله بتناولها. تلك المدرسة التي يذهب الصغير إليها وهو يحمل حقيبة مصنوعة من قماش الملابس القديمة، وحين يعود إلى البيت يكون الإلتفاف مع بقية الصغار حول "طشت" الغسيل المقلوب الذي يستخدمونه كمكتب للمذاكرة.
أسرة ككل الأسر الفلسطينية يتعرض البعض فيها للإعتقال، منهم من يرتبط بحركة "فتح"، ومنهم من يجد في "الجبهة الشعبية" وجهته، ومنهم من يجد الملاذ في حركة "حماس" الوليدة في تلك الفترة التي تدور خلالها أحداث الرواية، ومنهم بالطبع من يستشهد. ومنهم من يضطر للعمل في الشركات الإسرائيلية من أجل لقمة العيش.
ومنهم أيضا من يظهر عليه الإنحراف. ففي فترة من عمر أحد أفراد الأسرة تم ضبطه وهو يدخن السجائر، وفي فترة تالية يعاكس إبنة الجارة، وفي فترة لاحقة يسافر للعمل في المناطق التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1948 ويعيش مع فتاة إسرائيلية، وفي فترة تالية يصبح عميلا للإحتلال، ثم مقتولا بيد أخيه.
إنما كل ما يجري عبر الرواية يصب في مصلحة مقاومة الإحتلال. فبطل الرواية أو الراوي يقول لنفسه عقب زيارته للمسجد الأقصى لأول مرة: "أتساءل في نفسي، هل من صلاح الدين لهذه المرحلة".
والخال حين يزوج إبنته وتتحرك كل الأسرة من غزة إلى حفل الزفاف بمدينة "الخليل" بالضفة الغربية حيث يقيم العريس، يكون الخال قد ترك مفتاح البيت تحت الدواسة لرجال من المقاومة كي يستخدمونه إلى حين عودته وأسرته.
ولم يغب عنه قبل هذا المشهد رصد ملامح تبدو صغيرة لكنها تكمل صورة الود عبر الإمكانيات المتواضعة، فالمقاوم عندما يصل إلى بيت صديقه في ليلة سابقة نجده يمنع زوجة صديقه من تنفيذ رغبتها في طهو الطعام لهم مشيرا إلى ضرورة الحرص على ألا يتضح وجود زائر داخل البيت خلال وقت متأخر، فتصمم الزوجة الكريمة على تقديم طعام لا يتطلب تناوله إلى الطهو، وهو الغذاء الفلسطيني المكون من الزيتون مع الخبز. فالتفاصيل الروائية لا تتعالى على رصد مثل هذا المشهد للود الاجتماعي، ولا فرحة الصغار وألعابهم، ولا أشواق الشباب، والحب العذري من بعيد لبعيد عبر مجرد النظرات، وحياء الفتيات، وعدم استخدام النساء لأدوات التجميل، وحكايات الزواج، وهموم الأهل وأحلامهم المتعلقة بأحبال واهية.
فتوثيقه بشكل روائي لملامح المقاومة الشعبية الفلسطينية ضد الاحتلال وتكرار منع التجول، لا يمنعه من توثيق الفرحة الطيبة بالأمور الصغيرة، والحرص على البهجة عبر أبسط الأشياء. بل ومع سياق الأحداث يوثق ألعاب الأطفال ومنها لعبة "عرب ويهود"، التي عادة ما يكون الفوز فيها لفريق العرب، وكأن التعلق بالفوز لفريق العرب قد جعله كأنه لا يهون عليه أن تتوه من الناس بطولات أهل الوطن.
فنجده بسلاسة يوقظ من الذاكرة المنسية أيام المقاومة الشعبية في غزة بعد الاحتلال عام 1967 مباشرة، وهي ليست حكايات منسية، بل ربما غالبيتها هي حكايات غير معروفة أصلا.
وكذلك ما قام به المقاوم "أبو شرار" في الخليل.
وما تضمنته عملية المقاومة في قرية "صوريف" بالخليل. وغيرها من الحكايات المجهولة أو المنسية.
كما يأخذنا إلى بدايات المقاومة في مخيم "جباليا" الذي اعتدنا الإستماع إلى اسمه كثيرا في عمليات المقاومة بعد "طوفان الأقصى"، حيث يذكر السنوار في روايته أنه كان يسمى "مخيم الثورة" بسبب كثرة عمليات المقاومة التي كانت تنطلق منه منذ تلك الفترة البعيدة.
ويوثق بدايات عمليات الطعن، حيث لم يستسلموا أمام مشكلة صعوبة شراء الأسلحة، فكان الطعن بالسكين هو الحل.
ويوثق لخطورة العملاء.
كما يوثق لتغلغل المستوطنين الإسرائيليين في مدينة الخليل وطرد الفلسطينيين من بيوتهم، واقتطاع جزء من المسجد الإبراهيمي لصالح اليهود.
ويوثق لمخططات الصهاينة لهدم المسجد الأقصى وإقامة هيكلهم مكانه.
أيضا يوثق لإنشاء الجامعة الإسلامية في غزة وانتخابات اتحاد الطلاب.
كما يوثق حجارة مخيم "الدهيشة" ضد المستوطنين في طريقهم إلى "الخليل". وغير ذلك من البطولات اليومية التي دفع الفلسطينيون فيها من أرواحهم وحريتهم، فرأينا ضخامة أعداد حالات الإعتقالات من خلال إعتقال العديد من الشخصيات في الرواية وتأثير ذلك على أسرهم. موضحا كيفية الإذلال في زيارات السجون، وأحوال أهل المسجونين ولهفتهم، ثم عندما تطول فترة الإعتقال وما يصحبها من تأثير على الأهل نجده يكتب قائلا: "أصبحت لدينا قدرة على التكيف مع كل مصيبة مهما عظمت، فقط علينا اجتياز ساعاتها وأيامها الأولى، ثم يصبح الأمر عاديا، مثل المصائب السابقة".
ومثلما تضمنت الرواية توثيقا لأشكال من التعذيب داخل السجون الإسرائيلية، فقد تضمنت أيضا حكايات إضرابات المسجونين عن الطعام من أجل تحسين أحوالهم المعيشية، ثم انتزاعهم بالتدريج لكثير من الحقوق. مما أيقظ إيمانهم كما قال أحدهم لرفاقه بأنه "إذا تحقق عزم الرجال واستعدادهم للموت، فإن شيئا لا يمكن أن يقف في وجههم".
واستكمالا لما يتعلق بالسجون نجده يوثق أيضا لاحتفالات الأهل والجيران، بل والمنطقة كلها عند خروج سجين إلى الحرية.
ولقد كبحت دموعي عدة مرات مع كلمات السنوار عن أوجاع أمهات المعتقلين، أو آهات أسر الشهداء، وحتى مع فرح زواج الأبناء حين تنهمر دموع الأم متذكرة الأب الشهيد الذي كانت تتمنى أن يفرح معهم بزواج الأبناء، وتلك الجملة المؤثرة التي اختتم بها المشهد حيث كتب: "كل فرحة تنكأ الجراح من جديد، وتفتح مرة أخرى كل الذكريات".
إلى أن يلحق بطل من الرواية بقافلة الشهداء في خاتمة الرواية عبر مشهد توقف عنده الكثيرون عقب استشهاد السنوار واعتبروا أن السنوار قد تنبأ بأنه سيستشهد.
وعلى الرغم من أن ذلك المشهد الأخير يستحق الاهتمام. إلا أنني أرى أن مشهد البداية هو الجدير أكثر بالتوقف أمامه، لذلك نقلت تفاصيله عبر سطور سابقة عند الإشارة إلى أن الرواية قد بدأت بطفل يؤرقه خلال نومه أن سقف البيت لا يحميهم من الأمطار.
فهو مشهد شبيه بصور أصعب رأيناها مؤخرا في حرب الإبادة لأطفال وصلت الأمطار إلى حيث ينامون داخل الخيمة التي نزحوا إليها في عز برد الشتاء بعد قصف إسرائيل لبيوتهم.
من بين مثل هؤلاء الأطفال سيظهر طفل يلملم ذات يوم ذكرياته التي لم يكن يفهم خلالها لماذا سقف الخيمة لا يحميه من الأمطار والبرد والحر، بل ولماذا هو نائم أصلا مع أسرته في خيمة وليس في بيت، ولا لماذا قصفوا البيت .
طفل لم يكن يفهم لماذا هو جائع، ولا لماذا تبكي أمه عندما يطلب منها أن تطعمه، ولا لماذا مطلوب منه الوقوف في طابور طويل لنقل مياه الشرب إلى أهله، أو التدافع في زحام شديد من أجل الحصول على بعض الطعام.
طفل ربما فقد الأب أو الأم أو الأهل، وبعد مرور سنوات يجمع حكايات فترة الإبادة ويسجلها في رواية، مثلما سجل السنوار مرحلة من النضال الفلسطيني في روايته "الشوك والقرنفل".
طفل عندما يكبر ويفهم ستحرضه الذكريات على مواصلة طريق السنوار، فيكمل ما بدأه في "طوفان الأقصى".
ويصيح بصيحة السنوار الشهيرة: "لن نرفع الراية البيضاء، هل مطلوب منا أمام العالم أن نُقتل، وأن نكون الضحية الطيبة حسنة الأخلاق التي تُقتل دون أن يرتفع لها صوت. هذا غير ممكن".
وكأن هذا الطفل عندما يكبر سيصبح ذلك الرجل الذي يطل من قصيدة "لا تصالح" لـ "أمل دنقل":
يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ
من أَضْلُع المستحيل.
ــ والترجمة الروسية أطلقت عليه "جيفارا المسلم"، ووصفته بأنه "جنرال الأبطال"
ــ الترجمة التركية نَفَذت منذ أول يوم
ــ والترجمة الكردية توالت طبعاتها
ــ تصدرت رواية السنوار أعلى المبيعات في طبعاتها بمختلف الدول العربية
ــ موقع "أمازون" توقف عن بيع الرواية بسبب شكوى إسرائيلية
ــ وجامعات عربية يتقدم طلاب منها برسائل ماجستير حولها.
ــ كان يصنع الكنافة للمسجونين من بقايا الخبز.
ــ ويسير حافيا في سجن عسقلان كي يلمس أرض الأجداد التي تم تهجيرهم منها.
ــ العام الذي صدرت فيه روايته هو العام نفسه الذي تم فيه إجراء جراحة له بسبب خرّاج في المخ.
ــ كاتب إسرائيلي يربط بين السنوار في "الشوك والقرنفل" و"نجيب محفوظ" في "الباقي من الزمن ساعة".
ــ وجه الشبه بين "الحرب والسلام" لـ "تولستوي"، و"الشوك والقرنفل" لـ "السنوار".
ــ من مشهد البداية في رواية يحيى السنوار "المطر ينهمر غزيرا فيغرق تلك البيوت البسيطة في مخيم الشاطئ للاجئين".
ــ "الهوس الأمني" عند السنوار على طريقة "شكسبير" في "هاملت": "أقسو لكي أكون رحيما".
بينما إهتمت العديد من الكتابات بالمشهد الأخير في رواية "الشوك والقرنفل" التي كتبها الشهيد "يحيى السنوار"، ذلك المشهد الذي يستشهد فيه البطل، إلا أن مشهد البداية الذي يتضمن إستيقاظ الراوي في طفولته بسبب دخول مياه الأمطار إلى مكان نومهم، هو من وجهة نظري جدير جدا بالتوقف معه، خاصة مع صعوبة صور أطفال غزة حين تغمر المياه فراشهم بسبب أمطار الشتاء.
إنما قبل التوقف مع ذلك المشهد وإيحاءاته يبدو رصد التفاعل مع الرواية عالميا وعربيا أمر يستحق التسجيل، بما يتضمنه هذا الرصد من الإشارة إلى حالتي أنا كقارئة في تفاعلي مع الرواية وكاتب الرواية بكل مكانته، وأجواء كتابته للرواية.
فرواية "الشوك والقرنفل" للشهيد "يحيى السنوار" تم ترجمتها إلى لغات عديدة، وتصدرت المبيعات.
كأن خيال صاحب "طوفان الأقصى" قد استشرف المستقبل، ورأى طوفان الرأي العام العالمي "من المحيط إلى المحيط" يحتضن فلسطين.
حيث أنه بعد أن أهدى روايته "الشوك والقرنفل" إلى "من تعلقت قلوبهم بأرض الإسراء والمعراج". محددا أن هؤلاء الذين تعلقت قلوبهم بأرض فلسطين وأهداهم الرواية هم "من المحيط إلى الخليج"، أي هم العرب. إذا به يستدرك فلا يقصر الإهداء على الأشقاء من المحيط إلى الخليج، إنما يضيف قائلا: "بل من المحيط إلى المحيط". وكأن خياله قد رأى أحرار العالم اليوم وتعلقهم بفلسطين تنطق به شوارع كل الدنيا "من المحيط إلى المحيط".
وكأن السنوار قد تخيل أن روايته "الشوك والقرنفل" ستجذب القراء للتعرف على ما كتبه قائد "طوفان الأقصى"، خاصة بعد استشهاده، فترك عملا يساهم في توصيل حقيقة المقاومة إلى الرأي العام العالمي، والتعريف بحكاية القضية الفلسطينية، وتصحيح السردية الإسرائيلية التي تصور الفلسطينيين بأنهم يعتدون على إسرائيل، دون إشارة في تلك السردية الإسرائيلية إلى أن الصهاينة هم الذين بدأوا الإعتداء أولا على أرض الفلسطينيين وأرواحهم ووطنهم.
أول هذه الطبعات المترجمة للرواية كانت إلى اللغة الإيطالية في ديسمبر2024 عن دار "لا لوتشي" في "ميلانو". بمقدمة للطبعة كتبها المؤرخ الإيطالي المتخصص في التاريخ الإسلامي "ماركو دي برانكو"، قال فيها أن يحيى السنوار شخصية ملهمة، وأن إبداعه الفكري أمر هام للمهتمين بفهم تاريخ النضال الفلسطيني.
كما وصفه في المقدمة بالثائر الكوبي الشهير "تشي جيفارا"، وأنه يتشابه معه في أن شخصيته مؤثرة في الوجدان الإنساني المقاوم.
ولم يكتف المؤرخ "ماركو دي برانكو" بكتابة مقدمة رواية يحيى السنوار بل دعا إلى تقديمها في جامعة "لا سابينزا" الإيطالية مما أثار ضجة كبرى من اليهود في إيطاليا.
كذلك دار جدل كبير حول الرواية عند ظهور ناشرها الإيطالي "دافيدي بيكاردو" ضيفا على برنامج إذاعي شهير في إيطاليا هو "لا زنزارا"، فعندما قام الإعلامي "ديفيد بارينزو" بتوجيه اتهام للناشر بأنه "يروج للإرهاب"، إذا بالناشر يرد بأن "السنوار" لا يقل تأثيره عن "جيفارا"، وانطلق في رده على المذيع مما ذكره المؤرخ "دي برانكو" حول أن رواية "السنوار" تعتبر وثيقة تاريخية أساسية من شأنها أن تفيد المؤرخين في المستقبل لكتابة التاريخ الفلسطيني.
أما باللغة الإنجليزية فقد صدرت ترجمتها في نسخة إلكترونية من شركة "تاسك"، وبعدها صارت متاحة بالطلب ورقيا.
صدرت أيضا طبعة مترجمة للرواية إلى الروسية، وترتب عليها ضجيجا كبيرا، حيث خرجت الترجمة الروسية بغلاف يتصدره علم فلسطين مرفرفا في يد أحد المقاومين وسط نيران ودخان وأعداد أخرى من المقاومين.
ولم تكتف دار النشر بهذا الغلاف الموحي، بل تم تغيير عنوان الرواية ليصبح العنوان هو: "كيف نهزم إسرائيل: أشواك وورود الشرق الأوسط".
وإذا بصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية تنشر تقريرا مطولا عن الرواية الروسية التي صدرت عن دار "رودينا الروسية للنشر".
وقد تصدرت كلمات التقرير الإشارة إلى أن المقدمة الروسية للرواية قد وصفت السنوار بأنه "تشي جيفارا المسلم"، وأنه "أحد أبرز القادة العسكريين العرب في القرن الـ21″، باعتباره قد هندس عملية "طوفان الأقصى" وقاد جهود الدفاع عن غزة بين عامي 2023 و2024. وأن المقدمة قد وصفته أيضا بأنه "جنرال الأحرار". ثم توالت بعد ذلك تقارير في صحف إسرائيلية أخرى غاضبة من غلاف ومن عنوان ومن مقدمة الطبعة الروسية لرواية السنوار.
ثم وصل الأمر إلى قيام منظمة “بتزالمو (NGO) الإسرائيلية بالتقدم بشكوى إلى أمازون تتضمن الزعم بأن رواية "الشوك والقرنفل" قد زرعت بذور عملية "طوفان الأقصى" التي شنتها حماس ضد إسرائيل في السابع من أكتوبر 1923. وتوقف موقع "أمازون" عن بيع الرواية في إبريل 2024. بعد أن كانت الرواية متاحا شراؤها عبر الموقع منذ ديسمبر 1923.
لكن ظلت الرواية تحقق أعلى المبيعات في المكتبات والمعارض، مع صدورها مترجمة بلغات أخرى.
فبمجرد ترجمتها إلى "التركية" نفدت طبعتها منذ اليوم الأول، وتقرر إصدار طبعة جديدة في اليوم التالي.
كما تم ترجمتها إلى اللغة "الكردية"، فكانت الأعلى مبيعا في معرض "السليمانية" الدولي للكتاب في إقليم كردستان العراق، وكذلك الأعلى مبيعا في الموصل.
وإذا كانت الرواية المترجمة قد حققت أعلى المبيعات فقد كان هذا أيضا هو حال مبيعات الرواية باللغة العربية.
فقد حققت الرواية الأعلى مبيعا في معرض إدلب للكتاب بسوريا في سبتمبر 2024.
وأيضا حققت الرواية الأعلى مبيعا في معرض الأردن للكتاب في أكتوبر2024 .
والأعلى مبيعا في معرض الكويت للكتاب.
في معرض الجزائر للكتاب في نوفمبر 2024 لم تكن فقط الأعلى مبيعا، بل لقد نفذت الرواية.
ومن ناحية أخرى شهدت الجزائر إحتفاء بالرواية من الناحية الأكاديمية، حيث قامت الطالبة "وئام بوعكوش" بالتقدم للحصول على الماجستير في اللغة والأدب العربي برسالة حملت عنوان "الأنساق الثقافية في رواية الشوك والقرنفل ليحيى السنوار".
كما تم التقدم للحصول على درجة الماجستير برسالة أخرى حملت عنوان "ملامح الشخصية في رواية الشوك والقرنفل ليحيى السنوار"، وذلك في قسم اللغة والأدب العربي بكلية الآداب واللغات.
وأيضا تقدمت الطالبة "كرير سرين"، و"بودمر إيمان" برسالة حملت عنوان "الصراع في رواية الشوك ووالقرنفل: دراسة سسيولوجية".
وبعد الجزائر وجدنا طلبة في اليمن يقومون بترجمة الرواية إلى اللغة الإنجليزية والتقدم بالترجمة كمشروع للتخرج في كلية العلوم الإنسانية بجامعة "الناصر".
رواية السنوار وكتبه
في صحافة إسرائيل
في صحافة إسرائيل
وإذا كان جزء من الإنشغال بالرواية عربيا قد تجلى بشكل أكاديمي في الجامعات، فإن الإنشغال برواية السنوار في إسرائيل قد ظهر واضحا في صحفهم التي أضافت إلى عرض الرواية والتعليق عليها تقديم قائمة بكل ما أصدره السنوار من كتب خلال فترة سجنه، بل وتوضيح لما قرأه من كتب وهو خلف القضبان.
ومن أهم هذه الكتابات الإسرائيلية مقال على موقع صحيفة "معاريف" للكاتب الإسرائيلي "جاكي خوجي" المختص بالشئون العربية في إذاعة الجيش الإسرائيلي.
وفيه بعد أن وصف السنوار بأنه: العدو اللدود لإسرائيل، نجده يتحدث حول أن السنوار يجيد الترجمة، وأنه كاتب غزير الإنتاج.
حيث أوضح أن السنوار قد كتب خمسة كتب خلال الأعوام الـ 23 التي قضاها في سجون إسرائيل.
ثم ذكر بالتفصيل كيف أن كتابين من تلك الكتب قد قام السنوار بترجمتهما إلى العربية من اللغة العبرية التي تعلمها داخل السجن.
الكتاب الأول بعنوان "القادم لقتلك استبق واقتله "، لرئيس الشاباك السابق "يعقوب بيري".
والكتاب الثاني لخليفته "كرمي جيلون" بعنوان "الشاباك بين الانقسامات".
واضح مما ذكره الكاتب الإسرائيلي أن السنوار قد حرص على ألا تكون الـ 23 عاما التي قضاها في السجن سنواتا ضائعة من العمر، فقد تعلم لغة العدو، ثم لم يكتف بالقراءة بلغتهم، إنما قام بترجمة بعضا مما قرأ لكي يعرف غيره من الفلسطينيين أمورا هامة تتعلق بالعدو.
ونلاحظ أن عناوين تلك الكتب تشير إلى اهتمامه بالتعرف على نقاط ضعف العدو وأجهزته الأمنية بحيث تكون مواجهته بعد ذلك منطلقة من فهم شخصيته، وهو ما يتم التعبير عنه بـ "إعرف عدوك".
نعود إلى مقال الكاتب الإسرائيلي فنعرف أن السنوار مثلما كتب وهو في داخل السجن كتابين عن العدو، فقد كتب في مقابلهم كتابين حول السنوات الأولى لـ "حماس".
أما آخر أعماله التي كتبها في السجن فهو رواية "الشوك والقرنفل"، التي استغرق في كتابتها وهو داخل السجن مدة طويلة هي 15 عاما. حيث أتم كتابتها عام 2004.
وبوصول الكاتب الإسرائيلي "جاكي خوجي" إلى رواية الشوك والقرنفل في مقاله الطويل نجده يتحدث بالتفصيل عن كل شخصية في الرواية وعن مختلف الأحداث فيها وربطها بوقائع حقيقية.
ويستوقفني رأي لهذا الكاتب الإسرائيلي يتضمن أن السنوار قد استوحى إطار "الشوك والقرنفل" من الكاتب الكبير نجيب محفوظ، في روايته "الباقي من الزمن ساعة" باعتبار أن نجيب محفوظ قد قدم فيها قصة عائلة في القاهرة منذ ثلاثينيات القرن الماضي حتى بداية عملية السلام مع إسرائيل. وأن البيت في كل من الروايتين يمثل نموذجاً للمجتمع، وأن كل فرد من أفراد الأسرة يمثل حركة سياسية أو جماعة اجتماعية.
ماذا قرأ السجين السنوار
وإذا كان الكاتب الإسرائيلي "جاكي خوجي" قد رصد ما كتبه السنوار داخل سجنه وحلل بالتفصيل الأحداث وشخصيات روايته "الشوك والقرنفل"، فإن الكاتب نفسه عبر مقال آخر له قد اهتم بما قرأه ودرسه السنوار خلف القضبان، فسجل بالتفصيل موضوعات دورات دراسية حصل عليها السنوار داخل السجن في فترة كانت خلالها سلطات السجون الإسرائيلية تسمح للسجناء بالتعلم عن بعد.
فنعرف من هذا المقال أن السنوار الذي يجيد اللغة العربية التي تخصص في دراستها بالجامعة الإسلامية في غزة، والذي أجاد اللغة العبرية، قد اهتم أيضا بتطوير علاقته باللغة الإنجليزية فحصل على دورة في اللغة الإنجليزية.
من جانب آخر نتعرف عبر المقال على قراءات السنوار داخل السجن من خلال إلتحاقه بـ 15 دورة في قسمي العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية.
ومن أهم هذه الموضوعات التي درسها:
ــ دورة في التاريخ عن تاريخ القدس، من بداياتها في العصر التوراتي ـ على حد تعبير الكاتب الإسرائيلي ـ مرورا بمكانتها في زمن الحشمونيين، تحت حكم روما وبيزنطة، الدولة العباسية، العثمانيين، وصولا إلى فترة الانتداب البريطاني.
ــ دورة في قسم التاريخ عن فترة "المشناة" و"التلمود"، وعن "التوراة" الشفوية.
ــ دورة تمهيدية في تاريخ اليهود، تشمل تاريخ اليهود في فترة الإمبراطورية الفارسية واليونانية، اضطهادات أنطيوخوس، روما، وتأسيس سلالة الحشمونيين.
ــ دورة تاريخية عن المحرقة تتضمن خلفيات صعود النازيين، وأحوال يهود أوروبا قبل الحرب العالمية، وخطة الإبادة وكيف تم تنفيذها.
ــ دورة حول تاريخ الحركة الصهيونية من 1881-1914.
ــ دورة عن الحكومة والسياسة في إسرائيل.
ــ دورة حول تاريخ الشرق الأوسط.
ما يبهرني في المعلومات التي نقلها الكاتب الإسرائيلي حول دراسات أو قراءات السنوار في السجن هو ليس فقط عدد الدورات، إنما موضوعاتها التي توضح حرصه على تطوير معلوماته التي من الممكن أن تساعده في الإعداد لأمر يخطط له.
ماذا كان يفعل السجين السنوار
وإذا كنا قد عرفنا ما كتبه السنوار وما كان يقرأه داخل السجن عن طريق الإسرائيليين، فإننا نستطيع أن نتعرف على بقية ما كان يفعله داخل السجن على لسان سجناء تصادف أن رافقوه خلف القضبان، حيث أدلى بعضهم بشهاداتهم عبر حوارات على موقع يوتيوب، وهي شهادات تقرب لنا الأجواء التي كان يختطف فيها السنوار الوقت كي يكتب فصول روايته "الشوك والقرنفل" على مدى 15 عاما.
ففي "بودكاست" "تقارب" لـ "أحمد البيقاوي" نعرف من "شادي الشرفا" الخبير في الشئون الإسرائيلية والقائد في الجبهة الشعبية الذي خرج من السجن بعد20 عاما كيف تمكن السنوار من تنظيم حماس داخل السجون وضبط علاقة مسجوني حماس مع القرارت التي تصدر من التنظيم خارج السجن، وكيف أن ما يطلقون عليه "الهوس الأمني" عنده كان مستمرا معه داخل السجن، فالمعروف أن سبب دخوله السجن هو قيامه بقتل فلسطينيين عملاء للإحتلال، وأنه قد أسس في حماس جهاز "مجد" الأمني.
يستوقفني تعبير "الهوس الأمني" عند السنوار الذي كرره "شادي الشرفا" مثل الكثيرين فيطل من ذاكرتي تعبير "شكسبير" في "هاملت"، "أقسو لكي أكون رحيما"، فلقد كان ما يطلقونه عليه من الهوس الأمني والتخلص من العملاء الذين يقومون بتوصيل تحركات المقاومة للعدو سببا في نجاح المقاومة في "طوفان الأقصى" يوم السابع من أكتوبر، حيث تفاجأ العدو تماما بما جرى، وقد كان التخلص من العملاء عاملا هاما في عدم تسريب الخطة أو موعدها إلى العدو.
كنافة يصنعها السنوار
وأعود إلى شهادة "شادي الشرفا"، وبالطبع هو لا يشترك تنظيميا مع السنوار في حماس، مما يزيد من أهمية كلماته التالية حيث نسمع على لسانه قوله أن السنوار هو أكثر إنسان قد رآه في حياته "منتجا"، وأنه كانت عنده المبادرة دائما، ولديه قدرة على اتحاذ القرار، وكذلك على تنفيذ القرار الذي اتخذه، كما ذكر عنه أنه لم يكن يحاول الحصول على مكاسب خاصة، لدرجة انه من الممكن القول أنه كان زاهدا، فهو يتمتع بطهارة اليد، ولا يبحث عن مكاسب شخصية.
واستمرارا في التعرف على الأجواء التي كتب فيها السنوار روايته "الشوك والقرنفل" نعرف من "شادي الشرفا" أن السنوار كان منتظما جدا في المواعيد فيكون في أول طابور الركض صباحا، ثم يمارس تمارين رياضية مع مجموعة من المسجونين. وأنه كانت لديه القدرة على الإستماع للآخرين، ليس مجرد مستمع، إنما يصغي، ويناقش، ومن الممكن أن يتراجع من أجل أن يستجيب لرأي مفيد ذكره الطرف الآخر.
وأنه كان يتنقل بكفاءة مابين العمل السياسي والإجتماعي وينجز في العديد من الأمور التي لا صلة بينها، فينتقل من تصحيح اللغة العربية للأسرى الذين يكتبون أعمالا أدبية في السجن، إلى كتابة دفتر يتضمن طبخات السجن، من حيث المكونات وخطوات الإعداد. بل إنه كان يجمع بقايا الخبز من المساجين ويبشرها لتصبح رفيعة فيعمل منها كنافة لكل المساجين وعددهم 54 سجينا.
وقد كان الموقد المسموح به في السجن هو مجرد سخان صغير يطلقون عليه "البلاطة" لا يكفي إلا لعمل قطعة كنافة واحدة في "طاسة"، مع ذلك كان يقوم بتسوية كل قطعة منفردة، مما يترتب عليه أن يستغرق هذا منه وقتا ومجهودا، مع ذلك كان يقوم بهذا العمل بحب وإتقان.
وعلى الرغم من جمال هذا الوصف للمجهود الذي يقوم به السنوار من أجل تجهيز الكنافة للمساجين، فإن ما وراء إستمتاعه بهذا الجهد يتضح أكثر عبر حديث الكاتب الموريتاني "د إبراهيم الدويري" مع "خير الدين الجابري" في "جسر بودكاست" حول كتابه الذي يعده عن يحيى السنوار، حيث تحدث حول أن السنوار كان يقوم بإعداد الكنافة للمساجين كجزء من عبادة "الإطعام، وأن العبادات التي كان يحرص السنوار عليها في السجن كانت متعددة. لذلك فإن يومه كان يبدأ قبل الفجر بساعتين أو بثلاث ساعات يقضيها في صلاة قيام الليل، وصولا إلى صلاة الفجر وقراءة الأوراد، وعندما تشرق الشمس يصلي صلاة الإشراق.
ولقد أطلق السجناء على الزنزانة التي كان السنوار يقيم فيها "غرفة مكة" من كثرة التعبد وكثرة الذكر والإستغفار.
كما كان يحرص على الصدقة حيث يضع في الخزانة أموالا لمن هو محتاجا.
ويحرص أيضا على عبادة "جبر الخواطر"، فكان يستمع ويقدم النصائح، خاصة أنه كان يقدم محاضرات تثقيفية عن القضية الفلسطينية، كما كان يقوم بتدريس كل من اللغة العربية والعبرية للسجناء، باعتبار أن العربية هي تخصصه الجامعي، وأن العبرية قد تعلمها مع بدايات سجنه.
ويعتبر "د إبراهيم الدويري" أن اتساع رقعة تعامل السنوار مع المسجونين قد أتاح له أن يعرف فلسطين أكثر، حيث قابل في السجن معتقلين من مختلف أنحاء الوطن.
ووسط هذه الإهتمامات العديدة خلف القضبان كان السنوار يكتب روايته "الشوك والقرنفل".
إختباء العاشق وتردد المريد
ولقد استغرق مني تقصي تلك الأجواء التي كان يكتب فيها السنوار روايته داخل السجن مساحة كبيرة.
ربما أردت منها أن يستحضر القارئ أن كاتبها لم يكن في ظروف عادية.
وربما أردت منها أن أعطل نفسي عن قراءة الرواية التي لم أبدا في قراءتها بعد.
فقد اختبأت طويلا من قراءة رواية "الشوك والقرنفل" للقائد "يحيى السنوار".
إختباء العاشق حين يستصغر ما يجهزه للحبيب من إحتفال.
وتردد المريد حين يحتار تجاه ما يستحقه الشيخ من إحتفاء.
وتذبذب المهاجر تجاه ما يستطيع أن يوفره للغريب من اصطفاء.
إختبأت طويلا.
وكلما قرأت حول الرواية وملامح للإنشغال بها من العدو والصديق، كلما ازدادت مشاعري المتناقضة.
لهفة، وتردد.
إختباء، مع رغبة في الإرتواء.
إختبأت هيبة من لقاء كلمات تمت كتابتها خلف جدران سجن إسرائيلي بقلم أسير فلسطيني محكوم عليه بأربعة مؤبدات، وأن يحيى السنوار صاحب هذا القلم قد خرج من السجن بفضل الله، بعد أن قام شقيقه الأصغر "محمد" مع فلسطينيين آخرين بالتخطيط وتنفيذ أسر جندي إسرائيلي صار شهيرا هو "شاليط"، وفي مقابل أن تسترده إسرائيل خرج حوالي الألف أسير فلسطيني من سجون الاحتلال، وكان من بينهم يحيى السنوار الذي صار بعد ذلك قائدا مغوارا مع "محمد الضيف" في طوفان الأقصى، ثم ما حدث بعد ذلك صار معروفا للعالم كله.
شعرت بهيبة على طريقة الكاتب الكبير "أحمد بهجت" في كتابه الرائع "بحار الحب عند الصوفية"، عندما ذكر بإجلال رد "أحمد بن حنبل" على الذين كانوا يواسونه ويحاولون تهوين قسوة السجن عليه خلال فترة سجنه قائلا: "أنا جنتي في صدري". بما يعني أن شعوره هو أنه ليس سجينا، بل هو في الجنة، لأن جنته في صدره.
وعلى طريق "إبن حنبل" ذكر الكاتب اللبناني "نبيه عواضة" الذي كان مسجونا مع السنوار في سجن "عسقلان" أن السنوار كان يحب أن يكرر أنه إذا كانت "خان يونس" هي مسقط رأسه، إلا أن "عسقلان" هي مسقط رأس عائلته التي أضطروا للنزوح منها إلى غزة عام 1948، في إشارة منه إلى ما يثيره وجوده في سجن "عسقلان" من مشاعر الوجود في المدينة التي تم إرغام أهله على النزوح منها. وربما كان السنوار مشغولا بعسقلان من جانب آخر إنطلاقا من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكر أن "أفضل رباطكم عسقلان".
وقد بلغ تعلق السنوار بعسقلان إلى درجة السير حافي القدمين، وهو ما ذكره "نبيل عواضة" زميله في سجن عسقلان، مشيرا إلى ان السنوار كان يلعب تنس الطاولة في السجن حافي القدمين، ويأتي تفسير السنوار لمشيته بلا حذاء بأنها تمثل رغبته في أن تلامس قدماه أرض عسقلان قائلا: "أنا لست في السجن، أنا على أرضي. أنا حر هنا، في بلدي".
ولأن حكاية مشهد الحفاء قد وقع خلال ممارسته للرياضة، فمن المهم الإشارة إلى أن السنوار لم يكتف بالقراءة والتعلم وكتابة الكتب داخل السجن، إنما كان حريصا في الوقت ذاته على ممارسة الرياضة، فهو سجين نعم، إنما مثل "أحمد بن حنبل" أن جنة الإنسان في صدره، يجدد حياته وقدراته حتى وهو خلف القضبان.
السنوار محب للرياضة وكان لفترة أمينا للجنة الرياضية في الكلية، كما كان محبا للأدب والفنون والمسرح فكان في فترة أخرى أمينا للجنة الفنية بالكلية واشترك مع "محمد الضيف" في تقديم أعمالا مسرحية، فهما من الشخصيات التي يضيف حب الأدب والفن إليهما تنشيط الخيال الذي كان عاملا مهما على طريق الوصول إلى "طوفان الأقصى".
نعود إلى الكاتب الكبير "أحمد بهجت" فنجده قبل أن يذكر بقية المواقف المتعلقة بقوة الإيمان التي اختارها من التاريخ الإسلامي يعلق بطرب على كلمات "أحمد بن حنبل"، وكأنه يطل على المشهد من بعيد قائلا: "ترتفع أمواج البحر، رغم اننا لم نزل على الشاطئ"، ثم يضيف بطريقة من يتحدث مع نفسه: "صعب. الدخول على القوم صعب".
وأنا اليوم مثل "أحمد بهجت" أنظر إلى ما كتبه يحيى السنوار الزاهد المقاوم من أجل نصرة الحق على طريقة المجاهدين المسلمين القدامى وأقول لنفسي وكأنني أنظر إلى الأمواج العالية: صعب. الدخول على القوم صعب.
على باب الشوك والقرنفل
ومع صعوبة دخولي إلى الصفحات المزهوة بقلم "السنوار". طال وقوفي على الباب، باب الرواية أو غلافها. أخذت أطل عليه طويلا.
أنظر إلى الغلاف الأصلي للرواية عند صدورها عام 2004 ، وهو العام نفسه الذي كان يشكو فيه السنوار من فقدان التوازن ومن آلام في الرقبة، وتمكن الطبيب الإسرائيلي "يوفال بيتون" من تشخيص السجين 7333335، وهو رقم السنوار في السجن، على طريقة رقم السجين "جان فالجان" وهو 5024901 الشهير في رواية "البؤساء" لـ "فيكتور هوجو". وقد روى الطبيب عبر "نيويورك تايمز" أن تشخيصه لحالته قد أعقبه إجراء جراحة عاجلة له، تم خلالها استئصال "خرّاج" في المخ.
ولقد كتب الله له الحياة بالتخلص من "الخرّاج"، كما كتب الله لروايته الخروج إلى النور عقب أن تم تهريبها من السجن بينما السنوار كان مايزال أسيرا، فحرص ناشرها على أن يسبق إسم السنوار صفته في ذلك الوقت وهي أنه "أسير".
الغلاف الذي أحسن مصممه إختيار صورة كبيرة للمؤلف يحيى السنوار لتتصدر الغلاف وهو يرتدي لون الصفاء الأبيض، ومن خلفه سماء ليست صافية، لا ينظر إليها، إنما ينظر إلى بعيد، بعينين تختطفان من ينظر إلى الغلاف بنظراتهما التي تبدو كأنهما تتطلعان بشغف نحو المستقبل.
وحاجبين بتقطيبة إصرار مخلوط بالأسى.
وشفتين تستعير غموض ابتسامة لوحة "الجيوكندا" لـ "ليوناردو دافنشي" حيث ليس من السهل تحديد ما إذا كانت شروعا في الوصول إلى بسمة، أم هي محاولة حزينة للإبتسام.
لكن زهرة القرنفل بلونها الأحمر وهي تستقبل من يطل على الغلاف تكفي لترجيح أن بسمة السنوار تعبر عن شروع في الوصول إلى بهجة.
أحببت هذا الغلاف الأصلي المختلف عن غلاف طبعات عربية وأجنبية عديدة بعد ذلك.
وبعد أن عشت مع تصميم الغلاف، إستمر وقوفي على باب الغلاف، وترددي في الدخول إلى الصفحات، فأطلت التأمل في العنوان.
إنه كلمتان.
الأولى لها ملمس مؤلم هي "الشوك".
والثانية توحي باسترجاع جمال الرائحة: "القرنفل".
بكل ما يبعث به جمال عبير الزهور من رغبة في استعادة البهجة التي يحققها، وبكل ما يتسبب فيه الجمع بين قسوة الشوك، وجمال القرنفل من تضاد.
وبكل ما يتداخل فيه منطوق "الشوك" مع منطوق "الشوق".
تخيلت أن السنوار ربما كان قد اعتاد أن تقع عيناه على الأسلاك الشائكة التي تحصن سلطات الاحتلال بها أسوار سجونها التي قام بمحاولتين للهرب منها، لكن تم إحباط المحاولتين، وفي كل مرة كان يتم نقله إلى سجن آخر، فتطل عليه الأسلاك الشائكة من جديد عبر الأسوار وعبر سقف الساحة التي يتم إخراج المساجين إليها فيما يسمى "الفورة"، دون أن تتمكن الأسلاك ولا السنوات أن تسمح لعينيه بسرقة ما يحتفظ به وجدانه من جمال مشهد حقول القرنفل في "خان يونس" مسقط رأسه بوسط قطاع غزة الذي اشتهر بزراعة الورود، وخاصة القرنفل، الذي تضيف رائحته العطرة النفاذة المزيد من الإستمتاع بالبهجة التي تتدفق من اللون الجذاب.
خيال على الورق
وفوق الأرض
وفوق الأرض
ثم، لم تعد عندي حجة للبقاء أكثر من هذا على باب الرواية.
حان الوقت لكي أعانق ما كنت منه قد اختبأت، وأن أسبح مع خيال السنوار، فـ "الخيال" هو أحد أهم ما كان يمتلكه السنوار، ذلك الخيال الذي قام بعمل مزيج منه مع الحقيقة فكتب على الورق من وراء القضبان "الشوك والقرنفل".
وهو "الخيال" أيضا الذي قام بعمل مزيج منه مع الواقع فتخيل سيناريو "طوفان الأقصى"، لكنه في هذه المرة وبعد خروجه من الزنزانة لم يكتبه على ورق في رواية، إنما شيد ما تخيله فوق أرض الواقع عبر مشاهد حقيقية لم يتخيلها أحد من قبل لأبطال يقتحمون أسوار الاحتلال التي تفصل غزة عن بقية أرض فلسطين المحتلة.
كما حلق بخياله في السماء عبر مشاهد لم يتخيلها أحد من قبل لإنزال جوي عبر طائرات شراعية داخل المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة.
ونفذه تحت الأرض في مجاهل أنفاق تم نقل الأسرى الإسرائيليين إليها لإخفائهم عن أعين العدو بين دهاليزها من أجل استخدامهم كورقة ضغط لإخراج المعتقلين الفلسطينيين الذين عانى من قبل مثلهم في سجون العدو.
وإذا كان زملاء الزنزانة الذين كانوا معه خلف القضبان هم الذين بمشيئة الله كان لهم الفضل في أن يخرج إلى النور خياله الذي صاغه على الورق تحت عنوان "الشوك والقرنفل".
فإن الرجال الأحرار معه داخل الأنفاق تحت قيادة "محمد الضيف" قائد كتائب "القسام" هم الذين بتوفيق من الله سبحانه كان لهم الفضل في أن يخرج إلى النور خياله الذي صاغه تحت عنوان "طوفان الأقصى".
إلى الرواية
وها أنا الآن بعد أن تابعت خياله وهو يتمشى على الأرض منذ اندلاع "طوفان الأقصى"، أتابع خياله المنقول إلى الورق في "الشوك والقرنفل".
وإذا بالشوق والترقب يجعلني ألتهم صفحات الرواية.
فقد اصطفيت الإندماج، أو اصطفاني الإندماج مع ما كتبه السنوار. تلك الكتابة التي تشبه تطريز الحالة الفلسطينية المقاومة بدأب أنامل المرأة الفلسطينية التي تمسك بالإبرة مع الخيوط الملونة، فإذا بعيوننا تعانق رواية مليئة بالتفاصيل والجمال كالثوب الفلسطيني بتفاصيله الغنية، عبر أسرة هي صورة من الوطن، وأفراد أسرة هم انعكاس للتيارات السياسية في الوطن.
كل هذا بأسلوب سلس يأخذ القارئ من صفحة إلى أخرى بانسيابية، مهما انشغل فضول القارئ بربط شخصيات الرواية بأشخاص حقيقيين عرفناهم في الحقيقة.
فصحيح أن السنوار قد ذكر منذ مقدمة الرواية أنها ليست قصته الشخصية ولا قصة شخص بعينه. لكنه في الوقت ذاته قد اعترف أن أحداثها حقيقية تخص هذا الفلسطيني أو ذاك، وأن دور الخيال فيها هو تحويل تلك الاحداث إلى رواية تدور حول أشخاص محددين.
وبالفعل فقد روى زملاء للسنوار في السجن أنه كان مهتما بأن تتضمن روايته حقائق من السردية الفلسطينية وحكايات بطولات وعذابات حقيقية في قالب روائي. وقد صاغ كل هذا ببراعة تجعل القارئ يعرف ما جرى منذ هزيمة العرب في عام 1967، وصولا إلى انتفاضة الأقصى الفلسطينية في عام 2000.
الأمر الذي لمسته خلال قراءة الرواية، وجعلني أدرك أحد أسباب إقبال الكثير من الأجانب الذين تم ترجمة الرواية إلى لغتهم على قراءتها. هو ان الرواية عبر "الحدوتة" ترصد حال مجتمع لم يكن هؤلاء الأجانب يعرفون شيئا عنه.
فنجد عبر الرواية أثر تغيرات الحرب والإحتلال على أبطال الرواية، مثلما أقبل القراء ـ إذا جاز التشبيه ـ على قراءة "الحرب والسلام" لـ "تولستوي" التي تدور أحداثها في روسيا خلال حملات "نابليون بونابرت"، و"ذهب مع الريح" للكاتبة الأمريكية "مارجريت ميتشل" التي تدور أحداثها خلال الحرب الأهلية الأمريكية، و ثلاثية نجيب محفوظ وما تتضمنه مع حدوتة الأجيال من ملامح لثورة مصر عام 1919 وما بعدها. وغيرها من الروايات عبر العالم التي تثري فيها خلفية الواقع السياسي الأعمال الروائية وتحفظ للأجيال سيرة إنعكاس الأحوال السياسية والحروب على حياة الناس.
إلى الرواية
اللافت للنظر أن السنوار قد شيد تلك السيرة عبر صياغة فخمة وسلسة في الوقت ذاته، وعبر ارتباط بالطبيعة تشارك بروحها في الأحداث منذ السطر الأول.
فنجده ينسج مشهد البداية قائلا: " شتاء 1967 كان ثقيلا، يرفض الرحيل، ويزاحم الربيع". بكل ما توحي به مزاحمة الشتاء للربيع من إيحاء بتعثر تفتح زهور الربيع، وما يوحي به هذا من تعثر ما ينتظره الناس من إشراق وتفاؤل.
وللمزيد من توضيح تعثر الإشراق نقرأ هذه الجملة التي أعقبت الجملة الأولى حيث يصف مزاحمة الشتاء للربيع بقوله أن "الربيع يحاول الإطلال بشمسه الدافئة، فيدافعه الشتاء بغيوم تتلبد في السماء".
إنها كلمات تتناسب مع ما حمله عام 1967 بعد ذلك من هزيمة مروعة للعرب على يد إسرائيل.
ويحمل السطر الذي يعقب هذا الوصف ما يجعلنا نعرف المكان الذي تبدأ فيه أحداث الرواية، فنقرأ: "وإذا بالمطر ينهمر غزيرا من السماء فيغرق تلك البيوت البسيطة في (مخيم الشاطئ) للاجئين بمدينة غزة".
ثم يرسم صورة تفصيلية تفسر المقصود بغرق البيوت المتواضعة ويشهد على أوجاع في حياة سكان المخيم.
حيث كتب على لسان الراوي: "مرات عديدة استيقظت ليلا على أيدي أمي تزيحني جانبا وتضع على فراشها إلى جواري تماما "طنجرة" الألمونيوم أو صحن الفخار الكبير لتسقط فيه قطرات الماء التي تتسرب من التشقق في سقف القرميد الذي يغطي تلك الغرفة الصغيرة. طنجرة هنا، وصحن من الفخار هناك، وإناء ثالث في مكان آخر".
ويكمل وصف مشهد يبدو وكأنه قد عانى منه بالفعل هو شخصيا في طفولته، ولا يغيب عن ذاكرته قائلا: "أحاول في كل مرة النوم. فأفلح أحيانا، ثم أستيقظ على صوت قطرات الماء وهي ترتطم بما تجمع من مياه في ذلك الإناء بصورة منتظمة. وعندما يمتلئ الوعاء أو يشارف على الإمتلاء يصبح رذاذ الماء يتراشق عليه مع كل قطرة، فتهب أمي لتضع وعاء جديدا مكان الذي امتلأ وتخرج لتسكبه خارج الغرفة".
وبعد هذا المشهد الداخلي في البيت المتواضع، يخرج بعدسة كلماته إلى مشهد خارجي يحيط بمنطقة البيت، بدأه أيضا مثل مشهد بداية الرواية بالطبيعة التي يدور فيها المشهد الذي بدأه بما يجعلنا نعرف عمر البطل في ذلك الوقت، حيث كتب: "كنت في الخامسة من عمري" وبسرعة انتقل إلى رصد أحوال الطبيعة بإيحاءاتها قائلا: "تحاول شمس الربيع أن تحتل مكانها الطبيعي لتزيل آثار هجوم الشتاء. يأخذني أخي محمد إبن السابعة بيدي ونسير في طرقات المخيم إلى أطرافه حيث يرابط معسكر للجيش المصري".
وعبر هذه اللقطات الأولى عرفنا علاقة جنود الجيش المصري الطيبة بالمخيم وأطفاله عندما كان قطاع غزة تحت الإشراف المصري قبل الاحتلال الإسرائيلي في حرب 1967 ، حيث يعطيهم الجندي كالمعتاد قطع من الحلوى ويتحدث معهم بمودة.
الدنيا حرب
بعد فترة وجد الطفل بطل الرواية أن الأب والأهل يقومون بحفر خندق من حول البيت.
ثم نرى الصغير غير مستوعب لما يجري من حوله، ولا للسبب الذي جعل الجندي المصري بعد ان كان يرحب بالصغار، إذا به يأمرهم بالابتعاد عن الخطر.
ثم إذا بالأسرة تترك النوم في البيت ويلجأون للخندق الذي حفروه، مع صوت الأم تصيح محذرة الطفل وأخوته عند محاولتهم مغادرة الحفرة: "يا اولاد الدنيا حرب".
ولم يكن الطفل يدرك في تلك اللحظة معنى الحرب، إنما إرتبطت في ذهنه بالضيق وأصوات الإنفجارات، وما أعقب ذلك من تعرفه على أمر جديد إسمه "حظر التجول" الذي تكرر فرضه من قوات الاحتلال، فلا يخرجون من بيوتهم. وصولا إلى تجربة إنكسار فرحته وفرحة الأسرة بعودة أخوه من مصر وقد حصل على بكالوريوس كلية الهندسة، وإذا بقوات الامن تقتحم بيتهم ولا يعرفون سبب إعتقالهم له، حيث ظل في اختفاء قسري لا يتمكنون من معرفة مكانه، إلى أن تم تحويله للمحاكمة بتهمة الإنضمام لحركة "فتح"، وعرف الراوي الصغير وجع زيارة المعتقلين من خلف الأسلاك بلا أحضان ولا قبلات وآهات أمه وغيرها من الأمهات.
ويتوالى انعكاس كل الوقائع السياسية على أحوال الأسرة.
كبار السن مثلي سيجدون أن السنوار قد أيقظ من وجدانهم أحداثا ووقائعا تجعل ذاكرتهم تلهث بسبب انتباههم إلى أننا جيل قد عاش تحولات هائلة، فهو يأخذنا من الهزيمة في حرب 1967 إلى الفرحة بحرب 6 أكتوبر عام 1973، وارتفاع صيحات فرحة الناس في شوارع فلسطين المحتلة وهم يعرفون أخبار العبور عبر المذياع و"صوت العرب" من القاهرة. إلى أن أعلنت القوات الإسرائيلية حظر التجول على الفلسطينيين فدخلوا تلك الليلة بيوتهم وهم يحلمون بوصول جيوش العرب وأنها ستكون آخر ليلة يمنعهم فيها العدو من التجول.
والشعور بالفخر والعزة لهزيمة إسرائيل على الرغم من أن احتلالها لفلسطين ظل مستمرا.
إلى أن كانت صدمة معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل. واتفاقية أوسلو، ومرورا بالحرب الأهلية في لبنان، وانتفاضة الحجارة، ووصولا إلى الإنتفاضة الثانية أو انتفاضة الأقصى.
وبين هذه المحطات الكبرى أعاد معركة "الكرامة" إلى الذاكرة، وقبل الوصول إلى صدام الأردن مع الفلسطينيين المقاومين على أرضها إعترف على لسان أحد الشخصيات أن بعض الفدائيين كانوا يتصرفون بدون مراعاة مشاعر الناس هناك. ثم بعد أحداث "أيلول" الدامية في الأردن يرصد انتقال المقاومة إلى لبنان.
كما سجل انتقال قوات التحرير الشعبية في غزة إلى حركة "فتح"، وأنصف دورها في المقاومة في تلك الفترة كما تحدث عن الدور الهام للجبهة الشعبية.
واهتم بالشيخ أحمد، ومن الواضح أنه الشيخ "أحمد ياسين"، ومن خلاله وآخرين رصد ملامح من بدايات التيار الإسلامي.
ووثق للعديد من العمليات خلال الإنتفاضة الأولى والثانية، وطرق إعداد المتفجرات والقذائف بالوسائل البسيطة المتاحة.
مع ملاحظة أن المعلومات كلها تظهر بانسيابية عبر الحدوتة الجذابة، وعبر المشاهد المكتوبة بطريقة سينمائية ، في سيناريو وحوار من السهل أن يجذب جيل الشباب الذي لم يشهد تلك الأحداث، وأن يجذب كذلك الأجانب بما تتضمنه من حصيلة هائلة لمراحل تاريخية هامة.
فهي رواية معرفية تتمتع بأسلوب جميل في صياغة المعلومات التاريخية المتعلقة بما جرى في فلسطين، دون أن يستغرق في المعلومات، ودون أن تطغى المعلومات على سير الأحداث، بل هي تنساب بتلقائية.
في صحبة البسطاء
إنما بشكل عام فإن قارئ "الشوك والقرنفل" للسنوار لن يجد نفسه مثل قارئ رائعة "الحرب والسلام" لتولستوي في صحبة أثرياء، خلفيتهم وقائع حملات نابليون بونابرت في روسيا، بل سيجد نفسه يتابع زخم الأحداث عبر رواية "يحيى السنوار" في صحبة أسرة فلسطينية متواضعة بمخيمات غزة للاجئين.
أسرة حين زارهم أحد الضيوف حاملا معه كيس من التفاح، فإذا بهذه الفاكهة تتطلب من الراوي أن يتذكر أن تلك كانت المرة الثالثة في حياته التي يأكل فيها التفاح.
أسرة حين يذهب إبنهم إلى مدرسة تتبع وكالة غوث اللاجئين "الأونروا" التي تقدم وجبة طعام للتلاميذ فإنه يجد نفسه حريصا على أن يحتفظ في جيبه بقطعة من "الكفتة" يحفظها داخل كيس من أجل تقديمها إلى إبن عمه العزيز كي يسعد مثله بتناولها. تلك المدرسة التي يذهب الصغير إليها وهو يحمل حقيبة مصنوعة من قماش الملابس القديمة، وحين يعود إلى البيت يكون الإلتفاف مع بقية الصغار حول "طشت" الغسيل المقلوب الذي يستخدمونه كمكتب للمذاكرة.
أسرة ككل الأسر الفلسطينية يتعرض البعض فيها للإعتقال، منهم من يرتبط بحركة "فتح"، ومنهم من يجد في "الجبهة الشعبية" وجهته، ومنهم من يجد الملاذ في حركة "حماس" الوليدة في تلك الفترة التي تدور خلالها أحداث الرواية، ومنهم بالطبع من يستشهد. ومنهم من يضطر للعمل في الشركات الإسرائيلية من أجل لقمة العيش.
ومنهم أيضا من يظهر عليه الإنحراف. ففي فترة من عمر أحد أفراد الأسرة تم ضبطه وهو يدخن السجائر، وفي فترة تالية يعاكس إبنة الجارة، وفي فترة لاحقة يسافر للعمل في المناطق التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1948 ويعيش مع فتاة إسرائيلية، وفي فترة تالية يصبح عميلا للإحتلال، ثم مقتولا بيد أخيه.
إنما كل ما يجري عبر الرواية يصب في مصلحة مقاومة الإحتلال. فبطل الرواية أو الراوي يقول لنفسه عقب زيارته للمسجد الأقصى لأول مرة: "أتساءل في نفسي، هل من صلاح الدين لهذه المرحلة".
والخال حين يزوج إبنته وتتحرك كل الأسرة من غزة إلى حفل الزفاف بمدينة "الخليل" بالضفة الغربية حيث يقيم العريس، يكون الخال قد ترك مفتاح البيت تحت الدواسة لرجال من المقاومة كي يستخدمونه إلى حين عودته وأسرته.
ولم يغب عنه قبل هذا المشهد رصد ملامح تبدو صغيرة لكنها تكمل صورة الود عبر الإمكانيات المتواضعة، فالمقاوم عندما يصل إلى بيت صديقه في ليلة سابقة نجده يمنع زوجة صديقه من تنفيذ رغبتها في طهو الطعام لهم مشيرا إلى ضرورة الحرص على ألا يتضح وجود زائر داخل البيت خلال وقت متأخر، فتصمم الزوجة الكريمة على تقديم طعام لا يتطلب تناوله إلى الطهو، وهو الغذاء الفلسطيني المكون من الزيتون مع الخبز. فالتفاصيل الروائية لا تتعالى على رصد مثل هذا المشهد للود الاجتماعي، ولا فرحة الصغار وألعابهم، ولا أشواق الشباب، والحب العذري من بعيد لبعيد عبر مجرد النظرات، وحياء الفتيات، وعدم استخدام النساء لأدوات التجميل، وحكايات الزواج، وهموم الأهل وأحلامهم المتعلقة بأحبال واهية.
فتوثيقه بشكل روائي لملامح المقاومة الشعبية الفلسطينية ضد الاحتلال وتكرار منع التجول، لا يمنعه من توثيق الفرحة الطيبة بالأمور الصغيرة، والحرص على البهجة عبر أبسط الأشياء. بل ومع سياق الأحداث يوثق ألعاب الأطفال ومنها لعبة "عرب ويهود"، التي عادة ما يكون الفوز فيها لفريق العرب، وكأن التعلق بالفوز لفريق العرب قد جعله كأنه لا يهون عليه أن تتوه من الناس بطولات أهل الوطن.
فنجده بسلاسة يوقظ من الذاكرة المنسية أيام المقاومة الشعبية في غزة بعد الاحتلال عام 1967 مباشرة، وهي ليست حكايات منسية، بل ربما غالبيتها هي حكايات غير معروفة أصلا.
وكذلك ما قام به المقاوم "أبو شرار" في الخليل.
وما تضمنته عملية المقاومة في قرية "صوريف" بالخليل. وغيرها من الحكايات المجهولة أو المنسية.
كما يأخذنا إلى بدايات المقاومة في مخيم "جباليا" الذي اعتدنا الإستماع إلى اسمه كثيرا في عمليات المقاومة بعد "طوفان الأقصى"، حيث يذكر السنوار في روايته أنه كان يسمى "مخيم الثورة" بسبب كثرة عمليات المقاومة التي كانت تنطلق منه منذ تلك الفترة البعيدة.
ويوثق بدايات عمليات الطعن، حيث لم يستسلموا أمام مشكلة صعوبة شراء الأسلحة، فكان الطعن بالسكين هو الحل.
ويوثق لخطورة العملاء.
كما يوثق لتغلغل المستوطنين الإسرائيليين في مدينة الخليل وطرد الفلسطينيين من بيوتهم، واقتطاع جزء من المسجد الإبراهيمي لصالح اليهود.
ويوثق لمخططات الصهاينة لهدم المسجد الأقصى وإقامة هيكلهم مكانه.
أيضا يوثق لإنشاء الجامعة الإسلامية في غزة وانتخابات اتحاد الطلاب.
كما يوثق حجارة مخيم "الدهيشة" ضد المستوطنين في طريقهم إلى "الخليل". وغير ذلك من البطولات اليومية التي دفع الفلسطينيون فيها من أرواحهم وحريتهم، فرأينا ضخامة أعداد حالات الإعتقالات من خلال إعتقال العديد من الشخصيات في الرواية وتأثير ذلك على أسرهم. موضحا كيفية الإذلال في زيارات السجون، وأحوال أهل المسجونين ولهفتهم، ثم عندما تطول فترة الإعتقال وما يصحبها من تأثير على الأهل نجده يكتب قائلا: "أصبحت لدينا قدرة على التكيف مع كل مصيبة مهما عظمت، فقط علينا اجتياز ساعاتها وأيامها الأولى، ثم يصبح الأمر عاديا، مثل المصائب السابقة".
ومثلما تضمنت الرواية توثيقا لأشكال من التعذيب داخل السجون الإسرائيلية، فقد تضمنت أيضا حكايات إضرابات المسجونين عن الطعام من أجل تحسين أحوالهم المعيشية، ثم انتزاعهم بالتدريج لكثير من الحقوق. مما أيقظ إيمانهم كما قال أحدهم لرفاقه بأنه "إذا تحقق عزم الرجال واستعدادهم للموت، فإن شيئا لا يمكن أن يقف في وجههم".
واستكمالا لما يتعلق بالسجون نجده يوثق أيضا لاحتفالات الأهل والجيران، بل والمنطقة كلها عند خروج سجين إلى الحرية.
ولقد كبحت دموعي عدة مرات مع كلمات السنوار عن أوجاع أمهات المعتقلين، أو آهات أسر الشهداء، وحتى مع فرح زواج الأبناء حين تنهمر دموع الأم متذكرة الأب الشهيد الذي كانت تتمنى أن يفرح معهم بزواج الأبناء، وتلك الجملة المؤثرة التي اختتم بها المشهد حيث كتب: "كل فرحة تنكأ الجراح من جديد، وتفتح مرة أخرى كل الذكريات".
إلى أن يلحق بطل من الرواية بقافلة الشهداء في خاتمة الرواية عبر مشهد توقف عنده الكثيرون عقب استشهاد السنوار واعتبروا أن السنوار قد تنبأ بأنه سيستشهد.
مشهد البداية هو الأهم
وعلى الرغم من أن ذلك المشهد الأخير يستحق الاهتمام. إلا أنني أرى أن مشهد البداية هو الجدير أكثر بالتوقف أمامه، لذلك نقلت تفاصيله عبر سطور سابقة عند الإشارة إلى أن الرواية قد بدأت بطفل يؤرقه خلال نومه أن سقف البيت لا يحميهم من الأمطار.
فهو مشهد شبيه بصور أصعب رأيناها مؤخرا في حرب الإبادة لأطفال وصلت الأمطار إلى حيث ينامون داخل الخيمة التي نزحوا إليها في عز برد الشتاء بعد قصف إسرائيل لبيوتهم.
لن نرفع الراية البيضاء
من بين مثل هؤلاء الأطفال سيظهر طفل يلملم ذات يوم ذكرياته التي لم يكن يفهم خلالها لماذا سقف الخيمة لا يحميه من الأمطار والبرد والحر، بل ولماذا هو نائم أصلا مع أسرته في خيمة وليس في بيت، ولا لماذا قصفوا البيت .
طفل لم يكن يفهم لماذا هو جائع، ولا لماذا تبكي أمه عندما يطلب منها أن تطعمه، ولا لماذا مطلوب منه الوقوف في طابور طويل لنقل مياه الشرب إلى أهله، أو التدافع في زحام شديد من أجل الحصول على بعض الطعام.
طفل ربما فقد الأب أو الأم أو الأهل، وبعد مرور سنوات يجمع حكايات فترة الإبادة ويسجلها في رواية، مثلما سجل السنوار مرحلة من النضال الفلسطيني في روايته "الشوك والقرنفل".
طفل عندما يكبر ويفهم ستحرضه الذكريات على مواصلة طريق السنوار، فيكمل ما بدأه في "طوفان الأقصى".
ويصيح بصيحة السنوار الشهيرة: "لن نرفع الراية البيضاء، هل مطلوب منا أمام العالم أن نُقتل، وأن نكون الضحية الطيبة حسنة الأخلاق التي تُقتل دون أن يرتفع لها صوت. هذا غير ممكن".
وكأن هذا الطفل عندما يكبر سيصبح ذلك الرجل الذي يطل من قصيدة "لا تصالح" لـ "أمل دنقل":
يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ
من أَضْلُع المستحيل.