تحت الأضواء البنفسجية للشارع الرئيس، انعكست أشباح المدينة على زجاج السيارة الفيراري السوداء. داخل المقود المُطَعَّم بجلد الظبي، انقبضت أصابع ياسين وانبسطت بإيقاع عصبي. لم يلمح انعكاس وجهه النحيل على الزجاج الداكن، بل رأى أشباحًا أخرى: شبح الفتى ذي الستة عشر ربيعًا وهو يلف التبغ في أوراق الجرائد البالية تحت جسر المترو، شبح يدٍ مرتعشة تلتقط أول كيس "أبيض" من تحت قدمي تاجر مهترئ، شبح النقود الورقية وهي تتراكم في خزانة سرية كأوراق أشجار خريفية ملوّنة.
تلمع ساعة رولكس الذهبية حول معصمه، لكن عقاربها أحالته إلى زمن آخر - إلى تلك الليلة المطيرة قبل عشر سنوات، عندما اختبأ في مستودع مهجور وراء أكياس الملح، يرتجف من برد الشتاء ومن رعب أول عملية تسليم. رائحة الكبريت لا تزال عالقة في أنفه، تختلط الآن برائحة الجلود الفاخرة والعطر الفرنسي.
بين الأبراج الزجاجية التي بناها بمال "السم الأبيض"، شعر فجأة بضيق في صدره. أوقف السيارة جانبًا، فتح الباب وخرج. وقف على حافة الرصيف، تنفس بعمق. استنشق هواء المدينة الحارق المحمل بروائح عوادم السيارات والطعام السريع. من جيبه الداخلي، أخرج محفظة جلدية سميكة. فتحها: بطاقات ائتمان بلاتينية، رخصة قيادة، صورة قديمة بالأسود والأبيض لامرأة شابة، لم يكن متأكدًا إن كانت أمه.
نظر إلى السماء. رأى النجوم خافتة، مطموسة بتلوث عوادم المدينة. تذكر ليالي العشوائيات حين كانت النجوم قريبة كأنه يستطيع لمسها. تذكر كيف اعتاد أن يحصيها وهو جائع؛ لينسى قرقرة بطنه الفارغة.
عاد إلى السيارة، لكن هذه المرة لم يوجهها إلى الفندق الفاخر أو النادي الخاص. بدلاً من ذلك، قادها نحو الشمال، نحو المنطقة التي حاول أن يمحوها من ذاكرته كصفحة سيئة في كتاب قديم. مع كل كيلومتر يقطعه، تراجعت كل مظاهر الحضارة: تحولت الأبراج إلى عمارات شعبية، ثم إلى منازل متواضعة، وأخيراً إلى أكواخ من الصفيح.
غاصت سيارته في عالم الظلال. خفتت أضواء الشوارع تدريجيا ثم انقطعت تماما. الآن، فقط أخذت المصابيح الأمامية تشق الظلام، تكشف عن طريق ترابي محفور بآثار عجلات عربات القمامة. اكتست المنطقة بصمت ثقيل، إلا من طنين بعيد لمولد كهربائي، ونباح كلب ضال.
توقف عند تلال القمامة التي تمتد كجبال مصغّرة. أحس بأن الهواء مختلف: خليط حاد من روائح التعفن، والمواد الكيميائية، واليأس. تحت ضوء القمر الباهت، رأى أشكالاً تتحرك بين الأكوام، بشر يتحركون كالنمل في مملكة النفايات.
وجد "زينب" هناك، منحنية كغصن شجرة جاف. تقوس ظهرها على شكل زاوية حادة مع الأرض. بيدين مغطاتين بقفازات ممزقة، فرزت البلاستيك عن المعدن، وكأنها تقوم بعملية تشريح لبقايا حياة الآخرين.
اقترب ياسين. غاص الحذاء الإيطالي في تربة لينة من المخلفات. اصطدمت رائحة عطره الفاخر بروائح المكان، فاختفت أمام رائحة المكان النفاذة.
"من هو يا أمي؟"
بصوت أجش، يحمل طبقات من الأنس والوحشة معًا. سقطت الكلمة بين أكوام القمامة كحجر داهم سكون بركة راكدة.
لم ترفع زينب رأسها. استمرت في فرزها، لكن ياسين لاحظ كيف توقفت يديها للحظة خاطفة، كيف تنفست شهقة قصيرة. ثم عادت لحركتها الآلية، تلتقط زجاجة بلاستيكية، تهزها لإفراغ ما تبقى من سائل عكر، ترميها في الكيس الأزرق.
ثنى ياسين ركبتيه، جثا على ركبتيه أمامها. الآن أصبحا في مستوى واحد. تنبعث منها رائحة العرق القديم، والتراب، والحزن. تحت الغبار الذي يغطي وجهها، حاول أن يلمح ملامح تشبه تلك الصورة في محفظته.
همس: أمي....
رفعت هذه المرة رأسها. رأى عينيها العميقتين الغائرتين في محجريهما. ليست عين إنسان مهزوم، بل إنسان عرف المعاناة فلم يعد يخاف منها.
ارتفع صوته فجأة، فمزق صمت المنطقة: كل هذا المال لا يشتري لي اسمًا... أريد معرفة أصلي واسم جدي! أريد ورقة تقول إنني موجود!
انعكست الكلمات على جدران الأكواخ المجاورة، عادت إليه كصدى ساخر.
بعد صراخه، ساد صمت ثقيل. حتى الحشرات الليلية توقفت عن إصدار أصواتها. في ذلك الصمت، سمع ياسين دقات قلبه، سريعة، غير منتظمة. رأى أمامه خيالات: رجال أعمال يصفقون له في صفقات بملايين الدولارات، نساء جميلات يبتسمن له في الحفلات الفاخرة، حراس شخصيون يفتحون له الأبواب. اهتزت كل تلك الصور وتكسرت كمرآة سقطت على الأرض.
شعر بحرارة في عينيه. لم يبكِ منذ ذلك اليوم في المستودع المهجور، عندما ضربه التاجر القديم لأنه تأخر في التسليم. الآن، تهدده الدموع بالخروج، لكنها تجمدت في مآقيه.
نظر إلى يديه. في ضوء القمر، كانت خطوط كفه واضحة. خط الحياة طويل، لكنه متعرج. خط القلب منقطع. يد تمسك بملايين الدولارات، لكنها لا تستطيع الإمساك بهويته.
فجأة، انتفضت زينب. ألقت بقطعة حديد صدئة من يدها. ارتد الصوت كرصاصة في الليل.
"أصلك؟! جدك؟!" ضحكت ضحكة مكتومة، مرة. "عن أي أصل تبحث في مقلب زبالة؟!"
نهضت، بمشية متثاقلة. كشف ظهرها المستقيم الآن عن قامتها القصيرة. تقدمت خطوة نحوه. شمّ رائحة فمها، قهوة رخيصة وسجائر منخفضة الجودة، نطقت أخيرًا:
- اعتدت بيع الوجع لأشتري الخبز. وفي الليالي الباردة، بعت جسدي أيضًا حتى صرت حاوية للنفايات البشرية.
توقفت، التقطت أنفاسًا. ارتفع صدرها وانخفض كمنفاخ قديم، ثم أكملت:
- وفي المرة الوحيدة... المرة الوحيدة التي طاوعت فيها نصيحة رفيقتي لأحتفظ بك... كنت أريد ثمنًا لابتزاز 'ابن التاجر' الذي غواني بوعود كاذبة وهرب كالفأر الجبان.
ارتعشت يدها وهي ترفعها لتشير إليه بأصبعها المتشقق الذي يشبه غصن شجرة ميت، ثم أجابت عن سؤاله عن مكان أبيه:
سافر إلى أوروبا.. قالوا إنه غسل عاره في بحر الشمال ولم يعد. ثم اختفت عائلته كلها. لم تنشق الأرض وتبتلعهم، بل هم من ابتلعوا الأرض وهربوا.
كل دولار في حقيبتي له طعمُ الدموع، وكل مِيلٍ تقطعه هذه 'الفيراري' يبتعدُ بي عن حقيقتي.. أنا الرجل الذي يمكنه شراء العالم، لكتني اكتشفتُ متأخراً أنني لا أملكُ ثمن معرفة اسمي.
انزلق الدمع على خدها الأسمر، رسم خطًا نظيفًا في الغبار؛ فأحس ياسين بالنار تستعر في صدره، سألها مجددًا عن الرجل الذي يتمنى أن يلقي بروحه في حضنه، فقالت:
أنت يا ياسين.. لست ابنًا لرجل، أنت ابن الصدفة القذرة، الصدفة هي الحبل السُّري الذي يربط القصور بالقبور، والحرير بالقمامة. إنها الإله الخفي لكل مصائرنا؛ تمنحنا كل شيء لتعلمنا في النهاية.. أننا لا نملك شيئًا، ولا حتى أنفسنا. أنت ابن الفقر الأسود، وهذه القمامة ..." مسحت وجهها بكم قميصها الممزق "... هذه القمامة التي تغطي جلودنا وتأكل لحمنا في الصيف، وتنحت عظامنا في الشتاء.
تساءل ياسين في جنون يستعر في صدره:
"هل نحن حقا أسياد مصائرنا؟ أم أننا مجرد خيالات تضل الطريق في ضباب الصدفة؟"
غادر ياسين المكان. بدت السيارة الآن له كقفص ذهبي فاخر. جلس على المقود، قاد بلا وجهة. مرت الشوارع مثل الخيالات: أضواء النيون للحانات، واجهات المحلات الفاخرة التي يملكها، مقرات شركاته الواجهة، البنايات السكنية الفاخرة التي بناها ... كلها بدت له كأنها ديكورات لفيلم سينمائي عن الأثرياء.
عند إشارة مرور، نظر إلى يديه مرة أخرى. تحت الأضواء الحمراء، بدت خطوط كفه تنزف. أغلق عينيه. رأى طفلاً يقف عاريًا تحت دش مياه باردة في حمام عام، يحاول أن يغسل عن جسده رائحة القمامة. ورغم برودة الماء، لكنه لم يكن أبرد من نظرات الناس.
فتح عينيه. تحولت الأضواء إلى خضراء، ضغط على دواسة الوقود؛ فانطلقت السيارة كالسهم.
وجد نفسه عند شاطئ البحر. خرج من السيارة، مشي حافي القدمين على الرمال الباردة. تحت السماء الخالية من النجوم ظهر البحر قاتمًا، أمواجه تصل إلى قدميه ثم تتراجع كأنها ترفض لمسه.
جلس على الرمال، أخرج المحفظة مرة أخرى. فتحها، أخرج كل البطاقات، كل الوثائق. نظرة واحدة أخيرة، ثم رفع يده ورمى بها كلها في البحر. التقطتها الأمواج، ثم ابتعدت بها ببطء حتى اختفت.
ثم أخرج شيئًا واحدًا بقي: الصورة القديمة بالأسود والأبيض. نظر إليها طويلاً. المرأة الشابة ذات الابتسامة الخجولة. هل كانت زينب؟ ربما. أو ربما مجرد صورة وجدها في الشارع ذات يوم واحتفظ بها لأنه لم يكن لديه صورة لأمه.
وضع الصورة في جيبه. ثم خلع الساعة الرولكس، الخاتم المصنوع من الألماس، السلسلة الذهبية. رماها واحدة تلو الأخرى في البحر. اختفى المعدن الثمين في الموج الأسود دون صوت.
جلس هناك حتى الفجر. مع أول خيوط الضوء، رأى الصيادين يخرجون في قواربهم الخشبية. رجال بسطاء يعرفون من هم: أبناء البحر، أحفاد الصيادين.
نهض، وقد جف ملح البحر على بشرته حتى شكل قشرة بيضاء. تذوق طعمه على شفتيه: مالح، مر، حقيقي.
مشى بعيدًا عن سيارته الفاخرة، تاركًا إياها على الشاطئ كجثة حديدية. في جيبه، بقي فقط الصورة القديمة، وقليل من الملح الملتصق بأصابعه.
أما ياسين فهو الاسم الذي اختاره لنفسه عندما بدأ تجارة "الملح الأبيض". لكن الرجل الذي يمشي الآن على الشاطئ، بلا ساعة، بلا خاتم، بلا محفظة - لم يعد يعرف من هو. كل ما يعرفه هو أن عليه أن يبدأ البحث عن الإنسان الذي يمكن أن يكونه، بعيدًا عن ميراث الملح الذي ورثه دون أن يختاره.
تلمع ساعة رولكس الذهبية حول معصمه، لكن عقاربها أحالته إلى زمن آخر - إلى تلك الليلة المطيرة قبل عشر سنوات، عندما اختبأ في مستودع مهجور وراء أكياس الملح، يرتجف من برد الشتاء ومن رعب أول عملية تسليم. رائحة الكبريت لا تزال عالقة في أنفه، تختلط الآن برائحة الجلود الفاخرة والعطر الفرنسي.
بين الأبراج الزجاجية التي بناها بمال "السم الأبيض"، شعر فجأة بضيق في صدره. أوقف السيارة جانبًا، فتح الباب وخرج. وقف على حافة الرصيف، تنفس بعمق. استنشق هواء المدينة الحارق المحمل بروائح عوادم السيارات والطعام السريع. من جيبه الداخلي، أخرج محفظة جلدية سميكة. فتحها: بطاقات ائتمان بلاتينية، رخصة قيادة، صورة قديمة بالأسود والأبيض لامرأة شابة، لم يكن متأكدًا إن كانت أمه.
نظر إلى السماء. رأى النجوم خافتة، مطموسة بتلوث عوادم المدينة. تذكر ليالي العشوائيات حين كانت النجوم قريبة كأنه يستطيع لمسها. تذكر كيف اعتاد أن يحصيها وهو جائع؛ لينسى قرقرة بطنه الفارغة.
عاد إلى السيارة، لكن هذه المرة لم يوجهها إلى الفندق الفاخر أو النادي الخاص. بدلاً من ذلك، قادها نحو الشمال، نحو المنطقة التي حاول أن يمحوها من ذاكرته كصفحة سيئة في كتاب قديم. مع كل كيلومتر يقطعه، تراجعت كل مظاهر الحضارة: تحولت الأبراج إلى عمارات شعبية، ثم إلى منازل متواضعة، وأخيراً إلى أكواخ من الصفيح.
غاصت سيارته في عالم الظلال. خفتت أضواء الشوارع تدريجيا ثم انقطعت تماما. الآن، فقط أخذت المصابيح الأمامية تشق الظلام، تكشف عن طريق ترابي محفور بآثار عجلات عربات القمامة. اكتست المنطقة بصمت ثقيل، إلا من طنين بعيد لمولد كهربائي، ونباح كلب ضال.
توقف عند تلال القمامة التي تمتد كجبال مصغّرة. أحس بأن الهواء مختلف: خليط حاد من روائح التعفن، والمواد الكيميائية، واليأس. تحت ضوء القمر الباهت، رأى أشكالاً تتحرك بين الأكوام، بشر يتحركون كالنمل في مملكة النفايات.
وجد "زينب" هناك، منحنية كغصن شجرة جاف. تقوس ظهرها على شكل زاوية حادة مع الأرض. بيدين مغطاتين بقفازات ممزقة، فرزت البلاستيك عن المعدن، وكأنها تقوم بعملية تشريح لبقايا حياة الآخرين.
اقترب ياسين. غاص الحذاء الإيطالي في تربة لينة من المخلفات. اصطدمت رائحة عطره الفاخر بروائح المكان، فاختفت أمام رائحة المكان النفاذة.
"من هو يا أمي؟"
بصوت أجش، يحمل طبقات من الأنس والوحشة معًا. سقطت الكلمة بين أكوام القمامة كحجر داهم سكون بركة راكدة.
لم ترفع زينب رأسها. استمرت في فرزها، لكن ياسين لاحظ كيف توقفت يديها للحظة خاطفة، كيف تنفست شهقة قصيرة. ثم عادت لحركتها الآلية، تلتقط زجاجة بلاستيكية، تهزها لإفراغ ما تبقى من سائل عكر، ترميها في الكيس الأزرق.
ثنى ياسين ركبتيه، جثا على ركبتيه أمامها. الآن أصبحا في مستوى واحد. تنبعث منها رائحة العرق القديم، والتراب، والحزن. تحت الغبار الذي يغطي وجهها، حاول أن يلمح ملامح تشبه تلك الصورة في محفظته.
همس: أمي....
رفعت هذه المرة رأسها. رأى عينيها العميقتين الغائرتين في محجريهما. ليست عين إنسان مهزوم، بل إنسان عرف المعاناة فلم يعد يخاف منها.
ارتفع صوته فجأة، فمزق صمت المنطقة: كل هذا المال لا يشتري لي اسمًا... أريد معرفة أصلي واسم جدي! أريد ورقة تقول إنني موجود!
انعكست الكلمات على جدران الأكواخ المجاورة، عادت إليه كصدى ساخر.
بعد صراخه، ساد صمت ثقيل. حتى الحشرات الليلية توقفت عن إصدار أصواتها. في ذلك الصمت، سمع ياسين دقات قلبه، سريعة، غير منتظمة. رأى أمامه خيالات: رجال أعمال يصفقون له في صفقات بملايين الدولارات، نساء جميلات يبتسمن له في الحفلات الفاخرة، حراس شخصيون يفتحون له الأبواب. اهتزت كل تلك الصور وتكسرت كمرآة سقطت على الأرض.
شعر بحرارة في عينيه. لم يبكِ منذ ذلك اليوم في المستودع المهجور، عندما ضربه التاجر القديم لأنه تأخر في التسليم. الآن، تهدده الدموع بالخروج، لكنها تجمدت في مآقيه.
نظر إلى يديه. في ضوء القمر، كانت خطوط كفه واضحة. خط الحياة طويل، لكنه متعرج. خط القلب منقطع. يد تمسك بملايين الدولارات، لكنها لا تستطيع الإمساك بهويته.
فجأة، انتفضت زينب. ألقت بقطعة حديد صدئة من يدها. ارتد الصوت كرصاصة في الليل.
"أصلك؟! جدك؟!" ضحكت ضحكة مكتومة، مرة. "عن أي أصل تبحث في مقلب زبالة؟!"
نهضت، بمشية متثاقلة. كشف ظهرها المستقيم الآن عن قامتها القصيرة. تقدمت خطوة نحوه. شمّ رائحة فمها، قهوة رخيصة وسجائر منخفضة الجودة، نطقت أخيرًا:
- اعتدت بيع الوجع لأشتري الخبز. وفي الليالي الباردة، بعت جسدي أيضًا حتى صرت حاوية للنفايات البشرية.
توقفت، التقطت أنفاسًا. ارتفع صدرها وانخفض كمنفاخ قديم، ثم أكملت:
- وفي المرة الوحيدة... المرة الوحيدة التي طاوعت فيها نصيحة رفيقتي لأحتفظ بك... كنت أريد ثمنًا لابتزاز 'ابن التاجر' الذي غواني بوعود كاذبة وهرب كالفأر الجبان.
ارتعشت يدها وهي ترفعها لتشير إليه بأصبعها المتشقق الذي يشبه غصن شجرة ميت، ثم أجابت عن سؤاله عن مكان أبيه:
سافر إلى أوروبا.. قالوا إنه غسل عاره في بحر الشمال ولم يعد. ثم اختفت عائلته كلها. لم تنشق الأرض وتبتلعهم، بل هم من ابتلعوا الأرض وهربوا.
كل دولار في حقيبتي له طعمُ الدموع، وكل مِيلٍ تقطعه هذه 'الفيراري' يبتعدُ بي عن حقيقتي.. أنا الرجل الذي يمكنه شراء العالم، لكتني اكتشفتُ متأخراً أنني لا أملكُ ثمن معرفة اسمي.
انزلق الدمع على خدها الأسمر، رسم خطًا نظيفًا في الغبار؛ فأحس ياسين بالنار تستعر في صدره، سألها مجددًا عن الرجل الذي يتمنى أن يلقي بروحه في حضنه، فقالت:
أنت يا ياسين.. لست ابنًا لرجل، أنت ابن الصدفة القذرة، الصدفة هي الحبل السُّري الذي يربط القصور بالقبور، والحرير بالقمامة. إنها الإله الخفي لكل مصائرنا؛ تمنحنا كل شيء لتعلمنا في النهاية.. أننا لا نملك شيئًا، ولا حتى أنفسنا. أنت ابن الفقر الأسود، وهذه القمامة ..." مسحت وجهها بكم قميصها الممزق "... هذه القمامة التي تغطي جلودنا وتأكل لحمنا في الصيف، وتنحت عظامنا في الشتاء.
تساءل ياسين في جنون يستعر في صدره:
"هل نحن حقا أسياد مصائرنا؟ أم أننا مجرد خيالات تضل الطريق في ضباب الصدفة؟"
غادر ياسين المكان. بدت السيارة الآن له كقفص ذهبي فاخر. جلس على المقود، قاد بلا وجهة. مرت الشوارع مثل الخيالات: أضواء النيون للحانات، واجهات المحلات الفاخرة التي يملكها، مقرات شركاته الواجهة، البنايات السكنية الفاخرة التي بناها ... كلها بدت له كأنها ديكورات لفيلم سينمائي عن الأثرياء.
عند إشارة مرور، نظر إلى يديه مرة أخرى. تحت الأضواء الحمراء، بدت خطوط كفه تنزف. أغلق عينيه. رأى طفلاً يقف عاريًا تحت دش مياه باردة في حمام عام، يحاول أن يغسل عن جسده رائحة القمامة. ورغم برودة الماء، لكنه لم يكن أبرد من نظرات الناس.
فتح عينيه. تحولت الأضواء إلى خضراء، ضغط على دواسة الوقود؛ فانطلقت السيارة كالسهم.
وجد نفسه عند شاطئ البحر. خرج من السيارة، مشي حافي القدمين على الرمال الباردة. تحت السماء الخالية من النجوم ظهر البحر قاتمًا، أمواجه تصل إلى قدميه ثم تتراجع كأنها ترفض لمسه.
جلس على الرمال، أخرج المحفظة مرة أخرى. فتحها، أخرج كل البطاقات، كل الوثائق. نظرة واحدة أخيرة، ثم رفع يده ورمى بها كلها في البحر. التقطتها الأمواج، ثم ابتعدت بها ببطء حتى اختفت.
ثم أخرج شيئًا واحدًا بقي: الصورة القديمة بالأسود والأبيض. نظر إليها طويلاً. المرأة الشابة ذات الابتسامة الخجولة. هل كانت زينب؟ ربما. أو ربما مجرد صورة وجدها في الشارع ذات يوم واحتفظ بها لأنه لم يكن لديه صورة لأمه.
وضع الصورة في جيبه. ثم خلع الساعة الرولكس، الخاتم المصنوع من الألماس، السلسلة الذهبية. رماها واحدة تلو الأخرى في البحر. اختفى المعدن الثمين في الموج الأسود دون صوت.
جلس هناك حتى الفجر. مع أول خيوط الضوء، رأى الصيادين يخرجون في قواربهم الخشبية. رجال بسطاء يعرفون من هم: أبناء البحر، أحفاد الصيادين.
نهض، وقد جف ملح البحر على بشرته حتى شكل قشرة بيضاء. تذوق طعمه على شفتيه: مالح، مر، حقيقي.
مشى بعيدًا عن سيارته الفاخرة، تاركًا إياها على الشاطئ كجثة حديدية. في جيبه، بقي فقط الصورة القديمة، وقليل من الملح الملتصق بأصابعه.
أما ياسين فهو الاسم الذي اختاره لنفسه عندما بدأ تجارة "الملح الأبيض". لكن الرجل الذي يمشي الآن على الشاطئ، بلا ساعة، بلا خاتم، بلا محفظة - لم يعد يعرف من هو. كل ما يعرفه هو أن عليه أن يبدأ البحث عن الإنسان الذي يمكن أن يكونه، بعيدًا عن ميراث الملح الذي ورثه دون أن يختاره.