أحمد عبدالله إسماعيل - دم كريستين ...

في ذلك الركن الهادئ من البيت، حيث تتراصّ المجلدات الصفراء، جلس الشيخ منصور بمسبحته التي لا تهدأ. لم يكن رجلاً غليظاً بالفطرة، بل رأى نفسه "حارساً للعقيدة" في زمنٍ يراه متفلتًا. نظر إلى ابنته إيمان، الملتفّة بخمارها، وقال بصوتٍ يحمل وقار الخوف عليها لا التسلط: "يا بنية، المسافات الآمنة تحفظ القلوب. نحن نحسن الجوار، ونطعم المسكين، لكنّ التهنئة بالعيد محل خلاف فقهي، والوقوف على ثغور التوحيد يقتضي ألا نتشبه فيما ليس لنا. لا تكسري هذا السياج، فالخطوة الأولى في التنازل تتبعها خطوات".
جلست إيمان تستمع، وفي عقلها صورة أخرى لهذا "السياج" الذي يتحدث عنه والدها؛ سياجٌ تحطم ذات يوم تحت أقدام الضرورة، حين غابت الفوارق ولم يبقَ إلا الإنسان.
اهتز الهاتف بين يديها. استقبلت رسالة من "كريستين"، رفيقة المقعد الدراسي، ورفيقة العمر الذي لم تلوثه الحسابات. تربت كريستين في بيتٍ كان صلاتهم اليومية فعل خير، وأعيادهم زيارة من يعرفون وحدةً. ترى في إيمان الوجه الإنساني للإيمان كله، ذلك الجزء الذي يعانق ولا ينبذ، يعطي ولا يحسب، ويذكر أننا أبناء آدم وحواء.
قرأت الكلمات وهي تشعر بوخزٍ في ضميرها:
"إيمان، صديقتي العزيزة، أكتب إليكِ وأشجار عيد الميلاد تملأ الشوارع، لكن العيد يفتقد صوتكِ. ألم نأكل معًا ’حلوى المولد النبوي‘؟ ألم ننتظر هلال رمضان ونقتسم الكنافة والقطائف، ونطوي الشوارع جريًا نحو الحدائق العامة؟ نحن لا نحتفل بأعيادنا وأعيادكم، بل نحتفل بوجودنا معًا. هل صارت "التهنئة" حِملاً ثقيلاً على لسانكِ، بعد كل ما كان؟"
أغمضت إيمان عينيها، فانفتح أمامها مشهدٌ من عتمة الماضي. قبل ثلاث سنوات، حين كانت ترقد في غرفة العمليات، وجسدها ينزف بصمت أبيض نتيجة جراحة معقدة. بحثت الأسرة عن متبرع يحمل الفصيلة نادرة، والمستشفى يضج بالحركة، ووالدها الشيخ منصور يقف عاجزاً، يفرك يديه بقلة حيلة والدموع تحتبس في لحيته.
يومها، لم تنتظر كريستين فتوى لتنقذ رفيقتها. دخلت إلى غرفة التبرع بقميصها الصيفي، تمد ذراعها للممرضة بابتسامةٍ واثقة. تذكرت إيمان مشهد كيس الدم وهو يمتلئ ببطء؛ ذلك السائل القاني الدافئ الذي غادر جسد كريستين ليجري في عروقها هي. تذكرت كيف شحب وجه كريستين قليلاً ليرتد اللون إلى وجه إيمان. يومها، لم يرفض والدها هذا الدم "المغاير"، بل قبّل رأس ابنته وهي تخرج من الجراحة، ولم يدرك أن "السياج" الذي يخشى عليه اليوم، قد انصهر تمامًا في تلك اللحظة.
فتحت إيمان عينيها، ونظرت إلى والدها بنظرةٍ جديدة. رفعت هاتفها، وكتبت بمداد القلب:
"يا كريستين، كيف ينسى الجسدُ ما أحياه؟ دمي الذي ينبض الآن في عروقي ليس ملكي وحدي، بل هو أمانةٌ من روحك التي لم تتردد حين ناداني الموت. لا أرسل لكِ تهنئة لمجرد المجاملة، بل أرسل لكِ اعترافًا بالحياة. كل عام وأنتِ بقلبي، يا من يجري دمها في عروقي، فيوحدنا رغماً عن كل اختلاف."
ضغطت "إرسال"، وشعرت بأنفاسها تهدأ. لم تخالف أباها تمردًا، بل تبرُّ بدمٍ سكن في أحشائها.
لم ينتهِ الأمر عند الرسالة؛ فقد سبق قلب كريستين جسدها إلى بيت إيمان، وكأنها شعرت بغصة رفيقتها خلف الشاشة. طرقاتٌ خفيفة على الباب قطعت سكون الغرفة. قام الشيخ منصور، وضع مصحفه جانبًا، وفتح الباب ليجدها أمامه: كريستين، تحمل في يدها طبقًا صغيرًا من "كعك العيد" الذي اعتادت أن تقدمه لهما كل عام.
ساد صمتٌ ثقيل. وقف الشيخ بلحيته الكثة وجلبابه الأبيض، يقابله وجه الشابة الذي يفيض بهجة ومحبة. نظر إلى الطبق، ثم إلى عينيها، وكأن السياج الذي شيده في الصباح قد بدأ يهتز أمام حضورها الواقعي.
خرجت إيمان من غرفتها، لمحت التوتر في وقفة والدها، فتقدمت بخطىً ثابتة ووقفت بجانب كريستين، ثم وضعت يدها على كتفها وقالت بنبرةٍ هادئة ولكنها واضحة:
- يا أبي.. أتذكر هذا الوجه؟ يوم أن كنتَ تبحث عن قطرة دمٍ واحدة لتعيد لي الحياة، ولم تجدها في عروق الأقربين؟
ارتجفت مسبحة الشيخ في يده. تذكر تلك الليلة بوضوح؛ غرفة العناية المركزة الباردة، ورائحة المعقمات، ووجه هذه الفتاة الشاحب وهي تخرج من غرفة التبرع بعد أن وهبت ابنتَه أغلى ما تملك.
نظرت إيمان إلى والدها بعينين تلمعان بالإصرار:
- هل من المعروف أن أغلِقَ قلبي في وجه من فتحت لي عروقها؟ دمي يا أبي.. دمي الذي ينبض في قلبي الآن، هو في الأصل قطعةٌ منها. فكيف يرفض من أحياه؟
تراجع الشيخ خطوة، وكأن الكلمات قد مست في روحه وتراً كان يظنه قد انقطع. نظر إلى كريستين، رأى في عينيها مودةً تطلب "إنساناً".
تنهد الشيخ طويلاً، ثم مد يده بوقار وتناول الطبق منها. لم يبتسم ابتسامة عريضة، لكن ملامحه لانت بشكلٍ لم تعهده إيمان من قبل. قال بصوتٍ منخفض يحمل شجاعة المراجعة:
- يا ابنتي، القلوب لها منطقٌ آخر يسبق الكلمات.
ثم التفت إلى ابنته إيمان وقال:
- هذا يوم عيد.
انصرفت كريستين والدموع تترقرق في عينيها فرحًا، بينما وقفت إيمان بجانب والدها، تشعر أن البيت قد اتسع فجأة.
قصة جديدة
#أحمدعبدالله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى