أحمد عبدالله إسماعيل - ىسيدي الخادم...

حين انكسرت المرآة، لم يستيقظ "آدم" بسبب الصمت في ذلك الصباح، بل بعدما أفزعه الفراغ.
اعتاد آدم، الذي يعيش نصف يومه خلف الشاشات ونصفه الآخر داخلها، أن يفتح عينيه على وهج الهاتف. كرر طقوسه المقدسة: جولة في غابة "فيسبوك" لمعرفة من سافر ومن عاد، من تزوج ومن رُزق بمولود، غوص سريع في محرك "جوجل" بحثًا عن إجابات لأسئلة لم يسألها أحد، ثم الانغماس في سيل "يوتيوب" اللانهائي من المقاطع التي تقتل الوقت وتقتل معه التركيز.
لكن ذلك الثلاثاء كان مختلفًا.

عند تمام الثامنة صباحًا، اكتسى العالم بالسواد. ضغط آدم على تطبيق فيسبوك، فظهرت له رسالة باردة: "يعتذر الخادم عن تنفيذ أوامرك". انتقل بذعر إلى جوجل، فاستقبله الديناصور الصغير الشهير معلنًا غياب الإنترنت. حاول مع يوتيوب؛ فدارت الدائرة بلا توقف في فراغ عبثي.
في الساعات الأولى، ساد الهلع. خرج آدم إلى الشرفة، فرأى الجيران يخرجون برؤوسهم من النوافذ كأنهم سكان كهف رأوا الضوء لأول مرة. ضجت الشوارع بتمتمات قلقة: هل هي حرب؟ هل انقطعت الكابلات في قاع المحيط؟

مع مرور الساعات، بدأ الألم ينهش رأس آدم. شعر بتوتر غير مبرر، رغبة جامحة في "النقر" على أي شيء. اكتشف أنه لا يعرف كيف يقضي وقته دون تطبيقات اعتاد عبرها مشاطرة معارفه مشاعره أو ما يشاهده.
تأمل غرفته؛ فوجئ أنها مليئة بكتب لم يلمس غلافها منذ سنوات، وآلة كمان غطاها الغبار في الزاوية. أدرك حينها الحقيقة المرة: لقد كان "عبدًا" لا "سيدًا". سرقت هذه البرامج انتباهه، حولته إلى مستهلك سلبي، وصاغت ذائقته وفكره وفق قوالب جاهزة، حتى فقد قدرته على التفكير العميق أو الاستمتاع باللحظة الحاضرة.

في المساء، ومع استمرار العطل الذي قيل إنه سيستمر حتى إشعار آخر، خيم سكون غريب على المدينة. وبدلاً من التحديق في الشاشات، فعل آدم شيئاً لم يفعله منذ دهر: أشعل شمعة وفتح كتابًا.
في تلك الليلة، أخرج الكمان وبدأ يعزف ألحانًا ظلت حبيسة ذاكرته، دون رغبة في تصويرها "ستوري" أو انتظار "إعجاب" من غرباء.
نزل إلى الشارع، ولأول مرة منذ سنوات، تبادل حديثًا حقيقيًا طويلاً مع جاره الشيخ دون أن يقاطعه إشعار من هاتفه.
اكتشف أن ذهنه أصبح أصفى، وأن القلق الذي اعتاد أن ينهشه بدأ يتلاشى مع غياب ضجيج الأخبار الزائفة والمقارنات الاجتماعية المرهقة.

عندما اهتز هاتف آدم بمئات الإشعارات المتراكمة، اكتملت دائرة البحث، وانطلقت الأصوات الحبيسة في فجر اليوم الثالث. شهق في سعادة، ونظر إليها بابتسامة، ثم كتب منشورًا على صفحته الشخصية ليعلن: عاد سيدي الخادم، عاد سيدي الخادم ليلبي أوامري؛ الآن فقط، بدأ تنفسي ينتظم، وأنا في طريقي لاستعادة عافيتي كاملة!

قصة جديدة
يناير ٢٠٢٦
#أحمدعبدالله

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى