د. مصطفى أحمد علي - عابدي...

كان شديد العناية بهندامه، واثقاً في خطواته، منعزلاً في مجلسه، يحيط به الغموض، لا يدري أحدٌ أين يسكن ويقيم في دوائر باريس العشرين، لكنه كان يغشى مقاهي معدودة قريبة من المدينة الجامعية، يلمّ فيها ببعض أخبار "عالمنا الثالث"، كما كان يطلق عليه، وكان غالباً ما يحمل صحفاً ومجلّات يسارية نحو (ليبراسيون) و(آفريك آزي) و(جون آفريك). كان لا يني يجترّ ذكريات الثورة الجزائرية وأهوال الحرب، دون انحياز مطلق إلى الثورة...كان أوّل من حدّثني عن فظائع الجانبين، وأن الفظائع لم تكن حكراً على الفرنسيين، وكان يرى في "الحرْكة" رصيداً بشرياً لا ينبغي إقصاؤه!
أهذا ما كان يدفع إلى شيء من الارتياب، يعزّزه غموض الرجل، في أن الرجل ربما كان "حرْكياً"؟
كانت الفرنسية تغلب على لسانه، ومع ذلك، كان يفاجئ مستمعيه بعبارات عربية ترقى إلى أعلى مقامات الفصاحة والجزالة. وكانت هواجس التاريخ والثقافة والحضارة تملك عليه أمره كلّه، يجترّها في ذهنه ويحاور حولها محدّثيه، ثمّ يخرج بخلاصات موجزة أشبه بالعناوين، وكان يرى أن الشرق شرقٌ والغرب غربٌ، وأن المتوسط ليس حاجزاً جغرافياً فحسب بل هو قبل كلّ شيء، حاجز ثقافي وحضاري، وأن تناقض ما بين الشرق والغرب ممّا يستنشقه المرء في الهواء منذ مئات السنين، وأن ما يجمع المغرب الأقصى باليمن السعيد وما بينهما، مسطّر في الأزل، سابق لذي يزن.
كان واثقاً بنفسه معتزّاً بانتمائه وبموطنه وقومه. أخبرني مرة، أنه قضى عاماً كاملاً في كازابلانكا، لم يبدّل خلاله ثياب شتاء بثياب صيف.."إقليمنا خير الأقاليم وأوسطها.."، وكان ممّا قرّ في ذاكرته، أن بيضاوية خاطبته سنة سكناه الدار البيضاء: "آلواسطي"، ناسبة إيّاه، بحدسها، مصيبة في ذلك، إلى المغرب الأوسط، مستدلاً بذلك على أن العقل الجمعي الشعبي في بلاد المغرب، لا يعرف الحدود الحديثة المصطنعة.
كانت لقاءاتي به مصادفات لا تقيّدها مواعيد، جمعني آخرها به وأنا قادم من النرويج، عابراً مغاني باريس ومعاهدها إلى السودان...احتفى الرجل بي حفاوة لم أعتدها منه قبل..سرّه أني قادم من ديار ابن فضلان ومضيفيه من الفيكينج الذين وصفهم بقوله:.."On dirait des palmiers" ، قالها بالفرنسية، ثم أردف مترجماً ايّاها إلى العربية وسط ذهولي: "كأنهم النخل".
سألني عن السودان وطبيعة الانقلاب الذي مضى عليه عام وبعض العام...شرحت له ما وسعني الشرح، علّق في استنكار بالفرنسية:"Mais non. On ne peut pas jouer le football dans un terrain de basket !
"وهل بالإمكان لعب كرة القدم في ميدان مخصّص لكرة السلة!"
تذكرت تلك الجلسة بعد نحو ثلاثين سنة، وقد جرى الحديث في مجلسنا عن التناقض والعنت الذي واجه الحركة الإسلامية السودانية في التكيّف مع شروط الدولة الحديثة!
لم أجد عبارة لخّصت (وبما يشبه النبوءة!)، ما جرى في السودان على مدى ثلاثين عاماً، أبلغ ممّا أوجزه الرجل في عبارته تلك!
كان ذلك آخر لقاء جمعني به.
كان اسمه عابدي.

د. مصطفى أحمد علي،
الرباط،
يناير 2020م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى