عائشة أبو ليل - تنبت الشجرة في المنفى

إهداء إلى أم حسين ....
التي علمتنا أن الصبر يمكن أن يزهر ، حتى في المنفى .



أم حسين تحب الصباحاتِ الباكرة، تلك التي تشبه وجوهَ الأطفال قبل أن تلوّثها التجارب.
هي امرأةٌ تشبه شروقَ الصباح في عيونِ الأطفال؛ في صوتها دفءٌ لا يُنسى، وفي عينيها إصرارُ المعلّمةِ التي ترى في كلّ تلميذٍ وطنًا صغيرًا يمكن أن يكبر بالعلمِ والحبّ..
تعلّم الحروفَ كما تعلّم الصبر، وتزرع في طلابها بذورَ الانتماء قبل أن تزرع فيهم القواعدَ اللغوية.
تسقيها من صوتها الحنون، فينمو الوطنُ في قلبِ كلّ تلميذ.

هي امرأةٌ دخلت المدارسَ صباحًا وخرجت منها مساءً، تحمل في عينيها نورَ المعرفة، وفي قلبها صبرَ الأنبياء.

لكنّ السنوات لا تمشي دائمًا كما تشتهي القلوب.
ذات يومٍ غابت عن المدرسة، لا لأنّ الدروس انتهت، بل لأنّ المرض بدأ معها درسه القاسي.
تسلّل إلى جسدها على مهلٍ، كضيفٍ ثقيلٍ بلا موعد، جلس في عروقها وأخذ يسرق منها الضوءَ شيئًا فشيئًا.
تبدّل لديها شكلُ الأيام، من ضحكاتِ الطلبة إلى رائحةِ الأدوية، لكنها لم تُعطه أكثر من ابتسامةٍ صلبةٍ كجذعٍ ثابت.

كانت تقول:

"مادام في الجسدِ عِرقٌ نابض، فالحياةُ تستحقُ العناد."

تنهض متّكئةً على روحها، تواصل دروسها، تقف رغم الألم، وتكتب على اللوح الأبيض كما تكتب وصيّةَ النور في وجه العتمة.

ولم تكد تستعيد أنفاسها حتى انفجرت البلاد من تحتها.
اندلعت الحرب...
وانقلبت المدينة التي علّمت أبناءها الحلمَ إلى رمادٍ يعلو وجوهَ الناس.
صمتت المدارس، وامتلأت الساحاتُ بالبكاء، وأصبحت الطرقاتُ موحشة، والسماءُ مرآةً للموت، والأحلامُ تُحزم في أكياسٍ صغيرة.

وفي تلك الفوضى، فقدت أم حسين ابنَها الأكبر.
رحل ولم يعد، كأنّ الأرض ضاقت حتى بأجسادِ من ضحّوا لأجلها.
انتظرته طويلًا، تصارع الليالي وتُعاند الانتظار على أملِ إطلالته.
كلّ يومٍ تهمس باسمه وتقول:

" نَم ياولدي...تركت في قلبي حديقة لاتذبل. "

وحين لم يعد في الوطن متّسعٌ للحياة، أيقنت أنّ البقاء لم يعد خيارًا، فقرّرت الرحيل.
خرجت مع عائلتها في رحلةٍ طويلة، وتركت خلفها الذكريات.
خرجت تحمل في قلبها الحنين، وفي كفّها ترابَ الوطن.
تعلم أنّ رحلتها ستكون بين الحياة والموت، فالليلُ في البحر لا يشبه ليلَ البرّ؛ كانت الأمواجُ كالسيوف، والليلُ يبلع صرخاتِ الناجين.
لكنها تمسّكت بسماءٍ واحدةٍ لا تعرف الغدر، تردّد في قلبها:

"اللهم نجّني بما تبقّى من إيماني."


على الشاطئ الآخر، في البلادِ الغريبة، وُلدت حياةٌ جديدة على جسدٍ متعب.
كانت الغربة أقسى من المرض؛ هنا وُلدت امرأةٌ أخرى، تحمل الوطنَ على كتفيها، والوجعَ في عينيها، تبحث عن أرضٍ لا تسألها: من أين جئتِ؟.
عملت، وجاهدت لتجمع أبناءَها الذين بقوا وراءها، واحدًا تلو الآخر.
كل ورقةٍ تصل من مكتبٍ رسمي كانت معركة، وكل انتظارٍ في طابورٍ طويل كان امتحانًا آخرَ للصبر.

وفي طريقها اليومي، تمرّ بشجرةٍ عاليةٍ وحيدةٍ في حديقةٍ صغيرة، تجلس في ظلّها لتستريح، وتحدّثها كما لو كانت صديقةً قديمة:

" كلانا غريبّ هنا ...أنتِ عن تربتكِ،
وأنا عن نفسي."

الشجرةُ تُصغي، والريحُ تهزّ أغصانَها كما لو تردّ السلام.

وبعد طول انتظار، لحق بها أولادُها. أصبحوا جميعُهم معها، لكنّ الغربة ظلّت تسكن التفاصيل.

وذات يوم، حين أنهكتها الأيامُ وأرهقها البحثُ عن استقرارٍ يشبه الأمان، استأجرت بيتًا صغيرًا على أطراف الطريق.
لم تكن تعلم أنّ للقدر طريقته الخاصة في مكافأة الصابرين.

حين وصلت إلى البيت الجديد، وجدت الشجرةَ نفسها هناك، على بُعدِ خطواتٍ من نافذتها.
ابتسمت والدموعُ في عينيها وقالت:

" سبحانك ...حتى في المنفى ، تعيدُ لي ظلّي المفقود."

منذ ذلك اليوم، صارت الشجرةُ حكايتَها الصامتة.
تطلّ عليها كلَّ صباح، تكلّمها قبل أن تبدأ نهارَها، وتجلس تحتها كلَّ مساءٍ تحاكيها عن البلدِ البعيدِ الذي صار حكايةً في الذاكرة، وعن الوجوهِ التي لم تودّعها كما يليق بالحبّ.

تتحدث معها طويلًا، تبتسم أحيانًا، وربما تبكي مرارًا، لكنها كانت تجد في صمتِ الشجرة ما يواسيها أكثر من كلامِ الناس.

تقول لها:
" أتعلمين ياصديقتي الشجرة :
المرضُ علّمني أن الجسدَ زائل،
والحربُ علّمتني أن البيتَ لا جدارَ له، والغربةُ علّمتني أن الله وحدَه الوطن."

مرّت أعوامٌ وما زالت الشجرةُ ظلَّ أم حسين وراحتَها.
لم تعد مجرّد امرأةٍ عابرةٍ للحربِ والغربة، بل صارت رمزًا لكلّ من قاوم .

في كلّ ورقةٍ خضراء ظلٌّ من ظلّها، وفي كلّ وطنٍ بعيدٍ ظلُّ شجرةٍ ينتظر صاحبَه.


بقلم عائشة أبو ليل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى