غانية ملحيس - بين إيفان كارامازوف والحرب الوجودية: مساءلة المجاز والمقاومة عبر التاريخ

قراءة في مقال عاهد حلس “ في رواية الاخوة كارامازوف لديستويفيسكي“ 8/1/2026

ليس من السهل، ولا من المريح، مساءلة الأفكار في زمن الكارثة. لكن الصعوبة لا تُسقط الحاجة إلى السؤال، كما أن السؤال لا يبرر القسوة على الضحية.
من هذا التوتر يولد النقاش الذي أثاره مقال الدكتورعاهد حلس، حين استعان بثنائية إيفان كارامازوف وسميردياكوف لتفسير ما آلت إليه التجربة الفلسطينية، وصولا إلى السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تلاه.
المقال جريء، لأنه يحاول نقل المسؤولية من الفعل إلى الفكرة، ومن الحدث إلى المخيال. غير أن الجرأة الفكرية لا تكتمل ما لم تُختبر داخل شرطها التاريخي. والسؤال الذي يجب طرحه هو: هل يمكن مساءلة المجاز بالطريقة نفسها في مجتمع مستقر، وفي مجتمع يعيش حربا وجودية؟
أولا: إيفان كارامازوف خارج حالة الاستثناء
إيفان كارامازوف، كما صاغه دوستويفسكي، مفكّر يعمل داخل أفق أخلاقي مفتوح. هو ذات قادرة على التفكير دون أن تكون حياتها مهددة في كل لحظة. لذلك تصبح مساءلته ممكنة، بل ضرورية، لأن أفكاره تُنتج داخل ما تسميه حنّة أرندت الفضاء العمومي الطبيعي، حيث يمكن للفعل والكلام أن يُحاسَب دون أن يكون الوجود نفسه على المحك.
أما الفلسطيني، فهو ذات تعيش ما وصفه والتر بنيامين بـ” حالة الاستثناء التي تحوّلت إلى قاعدة”. في هذا الوضع، لا تكون الأخلاق اختيارا حرا، ولا تكون الأفكار نتاج تأمل مجرد، بل استجابات مضغوطة داخل زمن معلّق.
من هنا، فإن تحويل الفلسطيني إلى “إيفان” كامل المسؤولية الأخلاقية يُسقِط الفارق الجوهري بين التفكير في ظل الحياة، والتفكير في ظل التهديد بالإبادة.
لا تكمن إشكالية أطروحة عاهد حلس في جرأتها على مساءلة المجاز، بل في افتراضها الضمني أن المجاز يمتلك استقلالية سببية عن شروط إنتاجه التاريخية. فالمقال يتعامل مع “إيفان الفلسطيني” بوصفه عقلاً يُنتج المعنى ثم يُسلمه للفعل، في حين تُظهر تجارب الاستعمار الاستيطاني أن المجاز غالبا ما يكون نتيجة للعنف لا مصدرا له، وصيغة لغوية لمحاولة استيعاب ما لا يمكن استيعابه ماديا.
بهذا المعنى، لا يكون المجاز بنية تولِّد الفعل، بل مساحة ضغط يتشكّل فيها المعنى تحت الإكراه. الفعل لا يخرج من المجاز، بل من انسداد الأفق، والمجاز هو اللغة التي تحاول لاحقا أن تمنح هذا الفعل قابلية للسرد، لا شرعية أخلاقية للفعل ذاته.
من هنا، فإن مساءلة المجاز دون مساءلة شروط إنتاجه المادية والتاريخية تُخاطر بتحويل الأداة التعبيرية إلى متهم، وتُزيح مركز الثقل من البنية الاستعمارية إلى المخيال الواقع تحت القسر.
ثانيًا: الحجر أمام الدبابة والمجاز قبل الحركات المنظمة
من المهم التوضيح أن فكرة الطفل والحجر أمام الدبابة سبق نشوء حماس وانطلاقة انتفاضة الحجارة. هذا يعني أن المجاز لم يولد التنظيم السياسي، بل وُجد أولا كصورة مقاومة رمزية، كرد فعل ثقافي على القهر.
وفقا لفرانز فانون في معذبو الأرض، العنف الرمزي واللغوي عند الشعوب المستعمَرة ليس اختيارا جماليا، بل استجابة مباشرة لعنف مادي قائم.
الطفل في مواجهة الدبابة ليس أسطورة حبا في الموت، بل صورة ولدت لأن الطفولة نفسها صارت بلا حماية، والحياة بلا أفق، والجسد هو آخر ما تبقّى للقول.
الخطر لا يكمن في المجاز بحد ذاته، بل في اللحظة التي يتحوّل فيها من لغة اضطرار إلى منطق دائم، ومن أداة صمود إلى نظام أخلاقي مغلق لا يعرف متى يتوقف.
ثالثًا: حنّة أرندت ومسؤولية الفعل تحت القسر
يقترب عاهد حلس في مقالته من أطروحة أرندت حين يميّز بين من يفكر ومن ينفذ. لكن أرندت نفسها، في حديثها عن المسؤولية، تشدّد على شرط أساسي: المسؤولية الأخلاقية تفترض حدّا أدنى من الحرية. في أوضاع القهر القصوى ينهار الفاصل بين الفعل والضرورة، ويصبح السؤال الأخلاقي معقدا لا مطلقا.
الإشكال في تشبيه سميردياكوف بحماس لا يكمن فقط في اختلاف السياق السياسي، بل في تجاهل شرط حنّة أرندت: سميردياكوف يقتل داخل نظام يسمح له بالاختيار، أما الفعل الفلسطيني فيحدث داخل منظومة تُضيّق الخيارات إلى حدّها الأدنى.
رابعا: المقاومة كحتمية تاريخية ونماذج التحرر العالمية
إذا قارنا التجربة الفلسطينية بنماذج التحرر العالمي، نلاحظ نمطا متكررا:
• الشعوب الضعيفة تستخدم المجاز والفعل كأدوات اضطرارية للتواصل والمقاومة.
• الرموز، الصور، والفعل الفردي أو الجماعي غالبا ما تتقدم على التنظيم السياسي الكامل، لكنها تصبح لاحقا أدوات المقاومة المنهجية.
أمثلة عالمية على الثمن البشري للتحرر:
• فيتنام: واجه المزارعون والقرى الصغيرة قوة عسكرية فرنسية ثم أمريكية ضخمة، حيث كانت الكمائن، التضحية الفردية، والصمود المدني لغة المقاومة ضد القهر المادي، مع خسائر بشرية تراوحت بين 2-3 ملايين شهيد، معظمهم من المدنيين.
• الجزائر: حرب التحرر ضد الاستعمار الفرنسي (1954–1962) خلفت نحو 1.5 مليون شهيد، معظمهم من المدنيين، وأظهرت أن الاستقلال غالبا يأتي بثمن دموي هائل ودمار عمراني واسع.
• الهند وستالينغراد: استقلال الهند من الاستعمار البريطاني أدى إلى تقسيم دموي بين الهند وباكستان تسبب في ملايين القتلى واللاجئين، بينما في معركة ستالينغراد تكبد الروس أكثر من مليون شهيد بينهم نسبة كبيرة من المدنيين، هذه الحالات تبرز أن الثمن غالبا جزء لا يتجزأ من تحقيق هدف وجودي أو استراتيجي، ويتقاطع مع فلسفة المقاومة للشعوب الضعيفة.
خامسا: التميّز الفلسطيني في سياق عالمي
بينما دفعت جميع نماذج التحرر السابقة ثمنا بشريا هائلا، فلسطين تتميز بأنها تتعرض لاستهداف شامل بالمحو: جغرافي وديموغرافي وحضاري متزامن. المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الإحلالي في فلسطين لا يسعى فقط إلى السيطرة العسكرية أو السياسية، بل إلى الاقتلاع، الإحلال، وتغيير هوية الأرض بالكامل. هذا يجعل فلسطين حالة فريدة في التاريخ الحديث، حيث يلتقي القهر العسكري والسياسي والثقافي والرمزي في مشروع واحد للإبادة المادية والمعنوية.
لذلك، مساءلة المجاز والفعل الفلسطيني يجب أن تأخذ هذا البعد الفريد بعين الاعتبار: الثمن الباهظ ليس مجرد نتيجة للحروب، بل جزء من محاولات الاحتلال لإلغاء الشعب نفسه.
غير أن القول بذلك لا يعني التسليم بحتمية أشكال العنف أو حدوده. التاريخ يقدم نماذج متعددة لإدارة الكلفة البشرية والسياسية: تفاوت في شدتها، توزيعها، ووعي المجتمعات بها. الحتمية هنا ليست التضحية المطلقة، بل الصراع مع قوة مهيمنة لا تتنازل طوعا. أما كيف يُخاض هذا الصراع وكيف تُدار الخسارة ومن يملك قرار تحويل التضحية من ضرورة مؤقتة إلى أفق دائم، فهذا سؤال سياسي وأخلاقي مفتوح.
سادسا: لماذا لا توجد نماذج بلا ثمن؟
تفسير فانون وأطر فلسفة التحرر واضح: القوة المهيمنة لا تتخلى عن السيطرة إلا بعد مقاومة مستمرة.
• الشعوب الضعيفة أمامها خياران فقط: دفع الثمن الباهظ أو الاستسلام للاستمرار في القهر.
• أي محاولة “تجاوز للثمن” غالبا ما تتحول إلى استسلام أو إخضاع، لا إلى تحرر حقيقي.
لا توجد حالة تحرير تاريخية ناجحة استطاعت الفرار من الكلفة الإنسانية أو السياسية بالكامل. أفضل النماذج هي التي استطاعت تقليل الثمن أو إدارته بذكاء، لكنها لم تتمكن من تجنبه.
بهذا المعنى، مساءلة المجاز لا تتناقض مع الاعتراف بحتمية الثمن، بل تهدف إلى منع تحوّل الفعل من مأساة اضطرارية إلى نظام مغلق يعيد إنتاج ذاته باسم التاريخ.
سابعا: الدروس للفلسطينيين والشعوب الواقعة تحت الاحتلال
• المقاومة غالبا مصحوبة بثمن باهظ لا يمكن تجنبه، سواء أكان دما، تهجيرا، أو دمارا.
• المجاز (الحجر أمام الدبابة، الرمزية، التضحية) يصبح أداة لتخفيف أثر القهر، وليس سببا للأذى.
• مساءلة المجاز مفيدة، لكنها يجب أن تترافق مع فهم أن الثمن جزء من حتمية التحرر.
ثامنا: بنيامين وسؤال المعنى بعد الخراب
حين يتساءل حلس بمرارة: “كيف ما زال هناك من يبحث في هذا الدمار عن معنى؟”، فإنه يلامس، دون أن يسمّي، أطروحة والتر بنيامين عن التاريخ.
بنيامين يحذّر من البحث عن المعنى داخل الركام بوصفه تبريرا للتقدم، لكنه يرى أن الضحايا لا يملكون سوى هذا البحث كي لا يتحوّل موتهم إلى رقم. المأساة ليست أن الفلسطينيين بحثوا عن معنى، بل أن العالم لم يقدّم لهم أي أفق آخر سوى هذا المعنى القاسي.
تاسعا: نقد المجاز من داخل معركة البقاء
لا يعني الاعتراف بحالة الاستثناء التي يعيشها الفلسطيني إلغاء كل أشكال المسؤولية داخل الجماعة الواقعة تحت القهر، كما لا يعني تحميلها وزر الكارثة. المسؤولية هنا ليست مسؤولية سيادية كاملة، بل مسؤولية نسبية، مشروطة، ومحدودة بإكراهات الواقع.
تذكّرنا حنّة أرندت بأن المسؤولية السياسية لا تفترض الحرية المطلقة، بل القدرة - ولو المحدودة - على التمييز، وعلى منع الضرورة من التحوّل إلى عقيدة. أما فانون، فرغم دفاعه عن العنف التحرري، يحذّر من لحظة يتحوّل فيها العنف من أداة لتحرير الإنسان إلى آلية لإعادة إنتاج موته.
بهذا المعنى، لا تكون مساءلة الفعل الفلسطيني خيانة، ولا يكون تعليقها فضيلة. السؤال الأخلاقي الحقيقي ليس: لماذا قاوم الفلسطيني؟ بل: كيف نحول دون أن تتحوّل المقاومة - تحت ضغط الإبادة - إلى أفق مغلق يلتهم أبناءه باسم البقاء؟
هنا فقط يصبح نقد المجاز ضرورة داخلية، لا استجابة لضغط خارجي، فعل حماية للمعنى، لا تبريرا للخراب، ومحاولة يائسة للإبقاء على الإنسان حيا داخل معركة يُراد لها أن تُفرغه من إنسانيته.
عاشرا: القدرة على السؤال في زمن البقاء
في عالم يُراد له أن يرى الفلسطيني إمّا ضحية صامتة تستحق الشفقة، أو فاعلا مُدانا يستحق العقاب، يصبح فعل السؤال ذاته شكلا من أشكال المقاومة. ليس لأن السؤال يبرّئ الفعل، بل لأنه يرفض اختزال الإنسان إلى وظيفة واحدة داخل آلة الإبادة.
إن مساءلة المجاز، في هذا السياق، لا تستهدف نزع الشرعية عن المقاومة، ولا تبرير الكارثة بأثر رجعي، بل تسعى إلى حماية المعنى من التحوّل إلى أداة تبرير للموت. فحين تتحوّل الضرورة إلى عقيدة، ويُرفع القسر إلى مقام الأخلاق، تفقد المقاومة جوهرها الإنساني، حتى وهي تدافع عن البقاء.
ما يواجهه الفلسطيني اليوم ليس سؤال “هل كان يمكن تفادي الثمن؟” بل سؤال “كيف نمنع الثمن من أن يصبح أفقا نهائيا؟”. هنا فقط يصبح النقد فعلَ حياة، لا خطابَ إدانة، ويغدو التفكير - حتى في قلب الخراب - محاولة أخيرة للإبقاء على الإنسان حاضرا.
بهذا المعنى، لا يكون السؤال ترفا فكريا في زمن الإبادة، بل شرطا أخلاقيا للبقاء: بقاء الإنسان، وليس مجرّد استمرار الصراع.



غانية ملحيس
27/1/2026

تعليقات

خالد عطية


لعزيزة الدكتوره غانية،
نصّكِ، من النوع الذي يشتغل في المنطقة الأصعب: حيث لا يكون السؤال ترفًا، ولا يكون التعاطف بديلاً عن التفكير. قوّته أنه لا يدافع عن المقاومة بوصفها أسطورة، ولا يُدينها بوصفها خطيئة، بل يعيدها إلى شرطها التاريخي: شرط القسر، لا شرط الاختيار الحر.
هذا نصّ ينجح فيما يفشل فيه كثيرون: أن يكون مع الضحية من دون أن يلغـي السؤال، وأن يمارس النقد من داخل معركة البقاء. وهو، بهذا المعنى، دفاع عن الإنسان الفلسطيني بقدر ما هو دفاع عن المعنى نفسه.
خالد عطية
28/1/2026
 
غانية ملحيس


خالد العزيز
شكرا لك يا خالد على القراءة الدقيقة. يسعدني أنك التقطتَ جوهر الرهان في المقال: محاولة الإمساك بالسؤال دون تحويله إلى أداة قسوة، وبالتعاطف دون أن يتحوّل إلى بديل عن التفكير.
ما كتبته يلامس بالضبط ما سعيتُ إليه: أن يكون النقد فعل حماية للإنسان والمعنى معا، لا محاكمة للضحية ولا تبريرا للكارثة.
ممتنّة لهذا التفاعل الذي يوسّع النص ويضعه في حوار حيّ، لا في موقع دفاع أو اصطفاف.
غانية ملحيس
28/1/2026
 
نائل التونسي



الاخت الدكتورة غانية ملحيس المحترمة،
أود أن أعبر عن تقديري العميق لمقالكم الأخير وقراءتكم النقدية لمقال الدكتور عاهد حلس، والتي تفتح آفاقًا مهمة للتفكير في علاقة المجاز والفعل المقاوم بالسياق التاريخي والمادي.
قرأت باهتمام بالغ تعليقك، وحاولت التمعن في مداخلتك التي جمعت بين الفلسفة السياسية، نظرية المقاومة، والتحليل التاريخي. أود أن أشيد أولاً بوضوحك في التمييز بين عالم الأفكار (كما في إيفان كارامازوف) وعالم الواقع القسري الذي يعيشه الفلسطيني، وأهمية ربط مساءلة المجاز بالسياق التاريخي والمادي.
ما يقدّمه تعليقك يعيد إلى واجهة النقاش قضية مركزية غالبًا ما تُغفل في تحليلات الفعل المقاوم: أن المسؤولية الأخلاقية ليست مطلقة، بل مشروطة بحرية نسبية للفعل. هذا التأكيد على شرط الحرية، كما استشهدتِ بأرندت، مهم جدًا، لأنه يوضح الاختلاف الجوهي بين المجاز كأداة لتفسير المعنى، والفعل الفردي أو الجماعي داخل نظام قهر شامل.
أود أن أضيف بعض الملاحظات التفكيكية التي يمكن أن تعمّق النقاش:
1. المجاز كمرآة للتجربة المادية وليس سبباً للفعل: إن تأكيدك على أن المجاز الفلسطيني، من “الحجر أمام الدبابة” إلى الرموز الأخرى، نتاج قسر وتجربة مادية، وليس مسبّبًا للفعل، يضعنا أمام ضرورة إعادة تقييم كل قراءة تضع الأفكار في مركز الفعل التاريخي. المجاز إذن ليس خطراً أخلاقياً بحد ذاته، بل أداة لفهم الواقع ورفض اختزاله.
2. التاريخ العالمي للمقاومة: مقارنتك بنماذج التحرر مثل فيتنام والجزائر والهند، وأيضًا ستالينغراد، تمنح القارئ إطارًا موضوعيًا للتفاوت في الكلفة البشرية مقابل التحرر. هذا الربط يعزز حجتك بأن الثمن البشري ليس استثناءً فلسطينياً، لكن الفارق يكمن في طبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي يهدف إلى الإلغاء الشامل، وهو ما يجعل حالة فلسطين فريدة.
3. مساءلة المجاز كفعل حماية للمعنى: إن التأكيد على أن مساءلة الفعل والمجاز الفلسطيني لا تهدف إلى تبرير الخراب أو تحميل الضحية وزر الأحداث، بل إلى حماية المعنى الإنساني في قلب معركة البقاء، يفتح المجال لفهم النقد ليس كإدانة، بل كأداة أخلاقية للوعي الذاتي الجماعي، وهي قراءة متقدمة تُثري النقاش حول العلاقة بين الفعل والمجاز تحت القهر.
4. التساؤل الأخلاقي في زمن البقاء: ما شدّ انتباهي بشكل خاص هو ما ختمت به تعليقك: أن القدرة على السؤال نفسها تصبح فعل مقاومة، ليس لأنها تُبرّئ الفعل، بل لأنها تمنع الإنسان من أن يتحول إلى مجرد رقم أو وظيفة في آلة الإبادة. هذا الربط بين الفعل النقدي وشرط البقاء يُقدّم بعدًا فلسفيًا أصيلًا للنقد، ويجعل من السؤال فعل حياة.
في الختام، يبدو أن مساهمتك تُعيد التوازن بين قراءة المجاز والفعل المقاوم، وبين الأخلاق والتاريخ، وتؤكد على أن مساءلة المجاز الفلسطيني لا تعني نزع الشرعية عن المقاومة، بل حماية إنسانيتها في قلب القهر. وهذا توجيه مهم لأي نقاش مستقبلي حول العلاقة بين الرموز، الفعل، والتاريخ الفلسطيني.
مع خالص التقدير والاحترام
نائل التونسي
27/1/2026
 
غانية ملحيس


الأستاذ العزيز نائل التونسي
‎جزيل الشكر على قراءتك المتأنية، وعلى هذا التعليق العميق الذي لم يكتف بالتفاعل مع المقال، بل وسّع أفقه واشتغل على مفاصله المفهومية والأخلاقية بدقة.
‎يسعدني بشكل خاص التقاطك لمسألة شرط الحرية بوصفه أساسا للمساءلة الأخلاقية، ليس باعتباره تبريرا للفعل ولا تعليقا للأخلاق، بل كإطار ضروري لفهم الفعل الإنساني تحت القهر. هذا التمييز، كما أشرت، هو ما يمنع اختزال الفلسطيني إما إلى مجرّد رمز مجازي، أو إلى فاعل مُدان بمعايير مجردة من سياقها التاريخي والمادي.
‎إضافاتك التفكيكية حول المجاز بوصفه مرآة للتجربة المادية لا مولدا للفعل، وكذلك الربط بتاريخ المقاومة العالمي، تساهم في إعادة النقاش إلى أرضيته الصحيحة: أرضية التاريخ، والبنية الاستعمارية، وعدم تكافؤ القوة، بدل نقله إلى محكمة أخلاقية مفصولة عن شروطها.
‎أثمّن أيضا تأكيدك على أن مساءلة المجاز ليست فعل إدانة، بل فعل حماية للمعنى الإنساني في زمن يُراد فيه للإنسان أن يتحول إلى رقم، أو وظيفة، أو “أثر جانبي”. في هذا المعنى، يصبح السؤال نفسه أحد أشكال المقاومة، لأنه يحفظ للذات قدرتها على التفكير، وعلى عدم الذوبان الكامل في منطق الإبادة.
‎أشكرك مرة أخرى على هذا الحوار، الذي يؤكد أن النقاش حول المقاومة، والمجاز، والأخلاق، لا يمكن أن يكون إلا نقاشا مفتوحا، تاريخيا، ومسؤولا، لا يسعى إلى الطمأنة السهلة ولا إلى الإدانة الجاهزة.
مودتي واحترامي
غانية ملحيس
29/1/2026
 
عاهد حلس


شكرا دكتورة على تناولك منشوري في هذا المقال القيم. أتفق معكِ في أن من يعيش تحت تهديد الإبادة لا يملك ترف الاختيار الأخلاقي الكامل، ولا يمكن محاكمته بمنطق مجتمعات مستقرة.
لكن الإعفاء من المساءلة الأخلاقية لا يمنح الفعل صفة الصواب، ولا يسقط الحاجة إلى مراجعته عقليا، خصوصا حين تكون نتيجته النهائية هي الانتحار الجماعي، كما حدث في السابع من أكتوبر.

المرافعة عن الضحية لا يقتضي تحويل كل ما يصدر عنها إلى أفق مغلق لا يراجع.
فصورة الطفل في مواجهة الدبابة كانت في أصلها صرخة، لكنها تحولت لاحقا إلى رأسمال رمزي يستثمر ويتطور في ذهن (سميردياكوف الفلسطيني) الى فعل انتحار جماعي.
الخطر عزيزتي بدأ حين اخذتنا مصيدة المجاز بعيدا عن صوت البداهة العقلية، ومهما كانت الاسباب النبيلة التي ولدت المجاز فلا يجب ان تحجب السؤال البسيط:
هل يجوز أن يكون الأطفال والمدنيون وقودا للحرب، مهما كانت عدالة القضية؟
ألا يتعارض ذلك مع الآية الكريمة:
«وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا».
القتال هنا ليس طلبا للموت، بل دفاعا عن الحياة وعن المستضعفين، لا اعتبار موتهم ورقة رابحة.
كما أن الاستشهاد بتضحيات الشعوب الأخرى كنا في الجزائر وفيتنام لا ينبغي أن يكون بمعزل عن السياق التاريخي والصراعات الدولية التي أحاطت بها. فتحرر الجزائر، مثلا، لم يكن منفصلا عن ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية بين الحلفاء، فقد حصلت دول الخليج على استقلالها في الفترة نفسها دون ثورات. طبعا هذا المثال ليس دعوة إلى الركون للمتغيرات الدولية لتحقيق أهداف الشعوب المستعمرة، بل دعوة إلى مقاومة راشدة، تستند إلى حسابات عقلية ووعي دقيق بالمعادلات الدولية.
مودتي وتقديري لك
عاهد حلس
29/1/2028
 
غانية ملحيس


الصديق العزيز د. عاهد حلس
جزيل الشكر على ردّك وتفاعلك الجاد مع المقال، وعلى الحرص الواضح على إبقاء الحوار مفتوحا، وهو حرص أشاركه معك دون تردد.
‎أودّ بداية أن أوضح نقطة منهجية أراها مركزية في هذا النقاش: مقالي لم ينطلق من فكرة “الإعفاء من المساءلة الأخلاقية”، بل من تفكيك شروط هذه المساءلة حين يكون الفعل محاصرا ضمن بنية إبادة شاملة.
الفارق هنا دقيق لكنه حاسم، فالمساءلة لا تُلغى، لكنها لا تُمارس خارج شروط الحرية، ولا بمعايير مجتمعات مستقرة على واقع وجودي يُسلب فيه الحق في الحياة ذاتها.
‎أما توصيف السابع من أكتوبر بوصفه “انتحارا جماعيا”، فهو توصيف أتحفّظ عليه منهجيا، ليس دفاعا عن الفعل ولا تبريرا لنتائجه، بل لأن هذا الوصف ينقل النقاش من تحليل البنية الاستعمارية التي تنتج العنف، إلى أخلاقيات الضحية نفسها بوصفها مركز المشكلة. هنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في مساءلة الفعل، بل في تحويلها - من حيث لا نقصد - إلى مساءلة وجود.
‎فيما يتعلق بالمجاز، أوافقك أن المجاز قد يتحول إلى فخّ حين يُفصل عن العقل النقدي. لكن اختلافي معك يكمن في موضع الخطر: الخطر، في تقديري، لا يبدأ من المجاز ذاته، بل من قطع المجاز عن شروطه المادية والتاريخية، ثم تحميله لاحقا مسؤولية الفعل، وكأن الرموز هي التي تُنتج الواقع، وليس العكس. صورة الطفل أمام الدبابة لم تكن مشروعا تعبويا بقدر ما كانت أثرا وجوديا لتجربة قهر، ثم جرى توظيفها لاحقا ضمن مسارات سياسية وتنظيمية معقّدة لا يمكن ردّها إلى “مصيدة مجاز” فقط.
‎أما سؤالك الجوهري: «هل يجوز أن يكون الأطفال والمدنيون وقودا للحرب؟» فهو سؤال لا أختلف معه أخلاقيا، لكنه - في سياق الإبادة - لا يُطرح من موقع الاختيار، بل من موقع انهيار الحدود بين المدني والعسكري، بين الحياة والموت بفعل مشروع استيطاني إحلالي لا يعترف أصلا بهذه الفوارق. وهنا تحديدا يصبح الاستشهاد بالآية الكريمة دالا ليس على طلب الموت، بل على مأزق الدفاع عن الحياة حين تتحول الحياة نفسها إلى هدف للإلغاء.
‎وفيما يخص المقارنة بالتجارب التاريخية الأخرى، لم يكن استدعاؤها في المقال بهدف تعميم النموذج أو تبرير الكلفة البشرية، بل لتفكيك وهم “الاستثناء الأخلاقي الفلسطيني”، والتأكيد أن الثمن البشري كان دائما جزءا من معادلات التحرر، مع اختلاف السياقات الدولية. ومعك حق في التنبيه إلى أثر التوازنات العالمية، لكن هذا لا ينفي أن كثيرا من الشعوب لم تُمنح لحظة “العقلانية الدولية” إلا بعد أن فرضت نفسها كقضية لا يمكن تجاوزها.
‎أعتقد أن جوهر اختلافنا لا يدور حول قيمة الحياة، بل حول كيفية التفكير في الفعل تحت شروط نفي الحياة: هل نبدأ من النتيجة فنُعيد قراءة الفعل، أم نبدأ من البنية التي جعلت كل الأفعال محكومة بالفاجعة سلفا؟
‎أقدّر هذا الحوار، وأراه ضروريا، لا لأنه يُفضي إلى اتفاق، بل لأنه يحفظ للنقاش معناه، وللسؤال مكانه، في زمن يُراد فيه إغلاق الأسئلة باسم الحكمة
مودتي واحترامي
غانية ملحيس
29/1/2026
 
أعلى