عبد علي حسن - الفائض النقدي التضخم الخطابي وتراجع الفاعلية

تمثّل الكتابة النقدية أحد أهم الأنشطة الثقافية التي تمنح الأدب سياقَه القرائي والتأويلي، غير أنّ العقود الأخيرة شهدت ظهور ما يمكن تسميته بـ الفائض النقدي ، وهي ظاهرة تتجلّى في تضخّم الإنتاج المقالاتي والبحثي دون تحقيق قيمة معرفية موازية، أو دون أن يقود هذا الكمّ الكبير إلى تطوير أدوات التحليل أو إضاءة المناطق المظلمة من النص .
وإذ أشرت أكثر من مرة إلى وجود فائض سردي وشعري، فإنّ تفعيل مفهوم “الفائض” في حقول معرفية أخرى يبدو خطوة طبيعية ، هنا يصبح “الفائض النقدي” إطارًا قادرًا على قراءة الأزمة الراهنة في الخطاب النقدي العربي تحديدًا، وكيف أضحى النقد نفسه بحاجة إلى نقد.
* مفهوم الفائض النقدي – من الفكرة إلى المصطلح
يمكن أن نعرّف الفائض النقدي بأنه:
تضخّم الخطاب النقدي من حيث الكمّ، مع انخفاض ملموس في القيمة التحليلية أو التجديدية، بحيث تصبح الكتابة النقدية مكرّرة أو شكلية أو مؤدلجة أو خاضعة للمناسبات الثقافية، أكثر من ارتباطها بالمنجز الأدبي ونوعية الأسئلة المطروحة.
وبهذا التعريف، لا يكون الفائض مجرّد كثرة إنتاج، بل كثرة غير منتِجة ، أي أنّ المشكلة ليست في الكمّ بل في “العائد المعرفي” منه ،
وهذا المفهوم يرتبط بمفاهيم قريبة ظهرت في النقد الغربي مثل فائض المعنى كما عند بول ريكور أو فائض التأويل كما عند إيكو أو فائض النص وغيرها ،
لكنّ “الفائض النقدي” كما نصيغه هنا يعبّر عن خصوصية المشهد العربي، حيث تتجاور الجامعات، والمجلات، والملتقيات، وصفحات التواصل، لتنتج سيلًا من الكلام النقدي الذي لا يستند دائمًا إلى منهج، ولا يؤدي إلى تطوير ذائقة، ولا إلى تأسيس معرفة.
* جذور الفائض النقدي
أن تكوّن الفائض النقدي لم يأتِ من فراغ، بل ساهمت فيه عوامل متعددة مثلاً :-
1. التحوّل الأكاديمي
تحوّلت الكتابة النقدية داخل الجامعة إلى متطلبات وظيفية (ترقية، نقاط بحثية، حضور مؤتمرات)، ما جعل بعض الدراسات تُكتب على عجل، أو تُعاد صياغتها بأسماء مختلفة، أو تُنتج وفق “خطة منهجية” جامدة تُكرّر ذات البنية والأسئلة.
2. ثقافة المهرجانات والندوات
أن كثرة الملتقيات الثقافية أدّت إلى كتابة مقالات “احتفالية” سريعة، تُمجّد المنجز دون مساءلته، ما خلق نوعًا من “النقد المناسباتي” الذي يراكم الكم ولا يقدّم معرفة.
3. هيمنة المنهج على حساب النص
فمع دخول البنيوية والتفكيكية والسيميائيات والنقد الثقافي، لم يعد بعض النقاد يستمعون لصوت النص، بل باتوا يطبّقون المناهج كقوالب جاهزة ، هذا الاستخدام القسري للمناهج أنتج فائضًا:
النص واحد، لكن المقالات حوله تُستنسخ بلغات مختلفة دون إضافة.
4. ظهور فضاء التواصل الاجتماعي
إذ أن منصّات التواصل أتاحت للجميع الكتابة النقدية، ما أدى إلى اتّساع دائرة الخطاب، لكنّ الجودة لم تواكب اتّساع هذا الفضاء. ظهرت نصوص نقدية أقرب إلى الانطباع السريع، أو المجاملة، أو “اللايكات”.
5. غياب مشروع نقدي عربي موحّد
إذ لا يوجد اليوم – كما كان عند طه حسين، أو لوكاش، أو ريكور – مشروع نقدي طويل النفس، بل استبدلت المشروعات الكبرى بمقالات متفرّقة لا تنتظم في رؤية.
اما مظاهر الفائض النقدي فقد تجلّت في عدة صور منها :-
1. التكرار
فكثير من الدراسات تتشابه في مقدّماتها، ومفاهيمها، ونتائجها:
“الرمز”، “الأسطورة”، “السيمياء”، “السرد”، “الخطاب”.
حتى وإن اختلف النصّ الأدبي، تبقى الأدوات ذاتها، وكأنّ الناقد يقرأ بأدوات مسبقة لا تتغيّر.
2. اللغة المفرطة
استخدام خطاب بلاغي كثيف، غامض، أو مزخرف، يتعمّد الإبهام بدلًا من الإيضاح ، فتتحوّل اللغة إلى فائض يغطي ضعف الرؤية النقدية.
3. الاستشهادات الضخمة
يلجأ بعض النقاد إلى “التدعيم النظري” المفرط، فيقتبسون صفحات من دريدا أو فوكو أو باختين لإخفاء ضمور التحليل ، فيصبح المقال صفحة من الاقتباسات تتخللها سطور قليلة من رأي الناقد.
4. غياب الإضافة
يمكن أن تقرأ عشر مقالات عن قصيدة أو رواية دون أن تجد استنتاجًا جديدًا ، وجميعها تعيد الكلام نفسه بطرق مختلفة.
5. ضعف التحليل النصي
فالتحليل العميق يتراجع لصالح “الكلام حول الكلام”، أي أن النقد ينشغل بمفاهيمه أكثر مما ينشغل بالنص نفسه.
وبما أن الفائض النقدي ليس ظاهرة تقنية فقط بل يرتبط ببنية ثقافية ، فإننا نرى ان الأسباب المعرفية العميقة للفائض النقدي تتجلى في :-
1. أزمة المنهج
إذ أن النقد العربي يعيش بين “منهج قديم” و”موضة منهج جديد”، دون استقرار منهجي ، هذا التردد بين المناهج ينتج فائضًا لأن كل ناقد يحاول كتابة “نسخته الخاصة” من المنهج.
2. غياب الحسّ الإشكالي
أن النقد الحقيقي يبدأ بسؤال ، والفائض النقدي يبدأ برغبة في الكتابة فقط، وحين يغيب السؤال، يغيب الاكتشاف، ويظهر التكرار.
3. تراجع القراءة العميقة
فالناقد اليوم يقرأ نصوصًا كثيرة بسرعة، لكنه لا يعود إلى القراءة المتأنية التي تؤسس فكرًا نقديًا ، وهكذا يصبح النصّ مجرد مادة لتطبيق منهجي.
4. سيولة المفاهيم
غالباً ما يُعاد استعمال المصطلحات دون تدقيق، مثل: “الخطاب”، “السيمياء”، “الهابيتوس”، “المنعطف السردي”. تتراكم المصطلحات بلا ضبط، فتنتج وفرة غير معرفية.
ومن الممكن ملاحظة الأثر السلبي للفائض النقدي على القارئ والمشهد الأدبي ، فهو لا يبقى داخل المختبر الأكاديمي، بل ينعكس على الثقافة ويسهم في تشويش القاريء حتى يصل إلى حالة يأس من النقد؛ فكثرة المقالات المتشابهة تجعله لا يثق بأي مقال نقدي جديد ، وحين يصبح النقد احتفاليًا أو مكرّرًا، يفقد الكاتب الحقيقي مرايا تساعده على تطوير تجربته، مما يشكل ضرراً على المبدعين أنفسهم فضلا عن
تراجع سلطة النقد ، فالنقد الذي يُعيد نفسه لا يمتلك القدرة على التأثير. يصبح فرعًا هامشيًا بدل أن يكون نشاطًا معرفيًا أساسيًا .
* نحو نقد بلا فائض – ما البديل؟
لمعالجة الفائض النقدي، لا بدّ من إعادة تأسيس النقد وفق مسارات جديدة ، بالعودة إلى النص ، فالنقد يبدأ من النص وينتهي إليه.
والنص وحده يجب أن يقود إلى الأسئلة، لا العكس ، وتأسيس إشكاليات نقدية جديدة تنتجها حفريات النص التي ننتج مفاهيم جديدة،تتجاوز التكرار ، وكذلك السعي لكتابة نقدية ذات بُعد معرفي ، فلا نقد من دون رؤية:
ما الذي نريد قوله عن الأدب؟
وما الذي نريد تغييره في طرائق القراءة ، كما أن التقليل من الخطاب الإنشائي الذي يضخّم الفائض. فلغة النقد يجب أن تكون دقيقة، صافية، مكثفة ، واخيرا ضرورة استعادة “متعة التحليل”
فحين يتحوّل النقد إلى عبء، إلى واجب أكاديمي، يخسر جوهره ، النقد الحقيقي عمل استكشافي، وليس تطبيقًا منهجيًا.
وتأسيساً على ماسلف ذكره فإن
الفائض النقدي اليوم يمثل واحدة من أكثر الإشكالات خطورة على الحقل الثقافي العربي. ليس لأنه يكثر من الكتابة، بل لأنه يوفّر وهم النقد بدل النقد نفسه ، فالمقالات كثيرة، لكنّ الأسئلة قليلة ، و الكتب تتضخم، لكنّ الرؤية تتضاءل ، ان مواجهة هذا الفائض تستدعي إعادة تأسيس خطاب نقدي جديد يقوم على التساؤل، والتدقيق، وخلق المفاهيم، والعودة إلى النصوص، بذلك فقط يتحوّل النقد من فائض متراكم إلى معرفة منتجة، قادرة على الإضاءة لا التكرار .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى