سيدة بن جازية - متردّدة تتمرّد أيضا...

- كم آسف لكثرة تردّدك أيّها الفكر العقيم ، تتّخذ كل قراراتك ليلا كفارس مغوار وتنقضها نهارا... كلل و ملل من الفجر إلى النجر... تردّد متمرّد متلبّس بالتلكؤ... ماذا ينقصك ؟ أ تريد خصما بالنهار يوقد الشرارة ؟ أم إرادة معلّبة تقتنيها ببعض المال ؟ أم تفتح حقيبة يدك تستلّ رغبة محفوفة بالمخاطر ؟

تفتح عينا تغمض أخرى أيضا ... يُفتح باب العمل ... فتُغلقه سريعا مخافة المجهول ! متى تقف على ساقيك ؟ متى تثبت أنك قادر ؟
افعلها مرة واحدة... مرة واحدة تحدّد بها البوصلة ؛
بوصلة الجسد ليتبع الفكر الثائر والروح المتّقدة ...
كم هو عنيد هذا الجسد ! كم هو ثقيل الخطو ! متلفّع بغلالة الجبن و الهوان... بوصلة و زمن يربكان ...

بينك وبين نفسك صراع مرير دؤوب ، لشدّما أرّقني ملازمته لك...اقطعه بسيف العزم ، اهزمه بالتنفيذ ، بالحزم ،لا تتردّد ... كلنا معك أيضا ، حواسك الخمس بل السبع ، بل اكثر من ذلك ، بصيرتك ، إرادتك ، فؤادك ... ما خاب من عجل بقضاء أموره... دون كتمان ، هيا تحرّٓك كالإعصار ... خذ باليد الأخرى ، التحما ... سيصفّق لك الرقيب...

انهضا نهوض المتيقّن المشبع بالحياة... ارقص رقصة الوجود ، الطاقة ، القوة ،الحرية ، الاندفاع... لا تنتظر أحدا يقلع شوكك من طريقك ... لن تجد أحدا.
""""""""""""

_ لا تتهوّر ، تعلم أنني أقرّر ليلا عندما يكون الكل نياما ... اتقلّد تاجي الماسيّ ،أمسك بزمامي ، أخطّط ،أتدبّر ...
"""""""""""""""""
_ وما الفرق ؟
_ الفرق شاسع يا أينونتي... اعلمي أنه... إن الأمر صعب ...
عندما أسمع حركتهم تتجمّد عزيمتي ... تتراجع... تتقهقر ...

هم لا يرحمون أحدا... لا يفهمون الخطأ ... لا يقيلون العثرة...
سيشيرون إليّ بالبنان ... سيقولون إنها حاولت وفشلت رغم أنها تعلم أنها ستفشل... مثلما فشل الجميع في دنياي...ستصمّ أذني قهقهاتهم الصفراء... ستنهش لحمي ألسنتهم الحادة المسنونة ... لأنهم ينتظرون ذلك ، ينصبون لي الفخاخ...
تتزعزع إرادتي... تتنحّى رغبتي... تعود إلى وكرها منكمشة منهارة ... تتقوقع في انسحابها الدؤوب ، فأواصل يومي وحيدة مفرغة من كل طاقة ، من أيّة حياة ، وجودي مختلف عن ذاتي ...

تحاصرني المخاوف من كل اتجاه ،تتجمّع حولي العراقيل تتعاظم كندف ثلجية متكورة ، تصدّني المكبّلات ... ربما ظلمة الليل تخفيها أو أنني لا أراها أو ربما هي التي لا تراني ... تتركني وسط الطريق وتنام...

الشمس تفضح الخفايا والخبايا يا أينونة ... النور يخترق كل شيء مرئي ولا مرئي ... يخترق دهاليز الروح المتشظية الغريبة ...
وفي الناحية الأخرى في تلك البؤرة الأبدية حيث لايزال يختفي ثني مقاصدي اليومية ، أحلامي و أوهامي...

أراه يترصّدني بفأسه القاطعة ، إنه يشهّر بها أينما حللت ،يقطع أوصالي ،يهشّم رأسي ،يبدّد آمالي...

مجرم رغم أنفه ،خُلق فقط لإحباطي ... لحدّ عزمي... للجمي .
كيف أتجاهله مثلما يتجاهلني بل يتظاهر التجاهل كي يراوغني ؟ يربكني ...ككل مرة سيتعقّبني فأتدحرج صوب الهاوية... يقهقه عاليا بصوته الأجشّ الجهوري...يتعكّر مزاجي،
أتعثّر في وحل الطريق إلى مخدعي ، منكسرة كما يشاء ، أفكّر ثانية في الإعادة ، دون مهادنة ،بلا هوادة سأنتقم ... أتمرّد ثائرة ، يثور بركان حممه تستعر من غيظ السنين المتراكمة و الوجوه المتعفّرة و العيون و الأنوف و الشفاه...

لا منفذ لتحقيق ذلك ! لا للتمرّد. ! لا للتردّد ثانية !

إنه يتوغّل ، يلج مناطق وعيي ولا وعيي ، يغتال أحلامي ثم ينكفئ تحت حائط المبكى يدّعي الحِلم و السلم والبراءة ... مدعيا أنه مظلوم ...

أتعلمون أنه يخفي مخالبه وأنيابه بكيس يلازمه تحت العباءة السوداء ، رأيته يغيّر قشوره الصفراء ، بنفسجية ...

يداهمني كل مرة بلون ثم يلتهمني كي لا يتّهمه أحد ... أتحلّل ... لا أقاوم... فيغلبني خوفي و أسقط مغشيا عليّ ، انسى الموضوع بل أتناساه على مضض...

أنتظر من الكوّة البعيد أرقب الأفق... متى يلوح النور؟
”"""""""""""""""

ستعود الشمس إلى مخدعها وسيلحقها يلقي عليها رداءه يتسلّل إلى الجحر ... ينفث النار الثلجية الزرقاء ... ينشر سمّه الزّعاف ثم يخلد إلى النوم هانئا كالقط الوديع ...

أمسح اللّسعات بأكسير الحياة النديّة ، فجرا تنتفض كل الآمال هنا وهناك. تدغدغني بلا انقطاع ، أتكاسل ، أتأخّر ، لكن لا أقوى على خذلانها ، أكرّر ها ! هل يمكن لي فعلها ؟ أرغب في فعل ذلك...

صوت من الداخل يحاول إقناع الجسد ، كوني دائما متفائلة . الخير قادم على مهل ، لعل أمرا بعد ذلك يحدث ...

أ تتغير كينونتي هذا الصباح ؟

حين ارتدي الرداء الأحمر أبحث عن الذئب في الأدغال ، أستلّ سناني... أغرسه في عمق الجوف الخاوي كفزّاعة حقل محروق السنابل اسود ،أكرّرها مرّات و مرّات ... لا أهتمّ لوخز نابيه بذراعي الدامية ، الجرح أرحم من ندباتي الخفية النازفة ... سأستعيد الحياة ، فلتبقى الندوب شاهدي الوحيد...

تنفرج شفتاي قبل تسليم الروح لبارئها قانعة بالكثير ...
المهم أنني تغيّرت ... تحرّرت ... ستردّد تلك الأينونة العظمى لجواريها بالمقاصير ، تلك البلهاء أنجزت المهمة ، المهم ذات يوم فعلتها...و يسري الخبر بين الآناءات في حيي العتيق...

تنصدم الواشيات الرابضات على الربوة المجاورة ... تحضرن في الموعد للأخذ باليد فلا يجدن غير جثة هامدة دون حياة ، مختلفة يشعّ منها نور خافت ، يبتسم الذئب من تحت الرداء الأسود هازئا:

_ انتصرت مجدّدا ، كسرت صولتها ... فزت بكل الجولات...

""""""

فعلتها أخيرا ولو كان حلما ورديا قتلت فيه تلك النفس المتردّدة ، حرّرت ذاك الطموح المتمرّد على الجميع ، كسرت الحواجز يوم ثأرت لإرادتي المسلوبة ...لكن خانني ذاك الجسد العميل لطاقة الجذب الأرضي باستمرار و بعض الأينوناتي المتنافرات...

بعد مخاض عسير ، تركتك وحيدا تحت عباءتك المستعارة...
سأرمّم ذاتي وحدي... سأحتسي نخب الوجود...

في يوم ما سأقول وصلت إلى حيث شئت ... بلا جسد... بلا رقيب... بين أنّاتي.

سيدة بن جازية //. تونس 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى